الإسلام > الطهارة > أقسام المياه > أولا: الماء المختلط بالطاهر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةرابِعًا: الماءُ المُختلِطُ:
وهو إمَّا أنْ يَكونَ مُختلِطًا بطاهِرٍ، أو يَكونَ مُختلِطًا بنَجسٍ.
والمُختلِطُ بطاهِرٍ إمَّا أنْ يُمكنَ التَّحرُّزُ منه وإمَّا ألَّا يُمكنَ التَّحرُّزُ منه، وكلٌّ منهما إمَّا أنْ يَتغيرَ بمُخالطةِ الطاهِرِ وإمَّا ألَّا يَتغيَّرَ.
والمُختلِطُ بنَجسٍ إمَّا أنْ يَتغيرَ وإمَّا ألَّا يَتغيرَ، وغيرُ المُتغيرِ إمَّا أنْ يَكونَ قَليلًا، وإمَّا أنْ يَكونَ كَثيرًا.
أولًا: الماءُ المُختلِطُ بالطاهِرِ وهو أقسامٌ:
القِسمُ الأولُ: حُكمُ المُختلِطِ بالطاهِرِ ولم يَتغيرْ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الماءَ إذا اختلَطَ به شَيءٌ طاهِرٌ ولم يَتغيرْ به لقِلَّتِه لم يَمنعِ الطَّهارةَ به؛ لأنَّ الماءَ باقٍ على إطلاقِه.
القِسمُ الثاني: حُكمُ الماءِ إذا اختلَطَ بطاهِرٍ لا يُمكنُ التَّحرزُ منه وتغيَّرَ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الماءَ إذا خالَطَه طاهِرٌ لا يُمكنُ الاحتِرازُ منه كالطُّحلُبِ والخَزِّ وسائِرِ ما يَنبُتُ في الماءِ، وكذلك وَرقُ الشَّجرِ الذي يَسقطُ في الماءِ، أو تَحمِلُه الرِّيحُ فتُلقيه فيه، وما تَجذِبُه السُّيولُ من العِيدانِ والتِّبنِ، ونَحوِه، فتُلقيه في الماءِ، وما هو في قَرارِ الماءِ، كالكِبريتِ وغيرِه، إذا جرَى عليه الماءُ فتغيَّرَ به، أو كانَ في الأرضِ التي يَقفُ الماءُ فيها؛ فإنَّه يَجوزُ التَّطهُّرُ به؛ لأنَّه يَشقُّ التَّحرُّزُ منه (١).
(١) «الهداية شرح البداية» (١/ ١٨)، و «البحر الرائق» (١/ ٧١)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢٣)، و «المجموع» (٢/ ٥٦)، و «المهذب» (١/ ٥)، و «المغني» (١/ ٣٧).
القِسمُ الثالِثُ: حُكمُ الماءِ الذي خالَطَه طاهِرٌ يُمكنُ الاحتِرازُ عنه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الماءِ الذي خالَطَه طاهِرٌ يُمكنُ الاحتِرازُ عنه، كزَعفرانٍ والصابونِ ونَحوِهما فتَغيَّرَ به أحدُ أَوصافِه، طَعمُه أو لَونُه أو رِيحُه، هل هو طاهِرٌ مُطهِّرٌ يَصحُّ التَّطهُّرُ به أو هو طاهِرٌ في نَفسِه غيرُ مُطهِّرٍ لغيرِه فلا يَرفعُ حَدثًا ولا يُزيلُ نَجسًا؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه طاهِرٌ مُطهِّرٌ.
قال شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وهذا القَولُ هو الصَّوابُ (١).
واستدَلُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
وهذا عامٌّ في كلِّ ماءٍ؛ لأنَّه نَكرةٌ في سياقِ النَّفيِ، والنَّكرةُ في سياقِ النَّفيِ تَعمُّ؛ فلا يَجوزُ التَّيممُ مع وُجودِه (٢).
وبقَولِ النَّبيِّ ﷺ في الرَّجلِ الذي وقَصَته ناقَتُه فماتَ: «اغسِلُوه بمَاءٍ وسِدْرٍ» (٣)، فلولا أنَّه طهَورٌ لمَا أمرَه أنْ يَغتسلَ بذلك؛ لأنَّ غُسلَ المَيِّتِ لا يَجوزُ إلا بما يَجوزُ به الوُضوءُ، ولأنَّه طَهورٌ خالَطَه طاهِرٌ لم يَسلُبْه اسمَ الماءِ ولا رِقتَه ولا جَريانَه، فأشبَهَ المُتغيِّرَ بالدُّهنِ (٤).
(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٥).
(٢) «المغني» (١/ ٣٦).
(٣) رواه البخاري (١٢٠٦)، ومسلم (١٢٠٦).
(٤) «تبين الحقائق» (١/ ٢١)، و «البحر الرائق» (١/ ٧١)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ١٨)، و «شرح فيض القدير» (١/ ٧٢)، و «المغني» (١/ ٣٦).
وبما ورَدَ عن أُمِّ هانِئٍ رضي الله عنها قالَت: «إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ اغتَسلَ هو ومَيمونةُ من إناءٍ واحِدٍ من قَصعةٍ فيها أثَرُ العَجينِ» (١).
القَولُ الثاني: ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ كماءِ اللَّحمِ والباقِلاءِ، ويَجوزُ استِعمالُه في العاداتِ كالطَّبخِ وغيرِه دونَ الوُضوءِ والغُسلِ.
قالَ صاحِبُ «أسهَل المَدارِك» أبو بَكرِ بنُ حَسنِ بنِ عبدِ اللهِ الكِشناويُّ المالِكيُّ: والمُتغيرُ بالطاهِرِ كاللَّبنِ طاهِرٌ في نَفسِه غيرُ طَهورٍ، يُستعملُ في العاداتِ، كالطَّبخِ والشُّربِ ولا يُستعملُ في العِباداتِ كالوُضوءِ والغُسلِ (٢).
وقالَ النَّوويُّ: هذا الذي ذكَرْناه من مَنعِ الطَّهارةِ بالمُتغيرِ بمُخالطةِ ما ليسَ بمُطهِّرٍ، والماءُ يَستَغني عنه، هو مَذهبُنا، ومَذهبُ مالِكٍ وداودَ وكذا أحمدُ في أصَحِّ الرِوايَتينِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ بالمُتغيرِ بالزَّعفرانِ، وبكلِّ طاهِرٍ سَواءٌ قلَّ التَّغيرُ أو كثُرَ بشَرطِ كَونِه يَجري، لا بثَخينٍ إلا مَرقةَ اللَّحمِ ومَرقةَ الباقِلاءِ (٣).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (١/ ٣٧)، والنسائي في «الكبرى» (٢٤٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ١٧)، وابن حبان في «صحيحه» (١٢٤٥).
(٢) «أسهل المدارك» (١/ ٣٨)، و «مواهب الجليل» (١/ ٥٩).
(٣) «المجموع» (٢/ ٥٩، ٦٠).
واستدَلُّوا على ذلك -أي: المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ- بأنَّه ماءٌ تغيَّرَ بمُخالطةِ ما ليسَ بطَهورٍ يُمكنُ الاحتِرازُ منه فلم يَجزِ الوُضوءُ به كماءِ اللَّحمِ والباقِلاءِ المَغليِّ، ولأنَّ اختِلاطَ الماءِ بطاهِرٍ يُمكنُ الاحتِرازُ عنه كالزَّعفرانِ ونَحوِه يَمنعُه الإطلاقَ، ولهذا لا يَحنثُ بشُربِه الحالِفُ ألَّا يَشربَ ماءً (١).
القِسمُ الرابِعُ: حُكمُ الماءِ إذا تغيَّرَ بمُجاوَرةِ طاهِرٍ:
إذا تغيَّرَ الماءُ بمُجاورةِ طاهِرٍ كالدُّهنِ والطاهِراتِ الصُّلبةِ كالعُودِ والكافورِ، إذا لم يَهلِكْ في الماءِ ولم يَمُعْ فيه فهو طاهِرٌ مُطهِّرٌ عندَ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ وبَعضِ المالِكيةِ وهو الأظهَرُ عندَ الشافِعيةِ؛ لأنَّ هذا التَّغيُّرَ إنَّما هو من جِهةِ المُجاورةِ فلا يَضرُّ؛ لأنَّه لا يَمنعُ إطلاقَ اسمِ الماءِ عليه، فهو يُشبهُ تَروُّحَ الماءِ بريحِ شَيءٍ على جانِبِه (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمدِ عندَهم والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ إلى أنَّه طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ، قياسًا على المُختلِطِ بالزَّعفرانِ (٣).
(١) «المغني» (١/ ٣٦)، و «الإنصاف» (١/ ٣٢).
(٢) «تبين الحقائق» (١/ ٢٠)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢٢)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٥٩)، و «الحاوي الكبير» (١/ ٥٢، ٥٣)، و «المهذب» (١/ ٥)، و «المجموع» (٢/ ٦١)، و «شرح المنهاج» (١/ ١٩)، و «المغني مع الشرح» (١/ ٣٨).
(٣) «حاشية الدسوقي» (١/ ٥٩)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢٢)، و «الحاوي الكبير» (١/ ٥٢، ٥٣)، و «المهذب» (١/ ٥)، و «المجموع» (٢/ ٦١)، و «شرح المنهاج» (١/ ١٩)، و «المغني مع الشرح» (١/ ٣٨).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب ما تكون به الطهارة من الماء
(باب ما تكونُ به الطَّهارةُ من الماء )
التَّقديرُ: هذا باب ما تكون به الطهارةُ من الماء ، فحذَف المبتدأَ للعِلْم به، وقوله " ما تكونُ به " ، أي تحصُل وتحدُث، وهى ها هنا تامَّةٌ غيرُ محتاجةٍ إلى خَبَرٍ، ومتى كانت تامَّةً كانت بمعنى الحدَثِ والحصُولِ، تقول: كان الأمرُ، أي حدَث ووَقَع؛ قال اللهُ تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} : أي: إن وُجِدَ ذو عُسْرَة. وقال الشاعر :
إذَا كان الشِّتَاءُ فأدْفِئُونِى ... فإنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ
أي إذا جاء الشتاءُ وحَدَث .
وفى نُسْخةٍ مَقْروءَة علَى ابنِ عَقِيلٍ : (باب ما تجُوز به الطهارةُ من الماء) ومعناهما مُتَقارِبٌ.
والطَّهارةُ في اللغة: النَّزاهةُ عن الأقْذار، وفى الشَّرْعِ: رَفْعُ ما يمنَعُ الصلاة مِن حَدَثٍ أو نجاسةٍ بالماءِ، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتُّرابِ. فعند إطْلاقِ لفظِ الطهارة في لَفْظِ
الشارِع أو كلام الفقهاء ينصرفُ إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ دون اللغوى وكذلك كلُّ مالَه موضوعٌ شَرْعىٌّ ولُغَوىٌّ، إنما ينْصرِف المُطْلَقُ منه إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ كالوضوء، والصلاة، والصَّوْمِ، والزَّكاةِ، والحَجّ، ونحوه، لأنَّ الظَّاهرَ مِن صاحبِ الشرع التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه.
والطُّهور - بضَمِّ الطَّاء -: المصدرُ، قالَه الْيَزِيدِىّ
والطَّهُور - بالفَتْح - من الأسماء المتعَدِّيَة، وهو الذي يُطَهِّرُ غيرَه، مثلُ الغَسُول الذي يُغَسَّل به.
وقال بعضُ الحنفيَّة: هو من الأسماء اللَّازمة، بمعنى الطاهر سَواء؛ لأن العَرَبَ لا تُفرَّق بين الفاعل والفَعُول في التَّعَدِّى واللُّزُوم، فما كان فاعِلُه لازمًا كان فَعُولُه لازما، بدليلِ قاعِد وقَعُود، ونائم ونَؤُوم، وضارِب وضَرُوب.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب ما يفسد الماء)
(باب ما يفسد الماء)
قال الشافعي رضي الله عنه: " إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ نُقْطَةُ خمرٍ أَوْ بولٍ أَوْ دمٍ أَوْ أَيِّ نجاسةٍ كَانَتْ مِمَّا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فَسَدَ الْمَاءُ، وَلَا تُجْزِئُ بِهِ الطَّهَارَةُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَضَرْبٌ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فَمِثْلُ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَالْغَائِطِ، فَتَوَقِّي يَسِيرِهِ وَكَثِيرِهِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ يدركه الطرف فإن كان مما يدركها الطَّرْفُ، فَقَدْ نَجُسَ مِمَّا حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ النَّجَاسَةُ الْمُرِيبَةُ قَلَّتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثُرَتْ وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ حَصَلَتْ فِي مَاءٍ قَدْرُهُ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ.
ارجع إلى أقسام المياه للاطلاع على جميع المسائل.