الماء المستعمل عند الشافعية

الإسلام > الطهارة > أقسام المياه > الماء المستعمل عند الشافعية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الماء المستعمل عند الشافعية - الأقوال والأدلة

الكَراهةُ؛ لأنَّ ما ثبَتَ للأَجزاءِ يَثبُتُ للكلِّ، واستظهَرَ ابنُ عبدِ السَّلامِ نَفيَها (١).

وقالَ الشَّيخُ الدَّرديرُ: الماءُ اليَسيرُ الذي هو قَدرُ آنيةِ الغُسلِ، فأقَلُّ المُستعمَلِ في حَدثٍ يُكرهُ استِعمالُه في حَدثٍ بشُروطٍ ثَلاثةٍ: أنْ يَكونَ يَسيرًا، وأنْ يَكونَ استُعملَ في رَفعِ حَدثٍ لا حُكمِ خَبثٍ، وأنْ يَكونَ الاستِعمالُ الثاني في رَفعِ حَدثٍ (٢).

قالَ الشَّيخُ أحمدُ الصاويُّ: وعلى هذا فإنَّ الماءَ المُستعمَلَ في حُكمِ خَبثٍ لا يُكرهُ له استِعمالُه، وأنَّ الماءَ المُستعمَلَ في حَدثٍ لا يُكرهُ استِعمالُه في حُكمِ خَبثٍ (٣).

الماءُ المُستعمَلُ عندَ الشافِعيةِ:

الماءُ المُستعمَلُ عندَ الشافِعيةِ: هو الماءُ القَليلُ المُستعمَلُ في فَرضِ الطَّهارةِ عن حَدثٍ كالغَسلةِ الأُولى فيه، أو في إِزالةِ نَجسٍ عن البَدنِ أو الثَّوبِ، أمَّا نَفلُ الطَّهارةِ كتَجديدِ الوُضوءِ والغَسلةِ الثانيةِ والغَسلةِ الثالِثةِ ففيه وَجهانِ، الصَّحيحُ -كما قالَ النَّوويُّ- أنَّه ليسَ بمُستعمَلٍ، وهو ظاهِرُ نَصِّ الشافِعيِّ (٤).

(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (١/ ٦٨، ٦٩)، و «المدونة» (١/ ٢١)، و «بداية المجتهد» (١/ ٥٠)، و «مواهب الجليل» (١/ ٦٦).
(٢) «الشرح الصغير مع بلغة السالك» (١/ ٢٧، ٢٨).
(٣) «بلغة السالك» (١/ ٢٦).
(٤) «المجموع شرح المهذب» (٢/ ١٣٩)، و «المهذب» (١/ ٨)، و «روضة الطالبين» (١/ ١٣٨).

وقالَ أيضًا: واتَّفَقوا على أنَّ المُستعمَلَ في الغَسلةِ الرابِعةِ ليسَ بمُستعمَلٍ؛ لأنَّها ليسَت بنَفلٍ (١).

وفرَّقَ الشافِعيةُ بينَ الماءِ القَليلِ الذي لم يَبلغْ قُلَّتينِ، وبينَ الكَثيرِ الذي بلَغَ قُلَّتينِ فأكثَرَ.

فالصَّحيحُ من المَذهبِ أنَّ القَليلَ من الماءِ المُستعمَلِ طاهِرٌ في نَفسِه؛ لأنَّ السَّلفَ الصالِحَ كانوا لا يَحتَرزونَ عنه، ولا عما يَتقاطرُ عليهم منه.

فعن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما قالَ: «جاءَ رَسولُ اللهِ يَعودُني وأنا مَريضٌ لا أَعقِلُ، فتَوضَّأَ وصَبَّ علَيَّ من وَضُوئِه فعَقَلتُ» (٢).

ولكنَّه غيرُ طَهورٍ، فلا يَرفعُ حَدثًا ولا يُزيلُ نَجسًا؛ لأنَّ السَّلفَ مع قِلةِ مياهِهم لم يَجمَعوا الماءَ المُستعمَلَ ثانيةً بل انتَقَلوا إلى التَّيممِ، كما لم يَجعَلوه للشُّربِ؛ لأنَّه مُستقذَرٌ.

فإن جُمعَ الماءُ المُستعمَلُ فبلَغَ قُلَّتينِ فطَهورٌ على الأصَحِّ (٣).

قالَ الشِّربينيُّ: واختُلفَ في عِلةِ مَنعِ استِعمالِ الماءِ المُستعمَلِ فقيل: وهو الأصَحُّ: إنَّه غيرُ مُطلَقٍ، كما صحَّحَه النَّوويُّ وغيرُه (٤) (٥).

(١) «المجموع شرح المهذب» (٢/ ١٣٩).
(٢) رواه البخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١).
(٣) «مغني المحتاج» (١/ ٨٢، ٨٣)، و «المجموع» (٢/ ١٣٨، ١٤٢).
(٤) «مغني المحتاج» (١/ ٨٢، ٨٣)، و «المجموع» (٢/ ١٣٨، ١٤٢).
(٥) وقالَ الحِصنيُّ في «كفاية الأخيار» (٥٤): الصَّحيحُ أنَّه تأدَّى به فَرضٌ، وقيلَ: إنَّه تَأدَّى به عِبادةٌ، وتَظهَرُ فائِدةُ الخِلافِ في صَورتَين:
الأُولى: في ماءٍ استُعمِلَ في نَفيِ الطَّهارةِ كتَجديدِ الوُضوءِ والأَغسالِ المَسنونةِ وماءِ الغَسلةِ الثانيةِ والغَسلةِ الثالِثةِ فعلى الصَّحيحِ: يَكونُ الماءُ طَهورًا؛ لأنَّه لم يَتأدَّى به فَرضٌ، وعلى الضَّعيفِ: لا يَكونُ طَهورًا؛ لأنَّه تَأدَّى به عِبادةٌ، ولا خِلافَ أنَّ ماءَ الرابِعةِ طَهورٌ؛ لأنَّه لم يَتأدَّ به فَرضٌ ولا هي مَشروعةٌ، والغَسلةُ الأُولى (أي: ماءُ الغَسلةِ الأُولى) غيرُ طَهورٍ على العِلَّتينِ؛ لتَأدِّي الفَرضِ والعِبادةِ بمائِها.
الصُّورةُ الثانيةُ: الماءُ الذي اغتسَلَت به الكِتابيةُ عن حَيضٍ لتَحلَّ لزَوجِها المُسلمِ هل هو طَهورٌ؟ يَنبَني على أنَّها لو أسلَمَت هل يَلزمُها إِعادةُ الغُسلِ؟ وفيه خِلافٌ إنْ قُلنا: لا يَلزمُها فهو غيرُ طاهِرٍ، وإنْ قُلنا: يَلزمُها إِعادةُ الغُسلِ -وهو الصَّحيحُ- ففي الماءِ الذي استَعملَته حالَ الكُفرِ وَجهانِ مَبنيانِ على العِلَّتَين: إنْ قُلنا: إنَّ العِلةَ تَأدِّي الفَرضِ فالماءُ غيرُ طَهورٍ، وإنْ قُلنا: إنَّ العِلةَ تَأدِّي العِبادةِ فهو طَهورٌ؛ لأنَّ الكافِرةَ ليسَت من أهلِ العِبادةِ.

فإنْ جُمعَ المُستعمَلُ على الجَديدِ فبلَغَ قُلَّتينِ فطَهورٌ في الأصَحِّ؛ لأنَّ النَّجاسةَ أشَدُّ من الاستِعمالِ، والماءُ المُتنجِّسُ لو جُمعَ حتى بلَغَ قُلَّتينِ -أي: ولا تَغيُّرَ به- صارَ طَهورًا قَطعًا، فالمُستعمَلُ أَولى.

ومُقابِلُ الأصَحِّ لا يَعودُ طَهورًا؛ لأنَّ قُوَّتَه صارَت مُستوفاةً بالاستِعمالِ فالتحَقَ بماءِ الوَردِ ونَحوِه: وهذا اختيارُ ابنِ سُرَيجٍ (١).

وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: الماءُ المُستعمَلُ ضَربانِ:

مُستعمَلٌ في طَهارةِ الحَدثِ، ومُستعمَلٌ في طَهارةِ النَّجسِ.

فأمَّا المُستعمَلُ في طَهارةِ الحَدثِ فيُنظرُ فيه؛ فإنِ استُعملَ في رَفعِ حَدثٍ فهو طاهِرٌ؛ لأنَّه ماءٌ طاهِرٌ لاقَى مَحلًّا طاهِرًا، كما لو غُسلَ به ثَوبٌ طاهِرٌ. وهل تَجوزُ به الطَّهارةُ أو لا؟ فيه طَريقانِ: من أَصحابِنا مَنْ قالَ: فيه قَولانِ:

(١) «مغني المحتاج» (١/ ٨٣)، و «المجموع» (٢/ ١٣٨).

(المَنصوصُ) أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّه زالَ عنه إطلاقُ اسمِ الماءِ فصارَ كما لو تغيَّرَ بالزَّعفرانِ.

ورُويَ عنه أنَّه قالَ: يَجوزُ الوُضوءُ به؛ لأنَّه استِعمالُ لم يُغيِّرْ صِفةَ الماءِ، فلم يَمنعِ الوُضوءَ به؛ كما لو غسَلَ به ثَوبًا طاهِرًا، ومِن أَصحابِنا مَنْ لم يُثبتْ هذه الرِّوايةَ.

ثم قالَ: وأمَّا المُستعمَلُ في النَّجسِ فيُنظرُ فيه: فإنِ انفصَلَ عن المَحلِّ وتغيَّرَ فهو نَجسٌ لقَولِه : «الماءُ لا يُنجِّسُه شَيءٌ إلا ما غيَّرَ طَعمَه أو رِيحَه» (١).

وإنْ كانَ غيرَ مُتغيِّرٍ ففيه ثَلاثةُ أوجُهٍ:

أحَدُها: أنَّه طاهِرٌ وهو قَولُ أبي العَباسِ وأبي إِسحاقَ؛ لأنَّه ماءٌ لا يُمكنُ حِفظُه من النَّجاسةِ فلم يُنجَّسْ من غيرِ تَغيُّرٍ، كالماءِ الكَثيرِ إذا وقَعَت فيه نَجاسةٌ.

(١) رواه ابن ماجه (٥٢١)، والطبراني في «الكبير» (٨/ ١٠٤)، والدارقطني في «سننه» (١/ ٢٨) قالَ النَّوويُّ: ضَعيفٌ لا يَصحُّ الاحتِجاجُ به، وقد رَواه ابنُ ماجَه والبَيهَقيُّ من رِوايةِ أبي أُمامةَ وذكَرا فيه: طَعمَه أوريحَه أولَونَه واتَّفَقوا على ضَعفِه، ونقَلَ الإمامُ الشافِعيُّ/ تَضعيفَه عن أهلِ الحَديثِ وبيَّنَ البَيهَقيُّ ضَعفَه. وإذا عُلمَ بَيانُ ضَعفِ الحَديثِ تَعيَّنَ الاحتِجاجُ ب «الإجماع» كما قالَ البَيهَقيُّ وغيرُه من الأئِمةِ، وقد أشارَ إليه الشافِعيُّ أيضًا فقالَ: الحَديثُ لا يُثبتُ أهلُ الحَديثِ مِثلَه، ولكنَّه قَولُ العامةِ، لا أعلَمُ بينَهم فيه خِلافًا. «المجموع» (٢/ ٦٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب ما تكون به الطهارة من الماء

(باب ما تكونُ به الطَّهارةُ من الماء )

التَّقديرُ: هذا باب ما تكون به الطهارةُ من الماء ، فحذَف المبتدأَ للعِلْم به، وقوله " ما تكونُ به " ، أي تحصُل وتحدُث، وهى ها هنا تامَّةٌ غيرُ محتاجةٍ إلى خَبَرٍ، ومتى كانت تامَّةً كانت بمعنى الحدَثِ والحصُولِ، تقول: كان الأمرُ، أي حدَث ووَقَع؛ قال اللهُ تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} : أي: إن وُجِدَ ذو عُسْرَة. وقال الشاعر :

إذَا كان الشِّتَاءُ فأدْفِئُونِى ... فإنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ

أي إذا جاء الشتاءُ وحَدَث .

وفى نُسْخةٍ مَقْروءَة علَى ابنِ عَقِيلٍ : (باب ما تجُوز به الطهارةُ من الماء) ومعناهما مُتَقارِبٌ.

والطَّهارةُ في اللغة: النَّزاهةُ عن الأقْذار، وفى الشَّرْعِ: رَفْعُ ما يمنَعُ الصلاة مِن حَدَثٍ أو نجاسةٍ بالماءِ، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتُّرابِ. فعند إطْلاقِ لفظِ الطهارة في لَفْظِ

الشارِع أو كلام الفقهاء ينصرفُ إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ دون اللغوى وكذلك كلُّ مالَه موضوعٌ شَرْعىٌّ ولُغَوىٌّ، إنما ينْصرِف المُطْلَقُ منه إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ كالوضوء، والصلاة، والصَّوْمِ، والزَّكاةِ، والحَجّ، ونحوه، لأنَّ الظَّاهرَ مِن صاحبِ الشرع التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه.

والطُّهور - بضَمِّ الطَّاء -: المصدرُ، قالَه الْيَزِيدِىّ

والطَّهُور - بالفَتْح - من الأسماء المتعَدِّيَة، وهو الذي يُطَهِّرُ غيرَه، مثلُ الغَسُول الذي يُغَسَّل به.

وقال بعضُ الحنفيَّة: هو من الأسماء اللَّازمة، بمعنى الطاهر سَواء؛ لأن العَرَبَ لا تُفرَّق بين الفاعل والفَعُول في التَّعَدِّى واللُّزُوم، فما كان فاعِلُه لازمًا كان فَعُولُه لازما، بدليلِ قاعِد وقَعُود، ونائم ونَؤُوم، وضارِب وضَرُوب.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب ما يفسد الماء)

(باب ما يفسد الماء)

قال الشافعي رضي الله عنه: " إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ نُقْطَةُ خمرٍ أَوْ بولٍ أَوْ دمٍ أَوْ أَيِّ نجاسةٍ كَانَتْ مِمَّا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فَسَدَ الْمَاءُ، وَلَا تُجْزِئُ بِهِ الطَّهَارَةُ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَضَرْبٌ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فَمِثْلُ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَالْغَائِطِ، فَتَوَقِّي يَسِيرِهِ وَكَثِيرِهِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

إِمَّا أَنْ يَكُونَ يدركه الطرف فإن كان مما يدركها الطَّرْفُ، فَقَدْ نَجُسَ مِمَّا حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ النَّجَاسَةُ الْمُرِيبَةُ قَلَّتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثُرَتْ وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ حَصَلَتْ فِي مَاءٍ قَدْرُهُ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 197 - 200

ارجع إلى أقسام المياه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد