الإسلام > الطهارة > أقسام المياه > ثانيا: الماء المسخن بغير الشمس
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةثانيًا: الماءُ المُسخَّنُ بغيرِ الشَّمسِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الماءِ المُسخَّنِ بغيرِ الشَّمسِ أو المُسخَّنِ بالنَّجاسةِ هل يَجوزُ استِعمالُه بدونِ كَراهةٍ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأبو حَنيفةَ إلى أنَّ الماءَ المُسخَّنَ بالنارِ لا يُكرهُ استِعمالُه لعَدمِ ثُبوتِ نَهيٍ عنه، ولذَهابِ الزُّهومةِ لقُوةِ تأثيرِها، وأضافَ الشافِعيةُ وأبو حَنيفةَ: ولو كانَ التَّسخينُ بنَجاسةٍ، وكرِهَ ذلك المالِكيةُ، أي: التَّسخينَ بالنَّجاسةِ (١).
أمَّا الحَنابِلةُ فجعَلوا الماءَ المُسخَّنَ بالنَّجاسةِ على ثَلاثةِ أقسامٍ:
قالَ ابنُ قُدامةَ: أحدُها: أنْ يَتحقَّقَ شَيءٌ من أَجزاءِ النَّجاسةِ إلى الماءِ فيُنجِّسَه إذا كانَ يَسيرًا.
والثاني: ألَّا يَتحقَّقَ وُصولُ شَيءٍ من أَجزاءِ النَّجاسةِ إلى الماءِ، والحائِلُ غيرُ حَصينٍ، فالماءُ على أصلِ الطَّهارةِ ويُكرهُ استِعمالُه.
والثالِثُ: إذا كانَ الحائِلُ حَصينًا، قالَ القاضِي: يُكرهُ، واختارَ الشَّريفُ أبو جَعفرٍ وابنُ عَقيلٍ أنَّه لا يُكرهُ؛ لأنَّه غيرُ مُتردِّدٍ في نَجاستِه بخِلافِ التي قبلَها.
(١) «الشرح الكبير» (١/ ٧٤)، و «مواهب الجليل» (١/ ٨٠)، و «الحاوي الكبير» (١/ ٤١)، و «نهاية المحتاج» (١/ ٧١)، و «مغني المحتاج» (١/ ٨١)، و «روضة الطالبين» (١/ ١٤٢)، و «حاشية الجمل» (١/ ٣٦)، و «كفاية الأخيار» ص (٥٤)، و «المغني» (١/ ٤١)، و «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦١٢).
وذكَرَ أبو الخَطابِ في كَراهةِ المُسخَّنِ بالنَّجاسةِ رِوايَتينِ على الإطلاقِ (١).
وقال شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: الماءُ المُسخَّنُ بالنَّجاسةِ طاهِرٌ، لكنْ هل يُكرهُ؟ على قَولَينِ، هُما رِوايتانِ عن أحمدَ.
إحداهُما: لا يُكرهُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ.
والثاني: يُكرهُ، وهو مَذهبُ مالِكٍ.
وللكَراهةِ مَأخَذانِ:
أحدُهما: الخَشيةُ من أنْ يَكونَ قد وصَلَ إلى الماءِ شَيءٌ من النَّجاسةِ، فيُكرهُ لاحتِمالِ تَنجُّسِه: فعلى هذا إذا كانَ بينَ المَوقِدِ وبينَ النارِ حاجِزٌ حَصينٌ لم يُكرهْ: وهذه طَريقةُ الشَّريفِ أبي جَعفرٍ وابنِ عَقيلٍ وغيرِهما.
والثاني: أنَّ سَببَ الكَراهةِ كَونُ استِعمالِ النَّجاسةِ مَكروهًا، وأنَّ السُّخونةَ حصَلَت بفِعلِ مَكروهٍ، وهذه طَريقةُ القاضِي أبي يَعلى، ومِثلُ هذا طَبخُ الطَّعامِ بالوَقودِ النَّجسِ؛ فإنَّ نُضْجَ الطَّعامِ كسُخونةِ الماءِ (٢).
(١) «المغني» (١/ ٤٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦١٢، ٦١٣).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب ما تكون به الطهارة من الماء
(باب ما تكونُ به الطَّهارةُ من الماء )
التَّقديرُ: هذا باب ما تكون به الطهارةُ من الماء ، فحذَف المبتدأَ للعِلْم به، وقوله " ما تكونُ به " ، أي تحصُل وتحدُث، وهى ها هنا تامَّةٌ غيرُ محتاجةٍ إلى خَبَرٍ، ومتى كانت تامَّةً كانت بمعنى الحدَثِ والحصُولِ، تقول: كان الأمرُ، أي حدَث ووَقَع؛ قال اللهُ تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} : أي: إن وُجِدَ ذو عُسْرَة. وقال الشاعر :
إذَا كان الشِّتَاءُ فأدْفِئُونِى ... فإنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ
أي إذا جاء الشتاءُ وحَدَث .
وفى نُسْخةٍ مَقْروءَة علَى ابنِ عَقِيلٍ : (باب ما تجُوز به الطهارةُ من الماء) ومعناهما مُتَقارِبٌ.
والطَّهارةُ في اللغة: النَّزاهةُ عن الأقْذار، وفى الشَّرْعِ: رَفْعُ ما يمنَعُ الصلاة مِن حَدَثٍ أو نجاسةٍ بالماءِ، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتُّرابِ. فعند إطْلاقِ لفظِ الطهارة في لَفْظِ
الشارِع أو كلام الفقهاء ينصرفُ إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ دون اللغوى وكذلك كلُّ مالَه موضوعٌ شَرْعىٌّ ولُغَوىٌّ، إنما ينْصرِف المُطْلَقُ منه إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ كالوضوء، والصلاة، والصَّوْمِ، والزَّكاةِ، والحَجّ، ونحوه، لأنَّ الظَّاهرَ مِن صاحبِ الشرع التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه.
والطُّهور - بضَمِّ الطَّاء -: المصدرُ، قالَه الْيَزِيدِىّ
والطَّهُور - بالفَتْح - من الأسماء المتعَدِّيَة، وهو الذي يُطَهِّرُ غيرَه، مثلُ الغَسُول الذي يُغَسَّل به.
وقال بعضُ الحنفيَّة: هو من الأسماء اللَّازمة، بمعنى الطاهر سَواء؛ لأن العَرَبَ لا تُفرَّق بين الفاعل والفَعُول في التَّعَدِّى واللُّزُوم، فما كان فاعِلُه لازمًا كان فَعُولُه لازما، بدليلِ قاعِد وقَعُود، ونائم ونَؤُوم، وضارِب وضَرُوب.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب ما يفسد الماء)
(باب ما يفسد الماء)
قال الشافعي رضي الله عنه: " إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ نُقْطَةُ خمرٍ أَوْ بولٍ أَوْ دمٍ أَوْ أَيِّ نجاسةٍ كَانَتْ مِمَّا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فَسَدَ الْمَاءُ، وَلَا تُجْزِئُ بِهِ الطَّهَارَةُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَضَرْبٌ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فَمِثْلُ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَالْغَائِطِ، فَتَوَقِّي يَسِيرِهِ وَكَثِيرِهِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ يدركه الطرف فإن كان مما يدركها الطَّرْفُ، فَقَدْ نَجُسَ مِمَّا حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ النَّجَاسَةُ الْمُرِيبَةُ قَلَّتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثُرَتْ وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ حَصَلَتْ فِي مَاءٍ قَدْرُهُ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ.
ارجع إلى أقسام المياه للاطلاع على جميع المسائل.