الإسلام > الصيام > صوم التطوع > صوم يوم السبت منفردا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 39 دقيقة قراءةصَومُ يَومِ السَّبتِ مُنفرِدًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ صَومِ يَومِ السَّبتِ تَطوُّعًا مُنفرِدًا هل يَجوزُ بدون كَراهةٍ أو يَجوزُ مع الكَراهةِ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُكرَهُ إفرادُ يَومِ السَّبتِ بصيامٍ، لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لَا تَصُومُوا يَومَ السَّبْتِ إلا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ؛ فإنْ لم يَجِدْ أحَدُكم إلا عُودَ عِنَبٍ أو لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيَمُصَّهُ» (١). وعَلَّل الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ الكَراهةَ بأنَّه يُشبِهُ صَومَ اليَهودِ، قال الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ويُكرَهُ صَومُ يَومِ السَّبتِ بانفِرادِه؛ لأنَّه تَشبُّهٌ باليَهودِ (٢).
وقال الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: ومَعنى النَّهيِ أنْ يَختَصَّه الرَّجلُ بالصِّيامِ: لأنَّ اليَهودَ يُعظِّمونَه (٣).
وقال ابنُ عَقيلٍ رحمة الله عليه: إنَّه يَومٌ تُمسِكُ فيه اليَهودُ ويَخصُّونه بالإمساكِ، وهو تَركُ العَملِ فيه، والصائِمُ في مَظِنَّةِ تَركِ العَملِ فيَصيرُ صَومُه تَشبُّهًا بهم (٤).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٤٢١)، والترمذي (٧٤٤)، والدارمي (١٧٤٩)، وابن ماجه (١٧٢٦)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢١٦٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٦١٥)، والحاكم (١٥٩٢)، وأحمد (٢٧٢٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٩)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢٧٨).
(٣) «المجموع» (٦/ ٤١٥).
(٤) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٦٥).
وقد نَصَّ فُقهاءُ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ على أنَّ الكَراهةَ تَنتَفي بأحَدِ أمرَيْن:
أحَدُهما: أنْ يُوافِقَ يَومًا كان يَصومُه.
والآخَرُ: أنْ يَصومَ معه غَيرَه.
قال ابنُ عابِدين رحمة الله عليه: ويُكرهُ صَومُ يَومِ السَّبتِ وَحدَه … إلا إذا وافَق يَومًا كان يَصومُه قبلُ، كما لو كان يَصومُ يَومًا ويُفطِرُ يَومًا أو كان يَصومُ أوَّلَ الشَّهرِ مَثلًا فوافَق يَومًا من هذه الأيامِ.
وأفادَ قَولُه: وَحدَه أنَّه لو صامَ معه يَومًا آخَرَ فلا كَراهةَ؛ لأنَّ الكَراهةَ في تَخصيصِه بالصَّومِ لِلتَّشبُّهِ.
وهل إذا صامَ السَّبتَ مع الأحَدِ تَزولُ الكَراهةُ؟ مَحَلُّ تَردُّدٍ؛ لأنَّه قد يُقالُ: إنَّ كلَّ يَومٍ منهما مُعظَّمٌ عندَ طائِفةٍ من أهلِ الكِتابِ، ففي صَومِ كلِّ واحِدٍ منهما تَشبُّهٌ بطائِفةٍ منهم.
وقد يُقالُ: إنَّ صَومَهما معًا ليس فيه تَشبُّهٌ؛ لأنَّه لم تَتَّفِقْ طائِفةٌ منهم على تَعظيمِهما معًا، ويَظهَرُ لي الثاني بدَليلِ أنَّه لو صامَ الأحَدَ مع الاثنَيْنِ تَزولُ الكَراهةُ؛ لأنَّه لم يُعظِّمْ أحَدٌ منهم هَذَيْن اليَومَيْن معًا، وإنْ عَظَّمت النَّصارى الأحَدَ، وكذا لو صام مع عاشُوراءَ يَومًا قبلَه أو بعدَه مع أنَّ اليَهودَ تُعظِّمُه.
ويَظهَرُ من هذا أنَّه لو جاء عاشوراءُ يَومَ الأحدِ أو الجُمُعةِ لا يُكرهُ صَومُ
السَّبتِ معه، وكذا لو كان قبلَه أو بعدَه يَومُ المِهرَجانِ أو النَّيروزِ لِعَدمِ تَعمُّدِ صَومِه بخُصوصِه، واللهُ تَعالى أعلَمُ (١).
وزادَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ أمرًا ثالِثًا تَزولُ به الكَراهةُ، وهو إذا كان صيامَ فَرضٍ كنَذرٍ أو قَضاءٍ أو كَفَّارةٍ.
قال الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: يُكرَهُ إفرادُ يَومِ السَّبتِ بالصَّومِ؛ فإنْ صامَ قبلَه أو بعدَه معه لم يُكرَهْ؛ صَرَّح بكَراهةِ إفرادِه أصحابُنا منهم الدارِميُّ والبَغَويُّ والرافِعيُّ وغَيرُهم، ومَعنى النَّهيِ أنْ يَختَصَّه الرَّجلُ بالصِّيامِ: لأنَّ اليَهودَ يُعظِّمونه (٢).
وقال الإمامُ الرَّمليُّ رحمة الله عليه: (وإفرادُ السَّبتِ) أو الأحَدِ بالصَّومِ كذلك بجامِعِ أنَّ اليَهودَ تُعظِّمُ الأولَ، والنَّصارى تُعظِّمُ الثانيَ فقصَد الشارِعُ بذلك مُخالَفَتَهم، ومَحلُّ ما تَقرَّر إذا لم يُوافِقْ إفرادُ كلِّ يَومٍ من الأيامِ الثَّلاثةِ عادةً له، وإلا كأنْ كان يَصومُ يَومًا ويُفطِرُ يَومًا أو يَصومُ عاشوراءَ أو عَرَفةَ فوافَق يَومَ صَومِه فلا كَراهةَ، كما في صَومِ يَومِ الشَّكِّ … ، ويُؤخَذُ من التَّشبيهِ أنَّه لا يُكرهُ إفرادُها بنَذرٍ وكَفَّارةٍ وقَضاءٍ، وخرَج بإفرادِ ما لو صامَ أحَدَهما مع يَومٍ قبلَه أو يَومٍ بعدَه، فلا كَراهةَ لِانتِفاءِ العِلَّةِ؛ إذْ لم يَذهَبْ أحَدٌ منهم لِتَعظيمِ المَجموعِ (٣).
(١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٧٩).
(٢) «المجموع» (٦/ ٤١٥).
(٣) «نهاية المحتاج» (٣/ ٢٤٠، ٢٤١)، ويُنظَر: «النجم الوهاج» (٣/ ٣٦٠، ٣٦١٤).
وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قال أصحابُنا: يُكرهُ إفرادُ يَومِ السَّبتِ بالصَّومِ، لِما رَوى عَبدُ اللهِ بنُ بُسرٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا تَصوموا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِضَ عليكم» أخرَجه التِّرمذيُّ وقال: هذا حَديثٌ حَسَنٌ.
ورُوي أيضًا عن عَبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ عن أُختِه الصَّماءِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا تَصوموا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِض عليكم؛ فإنْ لم يَجِدْ أحَدُكم إلا لِحاءَ عِنَبٍ أو عُودَ شَجَرةٍ فليَمضُغْه» أخرَجه أبو داودَ.
وقال: اسمُ أُختِ عَبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ هُجَيمةَ أو جُهَيمةَ، قال الأثرَمُ: قال أبو عَبدِ اللهِ: أمَّا صيامُ يَومِ السَّبتِ يَتفرَّدُ به؛ فقد جاء فيه حَديثُ الصَّماءِ وكان يَحيى بنُ سَعيدٍ يَتَّقيه، أي أنْ يُحدِّثَني به، وسَمِعتُه من أبي عاصِمٍ، والمَكروهُ إفرادُه؛ فإنْ صامَ معه غَيرَه لم يُكرَهْ، لِحَديثِ أبي هُريرةَ وجُوَيريةَ.
وإنْ وافَق صَومًا لِإنسانٍ لم يُكرَهْ، لِما قَدَّمناه، وقال أصحابُنا: ويُكرَهُ إفرادُ يَومِ النَّيروزِ ويَومِ المِهرَجانِ بالصَّومِ؛ لأنَّهما يَومانِ يُعظِّمُهما الكُفَّارُ، فيَكونُ تَخصيصُهما بالصِّيامِ دونَ غَيرِهما مُوافَقةً لهم في تَعظيمِهما، فكُرِهَ كيَومِ السَّبتِ، وعلى قياسِ هذا كلُّ عيدٍ لِلكُفَّارِ أو يَومٍ يُفرِدونه بالتَّعظيمِ (١).
وقال المَرداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: ويَومَ السَّبتِ، يَعني يُكرَهُ إفرادُ يَومِ السَّبتِ بالصَّومِ، وهو المَذهبُ وعليه الأصحابُ، واختارَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ
(١) «المغني» (٣/ ٥٢، ٥٣).
أنَّه لا يُكرَهُ صيامُه مُفردًا، وأنَّه قَولُ أكثَرِ العُلماءِ وأنَّه الذي فَهِمه الأثرَمُ من رِوايَتِه وأنَّ الحَديثَ شَاذٌّ أو مَنسوخٌ، وقال: هذه طَريقةُ قُدماءِ أصحابِ الإمامِ أحمدَ الذين صَحِبوه كالأثرَمِ وأبي داودَ، وأنَّ أكثَرَ أصحابِنا فَهِم من كَلامِ الإمامِ أحمدَ الأخْذَ بالحَديثِ، انتهى، ولم يَذكُرِ الآجُريُّ كَراهةَ غَيرِ صَومِ يَومِ الجُمُعةِ، فظاهِرُه لا يُكرَهُ غَيرُه (١).
وقال البُهوتيُّ رحمة الله عليه: (وَ) يُكرَهُ تَعمُّدُ (إفرادِ يَومِ السَّبتِ) بصَومٍ، لِحَديثِ عَبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ عن أُختِه الصَّمَّاءِ «لا تَصومُوا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِض عليكم» رَواه أحمدُ بإسنادٍ جيِّدٍ والحاكِمُ وقال: على شَرطِ البُخاريِّ، ولأنَّه يَومٌ تُعظِّمُه اليَهودُ، ففي إفرادِه تَشبُّهٌ بهم، ويَومُ السَّبتِ آخِرُ أيامِ الأُسبوعِ، قال الجَوهَريُّ: سُمِّيَ يَومَ السَّبتِ لِانقطاعِ الأيامِ عندَه.
(إلا أنْ يُوافِقَ) يَومُ الجُمُعةِ أو السَّبتِ (عادةً) كأنْ وافَق يَومَ عَرَفةَ أو يَومَ عاشوراءَ، وكان عادَتُه صَومَهما، فلا كَراهةَ؛ لأنَّ العادةَ لها تَأثيرٌ في ذلك (٢).
وقال ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه بعدَ ذِكرِ حَديثِ دُخولِ الصَّماءِ على النَّبيِّ ﷺ: وعلى هذا يَكونُ معنى قَولِه ﷺ: «لا تَصوموا يَومَ السَّبتِ» أي: لا تَقصِدوا صَومَه بعَينِه إلا في الفَرضِ؛ فإنَّ الرَّجلَ يَقصِدُ صَومَه بعَينِه بحيث لو لم يَجِبْ عليه إلا صَومُ يَومِ السَّبتِ كمَن أسلَم ولم
(١) «الإنصاف» (٣/ ٣٤٧).
(٢) «كشاف القناع» (٢/ ٣٩٥).
يَبقَ من الشَّهرِ إلا يَومُ السَّبتِ؛ فإنَّه يَصومُه وَحدَه، وأيضًا فقَصدُه بعَينِه في الفَرضِ لا يُكرَهُ بخِلافِ قَصدِه بعَينِه في النَّفلِ؛ فإنَّه يُكرَهُ، ولا تَزولُ الكَراهةُ إلا بضَمِّ غَيرِه إليه أو مُوافَقتِه عادةً، فالمُزيلُ لِلكَراهةِ في الفَرضِ مُجرَّدُ كَونِه فَرضًا، لا المُقارَنةُ بينَه وبينَ غَيرِه، وأمَّا في النَّفلِ فالمُزيلُ لِلكَراهةِ ضَمُّ غَيرِه إليه، أو مُوافَقتُه عادةً ونَحوَ ذلك، قالوا: وأمَّا قَولُكم: إنَّ الاستِثناءَ دَليلُ التَّناوُلِ إلى آخِرِه فلا رَيبَ أنَّ الاستِثناءَ أخرَجَ صُورةَ الفَرضِ من عُمومِ النَّهيِ، فصُورةُ الاقتِرانِ بما قبلَه أو بما بعدَه أُخرِجت بالدَّليلِ الذي تَقدَّم، فكِلا الصُّورتَيْن مُخرَجةٌ: أمَّا الفَرضُ فبالمُخرَجِ المُتَّصِلِ، وأمَّا صَومُه مُضافًا فبالمُخرَجِ المُنفَصِلِ، فبَقيَت صُورةُ الإفرادِ واللَّفظُ مُتناوِلٌ لها، ولا مُخرَجَ لها من عُمومِه فيَتعَيَّنُ حَملُه عليها (١).
وذهَب المالِكيَّةُ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه إلى أنَّه يَجوزُ إفرادُ يَومِ السَّبتِ بدونِ كَراهةٍ، واستدَلُّوا على ذلك بعِدَّةِ أحاديثَ كلُّها تَدُلُّ على صيامِ يَومِ السَّبتِ، وأنَّ الحَديثَ الوارِدَ في النَّهيِ عن صَومِ يَومِ السَّبتِ ضَعيفٌ لا يَصحُّ، أو مَنسوخٌ. وهذه الأحاديثُ هي:
أ- حَديثُ جُوَيريةَ بِنتِ الحارِثِ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهي صَائِمَةٌ، فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ». قَالَتْ لا. قَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا». قَالَتْ لا. قَالَ «فَأَفْطِرِي» (٢).
(١) «حاشية سنن أبي داود» (٧/ ٥١).
(٢) رواه البخاري (١٨٨٥).
قَولُه: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا» يَعني يَومَ السَّبتِ، فدَلَّ بمَفهومِ المُخالَفةِ أنَّها لو جمَعت مع يَومِ الجُمعةِ يَومَ السَّبتِ لَقالَ لها: صُومي؛ ولَدَلَّ ذلك على الجَوازِ.
ب- حَديثُ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنه قال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: «فإنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فإنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ، قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عليه السلام، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيامِ»، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ».
فلَمَّا كَبِر عَبدُ اللهِ قال: لَأنْ أكونَ انتَهَيتُ إلى ما أمَرَني به رَسولُ اللهِ ﷺ أحَبُّ إلَيَّ مما طَلَعت عليه الشَّمسُ، ولكنْ لا أدَعُ فَريضةً فرَضها علَيَّ رَسولُ اللهِ ﷺ، وكان يَقولُ: «يا لَيْتَني قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبيِّ» (١).
دَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّه لا يَمُرُّ عليه أُسبُوعانِ إلا ويَصومُ يَومَ سَبتٍ.
ج- وحَديثُ أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» (٢). فاليَومُ الذي بعدَه هو يَومُ السَّبتِ.
(١) رواه البخاري (١٨٧٤، ١٨٧٥).
(٢) رواه البخاري (١٨٨٤).
د- وعَنْ عائِشةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ».
وفي رِوايةٍ أُخرى لها قَالَتْ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ؛ فإنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ» (١). وفيه يَومُ السَّبتِ.
فهذه الأدِلَّةُ مع غَيرِها كَثيرٍ تُفيدُ جَوازَ صيامِ يَومِ السَّبتِ مُطلَقًا.
قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: ومنها أنَّه أمَرَ بصَومِ المُحرَّمِ وفيه يَومُ السَّبتِ، وقال: «مَنْ صامَ رَمضانَ وأتبَعه بسِتٍّ من شَوَّالٍ كان كصيامِ الدَّهرِ» وقد يَكونُ السَّبتُ فيها وأمرَ بصيامِ أيَّامِ البِيضِ وقد يَكونُ فيها السَّبتُ ومِثلُ هذا كَثيرٌ.
فهذا الأثرَمُ فَهِم من كَلامِ أبي عَبدِ اللهِ أنَّه تَوقَّف عن الأخذِ بالحَديثِ وأنَّه رُخِّص في صَومِه حيثُ ذكَر الحَديثَ الذي يَحتَجُّ به في الكَراهةِ وذكَر أنَّ الإمامَ في عِللِ حَديثِ يَحيى بنِ سَعيدٍ كان يَتَّقيه ويأبى أنْ يُحدِّثَ به، فهذا تَضعيفٌ لِلحَديثِ.
واحتَجَّ الأثرَمُ بما دَلَّ من النُّصوصِ المُتواتِرةِ على صَومِ يَومِ السَّبتِ، ولا يُقالُ: يُحمَلُ النَّهيُ على إفرادِه؛ لأنَّ لَفظَه: «لا تَصومُوا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِض عليكم»، والاستِثناءُ دَليلُ التَّناوُلِ، وهذا يَقتَضي أنَّ الحَديثَ
(١) رواه البخاري (١٨٦٩)، ومسلم (١١٥٦).
يَعُمُّ صَومُه على كلِّ وَجهٍ وإلا لو أُريدَ إفرادُه لَما دخَل الصَّومُ المَفروضُ لِيُستَثْنى؛ فإنَّه لا إفرادَ فيه، فاستِثناؤُه دَليلٌ على دُخولِ غَيرِه بخِلافِ يَومِ الجُمعةِ؛ فإنَّه بيَّن أنَّه إنَّما نَهى عن إفرادِه.
وعلى هذا يَكونُ الحَديثُ إمَّا شاذًّا غَيرَ مَحفوظٍ وإمَّا مَنسوخًا، وهذه طَريقةُ قُدماءِ أصحابِ أحمدَ الذين صَحِبوه كالأثرَمِ وأبي داودَ.
وقال أبو داودَ: حَديثٌ مَنسوخٌ، وذكَر أبو داودَ بإسنادِه عن ابنِ شِهابٍ أنَّه كان إذا ذُكِر له أنَّه نَهى ﷺ عن صيامِ السَّبتِ يَقولُ ابنُ شِهابٍ: هذا حَديثٌ حِمصيٌّ، وعن الأوزاعيِّ قال: ما زِلتُ له كاتِمًا حتى رأيتُه انتشَر بعدُ، يَعني حَديثَ ابنِ بُسرٍ في صَومِ يَومِ السَّبتِ.
قال أبو داودَ: قال مالِكٌ: هذا كَذِبٌ، وأكثَرُ أهلِ العِلمِ على عَدمِ الكَراهةِ.
وأمَّا أكثَرُ أصحابِنا ففَهِموا من كَلامِ أحمدَ الأخْذَ بالحَديثِ، وحَملَه على الإفرادِ؛ فإنَّه سُئِل عن عَينِ الحُكمِ فأجابَ بالحَديثِ وجَوابُه بالحَديثِ يَقتَضي اتِّباعَه، وما ذُكِر عن يَحيى إنَّما هو بَيانُ ما وقَع فيه من الشُّبهةِ، وهؤلاء يَكرَهون إفرادَه بالصَّومِ عَملًا بهذا الحَديثِ بجَودةِ إسنادِه وذلك مُوجِبٌ لِلعَملِ به وحَمَلوه على الإفرادِ كصَومِ يَومِ الجُمعةِ وشَهرِ رَجَبٍ.
وقد رَوى أحمدُ في المُسندِ من حَديثِ ابنِ لَهيعةَ: حَدَّثنا مُوسى بنُ وَردانَ عن عُبَيدٍ الأعرَجِ حَدَّثَتْني جَدَّتي، يَعني الصَّمَّاءَ، أنَّها دخَلت على رَسولِ اللهِ ﷺ يَومَ السَّبتِ وهو يَتغَدَّى، فقال تَعالَيْ تَغَدَّيْ،
فقالت: إنِّي صائِمةٌ، فقال لها: أصُمتِ أمسِ، قالت: لا، قال: كُلي؛ فإنَّ صيامَ يَومِ السَّبتِ لا لكِ ولا عَلَيكِ»، وهذا -وإنْ كان إسنادُه ضَعيفْا- يدُلُّ عليه سائِرُ الأحاديثِ، وعلى هذا يَكونُ قَولُه ﷺ: «لا تَصوموا يَومَ السَّبتِ»، أي: لا تَقصِدوا صيامَه بعَينِه إلا في الفَرضِ؛ فإنَّ الرَّجلَ يَقصِدُ صَومَه بعَينِه بحيث لو لم يَجِبْ عليه إلا صَومُ يَومِ السَّبتِ كمَن أسلَم ولم يَبقَ من الشَّهرِ إلا يَومُ السَّبتِ؛ فإنَّه يَصومُه وَحدَه.
وأيضًا فقَصدُه بعَينِه في الفَرضِ لا يُكرَهُ بخِلافِ قَصدِه بعَينِه في النَّفلِ؛ فإنَّه يُكرَهُ ولا تَزولُ الكَراهةُ إلا بضَمِّ غَيرِه إليه أو مُوافَقتِه عادةً فالمُزيلُ لِلكَراهةِ في الفَرضِ مُجرَّدُ كَونِه فَرضًا لا لِلمُقارَنةِ بينَه وبينَ غَيرِه، وأمَّا في النَّفلِ فالمُزيلُ لِلكَراهةِ ضَمُّ غَيرِه إليه أو مُوافَقتُه عادةً، ونَحوُ ذلك.
قد يُقالُ: الاستِثناءُ أخرَج بَعضَ صُورِ الرُّخصةِ وأخرَج الباقيَ بالدَّليلِ ثم اختَلفَ هؤلاء في تَعليلِ الكَراهةِ.
فعَلَّلها ابنُ عَقيلٍ بأنَّه يَومٌ تُمسِكُ فيه اليَهودُ ويَخصُّونَه بالإمساكِ، وهو تَركُ العَملِ فيه، والصائِمُ في مَظنَّةِ تَركِ العَملِ فيَصيرُ صَومُه تَشبُّهًا بهم، وهذه العِلَّةُ مُنتفيةٌ في الأحَدِ.
وعَلَّله طائِفةٌ من الأصحابِ بأنَّه يَومُ عِيدٍ لِأهلِ الكِتابِ يُعظِّمونَه فقَصَده بالصَّومِ دونَ غَيرِه يَكونُ تَعظيمًا له فكَرِه ذلك، كما كَرِه إفرادَ عاشوراءَ بالتَّعظيمِ لِما عَظَّمه أهلُ الكِتابِ وإفرادُ رَجَبٍ أيضًا لِما عَظَّمه المُشرِكون.
وهذا التَّعليلُ قد يُعارَضُ بيَومِ الأحدِ؛ فإنَّه يَومُ عيدِ النَّصارى؛ فإنَّه ﷺ قال: «اليَومُ لنا وغَدًا لِليهودِ وبَعدَ غَدٍ لِلنَّصارى» وقد يُقالُ: إذا كان يَومُ عِيدٍ فمُخالَفَتُهم فيه بالصَّومِ لا بالفِطرِ.
ويَدُلُّ على ذلك ما رَواه كُرَيبٌ مَولَى ابنِ عَباسٍ قال: أرسَلني ابنُ عَباسٍ وناسٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ إلى أُمِّ سَلمةَ أسألُها: أيَّ الأيامِ كان رَسولُ اللهِ ﷺ أكثَرَ صيامًا لها؟ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الأَحَدِ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا عِيدَانِ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمُ» (١). رَواه أحمدُ وابنُ أبي عاصِمٍ والنَّسائيُّ وصَحَّحَه بَعضُ الحُفَّاظِ.
وهذا نَصٌّ في استِحبابِ صَومِ يَومِ عيدِهم لِأجلِ قَصدِ مُخالَفتِهم.
وقد رُوي عن عائِشةَ رضي الله عنها قالت: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ من الشَّهرِ السَّبتَ وَالأَحَدَ والاثنَينَ ومِنَ الشَّهرِ الآخَرِ الثُّلاثَاءَ وَالأَرْبِعَاءَ وَالخَمِيسَ» (٢) رَواه التِّرمذيُّ وقال: حَديثٌ حَسَنٌ، قال: وقد رَوى ابنُ مَهديٍّ هذا الحَديثَ عن سُفيانَ ولم يَرفَعْه.
وهذان الحَديثانِ ليسا بحُجَّةٍ على مَنْ كَرِه صَومَ يَومِ السَّبتِ وَحدَه وعَلَّل ذلك بأنَّهم يَترُكون فيه العَملَ والصَّومَ مَظنَّةَ ذلك؛ فإنَّه إذا صامَ السَّبتَ والأحَدَ زال الإفرادُ المَكروهُ وحَصَلت المُخالَفةُ بصَومِ يَومِ فِطرِهم (٣).
(١) رواه أحمد (٢٦٧٩٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٦٤٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (٧٤٦).
(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» ص (٢٦٣، ٢٦٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصوم
فصل أنواع الصيام
الْمُسْتَأْمَنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَكَرْنَاهَا فِي زَكَاةِ الْمَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مَا يَجِبُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْر عَنْ إنْسَانٍ وَاحِدٍ جَمَاعَةً مَسَاكِينَ وَيُعْطَى مَا يَجِبُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِسْكِينًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ زَكَاةٌ فَجَازَ جَمْعُهَا وَتَفْرِيقُهَا كَزَكَاةِ الْمَالِ وَلَا يَبْعَثُ الْإِمَامُ عَلَيْهَا سَاعِيًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَبْعَثْ وَلَنَا فِيهِ قُدْوَةٌ.
فَصْلٌ مَكَانُ أَدَاء صَدَقَة الْفِطْر
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَكَانُ الْأَدَاءِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُؤَدِّي زَكَاةَ الْمَالِ حَيْثُ الْمَالِ وَيُؤَدِّي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَبِيدِهِ حَيْثُ هُوَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ يُؤَدِّي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ حَيْثُ هُوَ وَعَنْ عَبِيدِهِ حَيْثُ هُمْ حَكَى الْحَاكِمُ رُجُوعَهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةِ مَعَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا زَكَاةُ الْمَالِ فَحَيْثُ الْمَالِ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا وَيُكْرَهُ إخْرَاجُهَا إلَى أَهْلِ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَهَا إلَى قَرَابَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَيَبْعَثَهَا إلَيْهِمْ.
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَحَدُ نَوْعَيْ الزَّكَاةِ ثُمَّ زَكَاةُ الْمَالِ تُؤَدَّى حَيْثُ الْمَالُ فَكَذَا زَكَاةُ الرَّأْسِ وَوَجْهُ الْفَرْقِ لِمُحَمَّدٍ وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمُؤَدِّي لَا بِمَالِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ مَالُهُ لَا تَسْقُطُ الصَّدَقَةُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الصيام
باب صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء
باب صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء
قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بن شابورٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي قَزَعَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ السَّنَةِ وَالسَّنَةِ التِّي تليها وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة " قال فأحب صومها إلا أن يكون حاجاً فأحب له ترك صوم يوم عرفة لأنه حاج مضح مسافر ولترك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صومه في الحج وليقوى بذلك على الدعاء وأفضل الدعاء يوم عرفة " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
يُسْتَحَبُّ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ، لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ " وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ كَفَّارَةُ السَّنَةِ، وَالسَّنَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْصِمُهُ فِي هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ فَلَا يَعْصِي فِيهِمَا، فَأَمَّا صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ.
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَإِسْحَاقَ، أَنَّ الْأَوْلَى لَهُمْ صِيَامُهُ كَسَائِرِ النَّاسِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ إِنْ كان صيفاً، والأولى لَهُمْ إِفْطَارُهُ وَإِنْ كَانَ شِتَاءً فَالْأَوْلَى لَهُمْ صِيَامُهُ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ إِنَّ الْأَوْلَى لَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا يَوْمَ
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيام
٥٠٣ - مسألة؛ قال: (وإذا عجز عن الصوم لكبر أفطر، وأطعم لكل يوم مسكينا)
ولأنَّه فِطْرٌ بِسَبَبِ نَفْسٍ عاجِزَةٍ عن طَرِيقِ الخِلْقَةِ، فوَجَبَتْ به الكَفَّارَةُ، كَالشَّيْخِ الهِمِّ ، وخَبَرُهمْ لم يَتَعَرَّضْ لِلْكَفَّارَةِ، فكانتْ مَوْقُوفَةً على الدَّلِيلِ، كالقَضاءِ، فإنَّ الحَدِيثَ لم يَتَعَرَّضْ له، والمَرِيضُ أخَفُّ حالًا من هاتَيْنِ؛ لأنَّه يُفْطِرُ بِسَبَبِ نَفْسِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الوَاجِبَ في إطْعَامِ المِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ، أو نِصْفُ صاعٍ من تَمْرٍ، أو شَعِيرٍ. والخِلافُ فيه، كالخِلافِ في إطْعامِ المَساكِينِ في كَفَّارَةِ الجِماعِ، إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ القَضاءَ لازِمٌ لهما. وقال ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ: لا قَضَاءَ عَليهما؛ لأنَّ الآيةَ تَنَاوَلَتْهُما، وليس فيها إلَّا الإِطْعَامُ، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ والمُرْضِعِ الصَّوْمَ" . ولَنا، أنَّهما يُطِيقَانِ القَضاءَ، فَلَزِمَهُما، كالحائِضِ والنُّفَساءِ، والآيةُ أوْجَبَتِ الإطْعامَ، ولم تَتَعَرَّضْ لِلْقَضاءِ، فأخَذْنَاهُ من دَلِيلٍ آخَرَ. والمُرَادُ بِوَضْعِ الصَّوْمِ وَضْعُهُ في مُدَّةِ عُذْرِهما، كما جاءَ في حَدِيثِ عَمْرِو بن أُمَيَّةَ، عن النَّبِىِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنَّ اللَّه وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ" . ولا يُشْبِهَانِ الشَّيْخَ الهِمَّ، لأنَّه عاجِزٌ عن القَضاءِ، وهما يَقْدِرَانِ عليه. قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ. يعنى ولا أقولُ بِقَوْلِ ابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عمرَ في مَنْعِ القَضاءِ.
٥٠٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ أَفْطَرَ، وأطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا)
ارجع إلى صوم التطوع للاطلاع على جميع المسائل.