الإسلام > الصيام > قضاء رمضان > التتابع في قضاء رمضان
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةعلى تَعيينِ الوَقتِ فالتَّعيينُ يَكونُ تَحكُّمًا على الدَّليلِ، والقَولُ بالفِديةِ باطِلٌ؛ لأنَّها تَجِبُ خَلَفًا عن الصَّومِ عندَ العَجزِ عن تَحصيلِه عَجزًا لا تُرجَى معه القُدرةُ عادةً كما في حَقِّ الشَّيخِ الفاني، ولم يُوجَدِ العَجزُ؛ لأنَّه قادِرٌ على القَضاءِ فلا مَعنى لِإيجابِ الفِديةِ (١).
التَّتابُعُ في قَضاءِ رَمضانَ:
اتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ قَضاءَ شَهرِ رَمضانَ يُجزِئُ مُتفرِّقًا، وأنَّ التَّتابُعَ أحسَنُ. وذلك لِعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولأنَّه صَومٌ لا يَتعلَّقُ بزَمانٍ بعَينِه، فلم يَجِبْ فيه التَّتابُعُ، كالنَّذرِ المُطلَقِ.
والتَّتابُعُ أحسَنُ؛ لأنَّ فيه المُبادَرةَ إلى أداءِ الفَرضِ، والمُسارَعةَ إلى إسقاطِ الواجِبِ (٢).
حُكمُ التَّطوُّعِ بالصَّومِ قبلَ قَضاءِ رَمضانَ:
اختَلفَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ في حُكمِ مَنْ عليه أيامٌ يَجِبُ عليه قَضاؤُها من شَهرِ رَمضانَ هل يَجوزُ له أنْ يَتطوَّعَ بالصَّومِ قبلَ أنْ يَقضيَ ما عليه أو لا؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى جَوازِ التَّطوُّعِ بالصَّومِ قبلَ قَضاءِ رَمضانَ من غَيرِ كَراهةٍ، لِكَونِ القَضاءِ لا يَجِبُ على
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٠٤)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٢٣).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٤١٦)، و «المدونة» (١/ ١٨٨)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٥٣، ٣٥٤)، و «العناية» (٢/ ٣٥٤)، و «بلغة السالك» (١/ ٦٩١)، و «المجموع» (٧/ ٦١٦)، و «المغني» (٤/ ٢١٤).
الفَورِ؛ لأنَّها عِبادةٌ تَتعلَّقُ بوَقتٍ مُوسَّعٍ فجازَ التَّطوُّعُ في وَقتِها قبلَ فِعلِها كالصَّلاةِ يَتطوَّعُ في أولِ وَقتِها.
قال الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: قال أصحابُنا: لا يُكرَهُ لِمَنْ عليه قَضاءُ رَمضانَ أنْ يَتطوَّعَ، ولو كان الوُجوبُ على الفَورِ لَكُرِه له التَّطوُّعُ قبلَ القَضاءِ؛ لأنَّه يَكونُ تأخيرًا لِلواجِبِ عن وَقتِه المُضيَّقِ وهو مَكروهٌ (١).
وذهَب المالِكيَّةُ في الراجِحِ عندَهم والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُكرَهُ التَّطوُّعُ قبلَ قَضاءِ ما عليه من رَمضانَ.
قال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: وسُئِلَ مالِكٌ عن الرَّجلِ يَكونُ عليه قَضاءُ رَمضانَ، أيَصومُ يَومَ عاشُوراءَ قبلَ قَضاءِ رَمضانَ؟ قال: ما يُعجِبُني ذلك، وعَسى به أنْ يَكونَ خَفيفًا؛ قيلَ له: أفيَصومُه في قَضاءِ رَمضانَ؟ قال: لا بأسَ به.
قال مُحمدُ بنُ رُشدٍ: قَولُه ما يُعجِبُني، وعَسى به أنْ يَكونَ خَفيفًا؛ مَعناه أنِّي أكرَهُ ذلك كَراهيةً خَفيفةً، وكَراهيَتُه له أنْ يَصومَه تَطوُّعًا، يَقتَضي أنَّ المُستحَبَّ عندَه أنْ يَصومَه في قَضاءِ ما عليه من رَمضانَ؛ وقَولُه بعدَ ذلك: لا بأسَ أنْ يَصومَه في قَضاءِ رَمضانَ مُخالِفٌ لذلك؛ إذْ لا يُقالُ في الشَّيءِ المُستحَبِّ فِعلُه: لا بأسَ أنْ يَفعَلَ، وإنَّما يُقالُ ذلك في المُباحِ الذي فِعلُه وتَركُه سَواءٌ؛ وفي سَماعِ ابنِ وَهبٍ، قيلَ له: أفيَصومُه في قَضاءِ رَمضانَ؟ قال: لا.
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٠٤)، و «البحر الرائق» (٢/ ٣٠٧)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٢٣)، «المغني» (٤/ ٢٠٩)، و «الفروع» (٣/ ٩٦)، و «المبدع» (٣/ ٥٧)، و «كشاف القناع» (٢/ ٣٨٦).
مَعناه: لا يَنبَغي له أنْ يَفعلَ، ويَصومُه تَطوُّعًا أحسَنُ؛ فهَذه ثَلاثةُ أقوالٍ:
أحَدُها: أنَّ الاختيارَ أنْ يُصامَ لِقَضاءِ رَمضانَ.
والثاني: أنَّ الاختيارَ أنْ يُصامَ تَطوُّعًا ويُؤخِّرَ قَضاءَ رَمضانَ.
والثالِثُ: أنَّ الأمرَيْن سَواءٌ، يَفعَلُ الفاعِلُ أيَّهما شاءَ؛ وهذا الاختِلافُ إنَّما يُتصوَّرُ على القَولِ بأنَّ قَضاءَ رَمضانَ على التَّراخي، بدَليلِ قَولِ عائِشةَ رضي الله عنها «إنْ كان لَيَكونُ عليَّ الصِّيامُ من رَمضانَ، فما أستطيعُ أنْ أصومَه حتى يأتيَ شَعبانُ، لِلشُّغلِ برَسولِ اللهِ ﷺ»؛ إذْ لو كان القَضاءُ على الفَورِ، لَما منَعها من ذلك الشُّغلُ، والواجِبُ على التَّراخي تَعجيلُه أفضَلُ؛ فلَمَّا كان إنْ صام يَومَ عاشوراءَ تَطوُّعًا، وأخَّر القَضاءَ، أحرَزَ فَضلَ اليَومِ، وفاتَه تَعجيلُ القَضاءِ؛ وإنْ صامَه لِلقَضاءِ، أحرَز تَعجيلَ القَضاءِ، وفاته فَضلُ صَومِ النَّهارِ؛ وقَع الاختِلافُ.
فوَجهُ القَولِ بأنَّ صَومَه تَطوُّعًا أحسَنُ، هو أنَّ فَضيلةَ صَومِه قد ورَدت الآثارُ عن النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام بالنَّصِّ عليها، وقَدرِها، وفَضيلةُ تَأجيلِ القَضاءِ إنَّما عُلِمت بالنَّظرِ والقياسِ، فذلك فيها مَعدومٌ؛ وأيضًا فقد رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى رَكعتَيِ الفَجرِ بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ قبلَ صَلاةِ الصُّبحِ، وقَضاءُ الصَّلاةِ يَكونُ على الفَورِ، فكيف بقَضاءِ الصِّيامِ الذي هو على التَّراخي؟ ووَجهُ القَولِ بأنَّ صيامَه لِلقَضاءِ أحسَنُ، هو أنَّه إنْ صامَه تَطوُّعًا لم يأمَنْ أنْ تَخترِمَه المَنيَّةُ قبلَ القَضاءِ؛ فلا يُقبَلَ منه التَّطوُّعُ على ظاهِرِ ما جاء عن أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه «مِنْ أنَّه لا يُقبَلُ من أحَدٍ نافِلةٌ
وعليه فَريضةٌ حتى يُؤدِّيَها»؛ ووَجهُ القَولِ في تَخييرِ الفاعِلِ فيما شاءَ من ذلك، وهو أنَّ الدَّلائلَ استَوت عندَه، وأنَّ استِواءَها دَليلٌ على التَّخييرِ، وهذا نَحوُ قَولِه في الإبِلِ إذا زادَت على العِشرينَ ومِئةٍ واحِدةً، جعَل الساعي مُخيَّرًا لَمَّا استَوت عندَه الأدِلَّةُ في مِقدارِ الزِّيادةِ المَذكورةِ في الحَديثِ، إنْ كان المُرادُ بها ما كانت من قَليلٍ أو كَثيرٍ أو زيادةٍ بغَيرِ الفَرضِ، ظاهِرُ ما في كِتابِ الصِّيامِ من المُدوَّنةِ أنَّ قَضاءَ رَمضانَ على الفَورِ: لأنَّه قال فيمَن أفطَر في رَمضانَ في سَفرٍ أو مَرضٍ ثم قدِم فأقامَ شَهرًا، أو صَحَّ شَهرًا ثم مات، وأوصى أنْ يُطعِمَ عنه؛ ذلك يَكونُ في ثُلثِه مَبدأً.
وكذلك على مَذهبِه فيما لو مَرِض شَعبانَ كلَّه بعدَ أنْ صَحَّ شَهرًا، لَوَجَب عليه الإطعامُ؛ فعلى هذا لا يَجوزُ له أنْ يَصومَ يَومَ عاشوراءَ إذا كان عليه قَضاءُ رَمضانَ، فيأتي في المَسألةِ أربَعةُ أقوالٍ (١).
وقال الحَطَّابُ رحمة الله عليه: (وتَطوُّعٌ قبلَ نَذرٍ أو قَضاءٍ)، يَعني أنَّه يُكرَهُ التَّطوُّعُ بالصَّومِ لِمَنْ عليه نَذرٌ من الصِّيامِ أو عليه قَضاءُ رَمضانَ، وهذا في النَّذرِ المَضمونِ، وأمَّا النَّذرُ المُعيَّنُ فإذا جاء زَمنُه لم يَجُزْ له التَّطوُّعُ فيه؛ فإنْ فعَل أثِمَ ولَزمَه القَضاءُ، قاله في جامِعِ الأُمَّهاتِ لِلثَّعالِبيِّ ناقِلًا له عن المُنتَقَى.
ويُفهَمُ منه أنَّ التَّطوُّعَ بالصَّومِ قبلَ النَّذرِ المُعيَّنِ إذا لم يَجِئْ زَمنُه لا يُكرَهُ وهو ظاهِرٌ.
(١) «البيان والتحصيل» (٢/ ٣٢٥، ٣٢٧).
تَنبيهاتٌ، الأولُ الظاهِرُ أنَّ كلَّ صَومٍ واجِبٍ في مَعنى النَّذرِ كما يُفهَمُ من كَلامِ اللَّخميِّ ومن كَلامِ صاحِبِ الطِّرازِ الآتي.
الثاني قال في الطِّرازِ؛ فإنْ تَطوَّعَ صَحَّ صَومُه.
قال ابنُ نافِعٍ في المَجموعةِ: يَتمُّ تَطوُّعُه ثم يَقضي ما عليه، وقد أخطأ في تَطوُّعِه قبلَه، وهذا بَيِّنٌ؛ فإنَّ الزَّمانَ صالِحٌ لِلتَّطوُّعِ وغَيرِه فأيُّهما وقَع صَحَّ، وإنَّما كان القَضاءُ أوجَبَ؛ لأنَّ الثالِثَ قال في التَّوضيحِ واختَلفَ في المُتأكَّدِ من نافِلةِ الصَّومِ كعاشوراءَ، هل المُستحَبُّ أنْ يَقضيَ فيه رَمضانَ ويُكرَهُ أنْ يَصومَه تَطوُّعًا وهو قَولُه في سَماعِ ابنِ وَهبٍ أو هو مُخيَّرٌ، ثَلاثةُ أقوالٍ حَكاها في البَيانِ أمَّا دونَ ذلك مَنْ تَطوَّع الصِّيامَ فالمَنصوصُ كَراهةُ فِعلِه قبلَ القَضاءِ.
قُلتُ: والمَسألةُ في رَسمِ المُحرَّمِ من سَماعِ ابنِ القاسِمِ من كِتابِ الصِّيامِ، وأطالَ ابنُ رُشدٍ فيها الكَلامَ، وقال: إنَّ هذا كلَّه على القَولِ بأنَّ قَضاءَ رَمضانَ على التَّراخي، وأمَّا على القَولِ بأنَّه على الفَورِ وهو ظاهِرُ المُدوَّنةِ في كِتابِ الصِّيامِ فلا يَجوزُ له أنْ يَصومَ يَومَ عاشوراءَ إذا كان عليه قَضاءُ رَمضانَ.
قال: فيأتي في المَسألةِ أربَعةُ أقوالٍ.
وقال في المُدوَّنةِ: وجائِزٌ أنْ يَقضيَ رَمضانَ في العَشرِ الأُوَلِ من ذي الحِجَّةِ.
قال أبو الحَسنِ: استحَبَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أنْ يَقضيَ رَمضانَ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ.
وقاله ابنُ القاسِمِ وسالِمٌ قال: ويَقضي في يَومِ عاشوراءَ.
قال ابنُ يُونُسَ: إنَّما استَحَبُّوا ذلك لِفَضلِها، فإذا لم يَكُنِ التَّطوُّعُ قَضى فيها الواجِبَ (١).
وقال الإمامُ الخِرشيُّ رحمة الله عليه: وتَطوُّعٌ قبلَ نَذرٍ أو قَضاءٍ أي: ومما هو مَكروهٌ التَّطوُّعُ بعِبادةٍ من صَومٍ أو صَلاةٍ أو غَيرِهما قبلَ بَراءةِ الذِّمَّةِ من واجِبٍ عليه من تلك العِبادةِ من نَذرٍ غَيرِ مُعيَّنٍ أو قَضاءٍ لِما عليه منها، لِارتِهانِ الذِّمَّةِ بذلك فيَسعى في بَراءَتِها؛ فإنْ فعَل صَحَّ تَطوُّعُه لِعَدمِ تَعيُّنِ الزَّمنِ لِشَيءٍ منها، ثم يأتي بما عليه، وخرَج بغَيرِ المُعيَّنِ المُعيَّنُ فلا يَجوزُ في زَمنِه غَيرُه وإنْ فعَل لَزمَه قَضاؤُه، وانظُر هل تَطوُّعُه صَحيحٌ أو لا، لِتَعيُّنِ الزَّمنِ لِغَيرِه ولا كَراهةَ في التَّطوُّعِ قبلَه لِعَدمِ اشتِغالِ الذِّمَّةِ به قبلَ زَمنِه (٢).
وقال الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (وكُرِه تَطوُّعٌ بصيامٍ) حاصِلُه أنَّه يُكرَهُ التَّطوُّعُ بالصَّومِ لِمَنْ عليه صَومٌ واجِبٌ كالمَنذورِ والقَضاءِ والكَفَّارةِ، وذلك لِما يَلزَمُ من تأخيرِ الواجِبِ وعَدمِ فَوريَّتِه، وهذا بخِلافِ الصَّلاةِ؛ فإنَّه يَحرُمُ كما تَقدَّمَ وظاهِرُ المُصنِّفِ الكَراهةَ مُطلَقًا سَواءٌ كان صَومُ التَّطوُّعِ الذي قَدَّمَه على الصَّومِ الواجِبِ غَيرَ مُؤكَّدٍ أو كان مُؤكَّدًا كعاشوراءَ، وتاسُوعِ ذي الحِجَّةِ، وهو كَذلك على الراجِحِ ففي ابنِ عَرفةَ ابنُ رُشدٍ في تَرجيحِ صَومِ يَومِ عَرفةَ قَضاءً أو تَطوُّعًا ثالِثُها سَواءٌ، والأرجَحُ الأولُ يَعني أنَّه اختَلفَ في
(١) «مواهب الجليل» (٢/ ٤١٧).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٤٥).
صَومِ يَومِ عَرفةَ لِمَنْ عليه قَضاءٌ، فقيل: إنَّ صَومَه قَضاءً أرجَحُ وأفضَلُ من صَومِه تَطوُّعًا، وصَومُه تَطوُّعًا مَكروهٌ، وقيلَ: بالعَكسِ، وقيلَ: هُما سَواءٌ لا أرجَحيَّةَ لِأحدِهما على الآخَرِ والأرجَحُ القَولُ الأولُ، وهو أوَّلُ سَماعِ ابنِ القاسِمِ واختارَه سَحنونٌ، والقَولُ الثاني سَماعُ ابنِ وَهبٍ، والقَولُ الثالِثُ آخِرُ سَماعِ ابنِ القاسِمِ.
واعلَمْ أنَّ مَنْ عليه قَضاءً من رَمضانَيْن يَبدَأُ بأوَّلِهما ويُجزِئُ العَكسُ كذا في المَوَّاقِ (١).
وقال الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: مَنْ فاتَه شَيءٌ من رَمضانَ استُحِبَّ أنْ يَقضيَه مُتتابِعًا، ويُكرَهُ لِمَنْ عليه قَضاءُ رَمضانَ أنْ يَتطوَّعَ بصَومٍ، قاله الجُرجانيُّ (٢).
وقال الإمامُ الرَّمليُّ رحمة الله عليه: وقَضيَّةُ قَولِ المَحامِليِّ تَبعًا لِشَيخِه الجُرجانيِّ: يُكرَهُ لِمَنْ عليه قَضاءُ رَمضانَ أنْ يَتطوَّعَ بالصَّومِ كَراهةَ صَومِها لِمَنْ أفطَره بعُذرٍ فيُنافي ما مَرَّ إلا أنْ يَجمَعَ بأنَّه ذو وَجهَيْن أو يَحمِلَ ذاك على مَنْ لا قَضاءَ عليه كصَبيٍّ بلَغ وكافِرٍ أسلَم، وهذا على مَنْ عليه قَضاءٌ، وإذا ترَكها في شَوَّالٍ لذلك أو غَيرِه سُنَّ قَضاؤُها مما بعدَه، وتُحصَّلُ السَّنةُ بصَومِها مُتفرِّقةً، ولكنَّ تَتابُعَها واتِّصالَها بيَومِ العيدِ أفضَلُ مُبادَرةً إلى العِبادةِ، ولِما في التَّأخيرِ من الآفاتِ، ولو صامَ في شَوَّالٍ قَضاءً أو نَذرًا أو
(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (١/ ٥١٨، ٥١٩).
(٢) «مغني المحتاج» (٢/ ٢٢٨).
غَيرَهما أو في نَحوِ يَومِ عاشوراءَ حصَل له ثَوابُ تَطوُّعِها كما أفتى به الوالِدُ رحمة الله عليه تَبعًا لِلبارزيِّ والأصفونيِّ والناشِريِّ والفَقيهِ عليِّ بنِ صالِحٍ الحَضرَميِّ وغَيرِهم، لكنْ لا يَحصُلُ له الثَّوابُ الكامِلُ المُرتَّبُ على المَطلوبِ لا سيَّما مَنْ فاتَه رَمضانُ وصامَ عنه شَوَّالًا؛ لأنَّه لم يَصدُقْ عليه المَعنى المُتقدِّمُ وما أفتى به الوالِدُ رحمة الله عليه أيضًا أنَّه يُستحَبُّ لِمَنْ فاتَه رَمضانُ وصامَ عنه شَوَّالًا أنْ يَصومَ سِتَّةً من ذي القَعدةِ؛ لأنَّه يُستحَبُّ قَضاءُ الصَّومِ الراتِبِ، وهو مَحمولٌ على مَنْ قصَد فِعلَها بعدَ صَومِ شَوَّالٍ فيَكونُ صارِفًا عن حُصولِها عن السُّنَّةِ، فسقَط القَولُ بأنَّه لا يَتأتَّى إلا على القَولِ بأنَّ صَومَها لا يَحصُلُ بغَيرِها، أمَّا إذا قُلنا بحُصولِه وهو الظاهِرُ فلا يُستحَبُّ قَضاؤُها (١).
وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَحرُمُ التَّطوُّعُ قبلَ قَضاءِ ما عليه من صَومٍ واجِبٍ من قَضاءِ رَمضانَ أو نَذرٍ ولا يَصحُّ تَطوُّعُه بالصَّومِ قبلَ قَضاءِ ما عليه من رَمضانَ، نَصَّ عليه نَقلُ حَنبَلٍ أنَّه لا يَجوزُ، بل يَبدأُ بالفَرضِ حتى يَقضيَه وإنْ كان عليه نَذرٌ صامَه، يَعني بعدَ الفَرضِ لِما رُوي عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه مَرفوعًا قال: «مَنْ أدْرَكَ رَمَضَانَ وعَلَيْهِ من رَمَضَانَ شَيءٌ لم يَقضِه لم يُتقَبَّلْ منه، ومَنْ صامَ تَطَوُّعًا وَعَلَيهِ من رَمَضَانَ شَيءٌ لم يَقضِه؛ فإنَّه لا يُتقَبَّلُ منه حتى يَصُومَهُ» (٢).
(١) «نهاية المحتاج» (٣/ ٢٣٩، ٢٤٠).
(٢) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٨٦٠٦).
ولأنَّه عِبادةٌ يَدخُلُ في جُبرانِها المالُ، فلَم يَصحَّ التَّطوُّعُ بها قبلَ أداءِ فَرضِها كالحَجِّ، ولأنَّه عِبادةٌ جازَ تأخيرُها تَخفيفًا، فإذا لم يُؤدِّه لَزمَه الأصلُ (١).
قال الإمامُ المَرداويُّ رحمة الله عليه: ومنها: هل يَجوزُ لِمَنْ عليه صَومُ فَرضٍ أنْ يَتطوَّعَ بالصَّومِ قبلَه، فيه رِوايتان، وأطلَقهما في الهِدايةِ والمُغني والمَجدِ في شَرحِه والشَّرحِ والفُروعِ والفائِقِ.
إحداهما: لا يَجوزُ ولا يَصحُّ وهو المَذهبُ، نَصَّ عليه في رِوايةِ حَنبَلٍ وقال في الحاويَيْن لم يَصحَّ في أصَحِّ الرِّوايتَيْن واختارَه ابنُ عَبدوسٍ في تَذكِرتِه وجزَم به في المَذهبِ ومَسبوكِ الذَّهَبِ والإفاداتِ والمنورِ وقدَّمه في المُستوعِبِ والخُلاصةِ والمُحرَّرِ والرِّعايَتَيْن وابن رَزينٍ في شَرحِه وهو مِنْ مُفرَداتِ المَذهبِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ: يَجوزُ ويَصحُّ، قدَّمه في النَّظمِ، قال في القاعِدةِ الحاديةَ عَشرةَ: جازَ على الأصَحِّ، قُلتُ: وهو الصَّوابُ.
فعلى المَذهبِ وهو عَدمُ الجَوازِ فهل يُكرَهُ القَضاءُ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ أو لا يُكرَهُ فيه رِوايَتان وأطلَقهما في المُغني والشَّرحِ وشَرحِ المَجدِ والفائِقِ والفُروعِ.
قُلتُ: الصَّوابُ عَدمُ الكَراهةِ.
(١) «المغني» (٤/ ٢٠٩)، و «الفروع» (٣/ ٩٦)، و «المبدع» (٣/ ٥٧)، و «كشاف القناع» (٢/ ٣٨٦).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيام
٥٠٩ - مسألة؛ قال: (وقضاء شهر رمضان متفرقا يجزئ، والمتتابع أحسن)
عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: الصَّوْمُ أفْضَلُ لمن قَوِىَ عليه. ويُرْوَى ذلك عن أنَسٍ، وعثمانَ بن أبى العاصِ. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن سَلَمَةَ بن الْمُحَبَّق، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: "مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ يَأْوِى إلى شِبَعٍ، فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أدْرَكَهُ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ ، ولأنَّ مَن خُيِّرَ بين الصَّوْمِ والفِطْرِ، كان الصَّوْمُ له أفْضَلَ كالتَّطَوُّعِ. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، ومُجاهِدٌ، وقَتَادَةُ: أفْضَلُ الأمْرَيْنِ أيْسَرُهما؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} . ولما رَوَى أبو دَاوُدَ ، عن حَمْزَةَ بن عَمْرٍو، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ، أُعَالِجُه وأُسَافِرُ عليه، وأكْرِيهِ، وإنَّه رُبَّما صَادَفَنِي هذا الشَّهْرُ -يعنى رَمَضَانَ- وأنا أجِدُ القُوَّةَ، وأنا شَابٌّ، وأجِدُنِي أنْ أَصُومَ، يا رسولَ اللهِ، أَهْوَنَ عَلَيَّ مِن أنْ أُؤَخِّرَ، فيكونُ دَيْنًا عَلَيَّ، أفأصُومُ يا رسولَ اللَّه أعْظَمُ لأجْرِى، أو أفْطِرُ؟ قال: "أيَّ ذلِكَ شِئْتَ يا حَمْزَةُ" . ولَنا، ما تَقَدَّمَ من الأخْبارِ في الفَصْلِ الذى قَبْلَه، ورُوِىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنَّه قال: "خَيْرُكُمْ الَّذِى يُفْطِرُ في السَّفَرِ ويَقْصُرُ" . ولأنَّ في الفِطْرِ خُرُوجًا من الخِلافِ، فكان أفْضَلَ، كالقَصْرِ. وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالمَرِيضِ وبصَوْمِ الأيَّامِ المَكْرُوهِ صَوْمُها.
٥٠٩ - مسألة؛ قال: (وقَضَاءُ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَفَرِّقًا يُجْزِئ، والمُتَتَابِعُ أَحْسَنُ)
هذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وأنَسِ بن مالِكٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ مُحَيْرِيزٍ، وأبي قِلابَةَ،
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الصيام
باب فضل الصدقة في رمضان وطلب القراءة
بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ فِي رَمَضَانَ وَطَلَبِ الْقِرَاءَةِ
قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سعدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ كَانَ أَجْوَدَ النَاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ ما يكون في شهر رمضان وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيعرض عليه القرآن فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة (قال الشافعي) وأحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء به ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
يُخْتَارُ لِلنَّاسِ أَنْ يُكْثِرُوا مِنَ الْجُودِ وَالْإِفْضَالِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَبِالسَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهْرٌ شَرِيفٌ قَدِ اشْتَغَلَ النَّاسُ فِيهِ بِصَوْمِهِمْ عَنْ طَلَبِ مَكَاسِبِهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ فِيهِ عَلَى عِيَالِهِ وَيُحْسِنَ إِلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ وَجِيرَانِهِ، لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَمْكَنَهُ إِفْطَارُ صَائِمٍ أَنْ يُفْطِرَهُ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: مَنْ أَفْطَرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا.
وَرَوَتْ أُمُّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَيْسَ مِنْ صَائِمٍ أَكَلَ
ارجع إلى قضاء رمضان للاطلاع على جميع المسائل.