اختلاط الأواني واشتباه ما فيها من الماء الطهور بالماء النجس

الإسلام > الطهارة > أقسام المياه > اختلاط الأواني واشتباه ما فيها من الماء الطهور بالماء النجس

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

اختلاط الأواني واشتباه ما فيها من الماء الطهور بالماء النجس - الأقوال والأدلة

قالَ في «الإنصاف»: هذا الخِلافُ في الماءِ الراكِدِ، أمَّا الجارِي فعن أحمدَ أنَّه كالراكِدِ إنْ بلَغَ جَميعُه قُلَّتينِ رفَعَ النَّجاسةَ وإنْ لم تُغيِّرْه وإلا فلا. وهو المَذهبُ.

قالَ في «الحاوي الصَّغير»: ولا يُنجسُ قَليلٌ جارٍ قبلَ تَغيُّرِه في أصَحِّ الرِوايَتينِ، وعن أحمدَ تُعتبَرُ جِريةً بنَفسِها، اختارَها القاضِي وأَصحابُه، وقالَ: هي المَذهبُ.

قالَ الزَّركشيُّ: هي اختيارُ الأكثَرينَ (١).

اختِلاطُ الأَواني واشتِباهُ ما فيها من الماءِ الطَّهورِ بالماءِ النَّجسِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا اختلَطَت الأَواني اختِلاطَ مُجاورةٍ، وكانَ في بَعضِها ماءٌ طَهورٌ، وفي بَعضِها الآخَرِ ماءٌ نَجسٌ واشتَبَه الأمرُ على الشَّخصِ، ولا قُدرةَ له على إِيجادِ ماءٍ آخَرَ طَهورٍ غيرِ الذي في بَعضِها، هل يَجوزُ التَّطهُّرُ بها أو لا، على خَمسةِ أَقوالٍ:

القَولُ الأولُ: يَجبُ عليه الاجتِهادُ والتَّحرِّي لمَعرفةِ الطَّهورِ منها، فإذا اجتَهدَ وغلَبَ على ظَنِّه طَهوريةُ أحدِهما بعَلامةٍ تَظهرُ جازَ له التَّطهرُ به، وإلا فلا، وهذا مَذهبُ جُمهورِ الشافِعيةِ، وهو قَولُ ابنِ المَوَّازِ وسُحنونٍ وابنِ العَربيِّ من المالِكيةِ.

(١) «الإنصاف» (١/ ٥٦، ٥٧)، و «الكافي» (١/ ٩)، والمبدع (١/ ٥٣)، و «المغني» (١/ ٥٨).

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: إذا اشتَبهَ ماءان طاهِرٌ ونَجسٌ … الصَّحيحُ المَنصوصُ الذي قطَعَ به الجُمهورُ وتظاهَرَت عليه نُصوصُ الشافِعيِّ رحمة الله عليه: أنَّه لا يَجوزُ التَّطهُّرُ بواحِدٍ منهما إلا إذا اجتَهدَ وغلَبَ على ظَنِّه طَهارتُه بعَلامةٍ تَظهرُ، فإنْ ظَنَّه بغيرِ عَلامةٍ تَظهرُ لم تَجُزِ الطَّهارةُ به … وسَواءٌ عندَنا كانَ عَددُ الطاهِرِ أكثَرَ أو أقَلَّ حتى لو اشتَبَه إناءٌ طاهِرٌ بمِئةِ إناءٍ نَجسةٍ تَحرَّى فيها، وكذلك الأطعِمةُ والثِّيابُ، هذا مَذهبُنا وبمِثلِه قالَ بعضُ أَصحابِ مالِكٍ (١).

واستدَلُّوا بقَولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وهذا واجِدُ ماءٍ فلم يَجزِ التَّيممُ، ووجَبَ الاجتِهادُ، وبأنَّ التَّطهرَ شَرطٌ من شُروطِ صِحةِ الصَّلاةِ يُمكنُ التَّوصلُ إليه بالاجتهادِ، فوجَبَ قياسًا على القِبلةِ وعلى الاجتِهادِ في الأَحكامِ، وفي تَقويمِ المُتلَفاتِ وإنْ كانَ قد يَقعُ الخَطأُ (٢).

القَولُ الثاني: يَجبُ عليه الاجتِهادُ والتَّحرِّي إذا كانَ عَددُ أَواني الماءِ الطَّهورِ أكثَرَ من عَددِ أَواني النَّجسِ، فإنْ كانَ عَددُ أَواني الماءِ الطَّهورِ مُساويًا لعَددِ أَواني النَّجسِ أو أقَلَّ لا يَجوزُ له التَّحرِّي، بل يَتيمَّمُ، وبهذا قالَ الحَنفيةُ، وهو قَولُ أبي علِيٍّ النَّجادِ من الحَنابِلةِ (٣).

(١) «المجموع» (٢/ ١٦٤، ١٦٥)، و «الأم» (١/ ١١)، و «مغني المحتاج» (١/ ٥٩)، و «مواهب الجليل» (١/ ١٧١)، و «تهذيب الفروق» (١/ ٢٢٨).
(٢) «المجموع» (٢/ ١٦٧).
(٣) «حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح» (١/ ٢٣)، و «المغني» (١/ ٨٤).

القَولُ الثالِثُ: أنَّه لا يَجوزُ التَّحرِّي في المياهِ المُختلِطةِ عندَ الاشتِباهِ مُطلَقًا، بل يُتركُ الجَميعُ ويُتيمَّمُ، وهو أحدُ قَولَيْ سُحنونٍ من المالِكيةِ وبه قالَ أبو ثَورٍ والمُزنِيُّ من الشافِعيةِ وهو قَولُ الإمامِ أحمدَ وأكثَرِ أَصحابِه (١).

واستدَلُّوا على ذلك بأنَّه إذا اجتَهدَ قد يَقعُ في النَّجسِ؛ ولأنَّه اشتَبَه طاهِرٌ بنَجسٍ فلم يَجزْ الاجتِهادُ كما لو اشتَبَه ماءٌ ببَولٍ (٢).

ثم اختَلفَ هؤلاء فيما بينَهم:

فقالَ أحمدُ في إحدَى الرِوايَتينِ: لا يَتيممُ حتى يُريقَ الماءَ لتَحقُّقِ عَدمِ الماءِ.

والثانيةُ: يَجوزُ له التَّيممُ قبلَ ذلك. اختارَه أبو بَكرٍ.

قالَ ابنُ قُدامةَ: هو الصَّحيحُ؛ لأنَّه غيرُ قادِرٍ على استِعمالِ الطاهِرِ.

وقال سُحنونٌ وأبو ثَورٍ والمُزنِيُّ: يَتيممُ ويُصلي ولا إعادةَ، وإنْ لم يُرِقْه؛ لأنَّه كالمَعدومِ (٣).

القَولُ الرابِعُ: يَتوضَّأُ بعَددِ النَّجسِ وزيادةِ إناءٍ، يَعني أنَّه يَتوضَّأُ من أحدِهما ثم يُصلِّي ثم يَتوضَّأُ من آخَرَ ويُصلِّي، يَفعلُ ذلك بعَددِ النَّجسِ وبزيادةِ واحِدٍ؛ فإنْ كانَت الأَواني خَمسةً والنَّجسُ منها اثنَين يَتوضَّأُ من ثَلاثةٍ منها ويُصلِّي بكلِّ وُضوءٍ صَلاةً، وإنْ كانَ النَّجسُ ثَلاثةً توضَّأَ من أربَعةٍ منها وصلَّى بكلِّ

(١) «مواهب الجليل» (١/ ١٧١)، و «القوانين الفقهية» (٣٨)، و «المجموع» (٢/ ١٦٥)، و «المغني» (١/ ٨٥).
(٢) «المجموع» (٢/ ١٦٥).
(٣) «المجموع» (٢/ ١٦٥)، و «المغني» (١/ ٨٦)، و «مواهب الجليل» (١/ ١٧١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب ما تكون به الطهارة من الماء

(باب ما تكونُ به الطَّهارةُ من الماء )

التَّقديرُ: هذا باب ما تكون به الطهارةُ من الماء ، فحذَف المبتدأَ للعِلْم به، وقوله " ما تكونُ به " ، أي تحصُل وتحدُث، وهى ها هنا تامَّةٌ غيرُ محتاجةٍ إلى خَبَرٍ، ومتى كانت تامَّةً كانت بمعنى الحدَثِ والحصُولِ، تقول: كان الأمرُ، أي حدَث ووَقَع؛ قال اللهُ تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} : أي: إن وُجِدَ ذو عُسْرَة. وقال الشاعر :

إذَا كان الشِّتَاءُ فأدْفِئُونِى ... فإنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ

أي إذا جاء الشتاءُ وحَدَث .

وفى نُسْخةٍ مَقْروءَة علَى ابنِ عَقِيلٍ : (باب ما تجُوز به الطهارةُ من الماء) ومعناهما مُتَقارِبٌ.

والطَّهارةُ في اللغة: النَّزاهةُ عن الأقْذار، وفى الشَّرْعِ: رَفْعُ ما يمنَعُ الصلاة مِن حَدَثٍ أو نجاسةٍ بالماءِ، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتُّرابِ. فعند إطْلاقِ لفظِ الطهارة في لَفْظِ

الشارِع أو كلام الفقهاء ينصرفُ إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ دون اللغوى وكذلك كلُّ مالَه موضوعٌ شَرْعىٌّ ولُغَوىٌّ، إنما ينْصرِف المُطْلَقُ منه إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ كالوضوء، والصلاة، والصَّوْمِ، والزَّكاةِ، والحَجّ، ونحوه، لأنَّ الظَّاهرَ مِن صاحبِ الشرع التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه.

والطُّهور - بضَمِّ الطَّاء -: المصدرُ، قالَه الْيَزِيدِىّ

والطَّهُور - بالفَتْح - من الأسماء المتعَدِّيَة، وهو الذي يُطَهِّرُ غيرَه، مثلُ الغَسُول الذي يُغَسَّل به.

وقال بعضُ الحنفيَّة: هو من الأسماء اللَّازمة، بمعنى الطاهر سَواء؛ لأن العَرَبَ لا تُفرَّق بين الفاعل والفَعُول في التَّعَدِّى واللُّزُوم، فما كان فاعِلُه لازمًا كان فَعُولُه لازما، بدليلِ قاعِد وقَعُود، ونائم ونَؤُوم، وضارِب وضَرُوب.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس)

(بَابُ الْمَاءِ الَّذِي يَنْجَسُ وَالَّذِي لَا يَنْجَسُ)

قال الشافعي: " أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كثيرٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ محمدٍ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنَهُ قَالَ: " إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يحمل نجساً أو قال خبثاً " عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نجساً " أو قال خبثاً وهو صَحِيحٌ، وَلِلنَّجَاسَةِ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ حَالَانِ.

حَالٌ تُغَيِّرُ أَحَدَ أَوْصَافِ الْمَاءِ مِنْ لَوْنٍ أَوْ طَعْمٍ أَوْ رَائِحَةٍ، فَيَصِيرُ الْمَاءُ بِهَا نَجِسًا، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَهُوَ إِجْمَاعٌ.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا تُغَيِّرَ النَّجَاسَةُ شَيْئًا مِنْ أَوْصَافِ الْمَاءِ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي نَجَاسَتِهِ بِالتَّغْيِيرِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ قَلَّ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 225 - 227

ارجع إلى أقسام المياه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله