الإسلام > الطهارة > أنواع النجاسات > المذي والودي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوغيرُه: وليسَ تَجويزُ مَنْ جوَّزَ النَّضحَ في الصَّبيِّ من أجلِ أنَّ بَولَه ليسَ بنَجسٍ، ولكنَّه من أجلِ التَّخفيفِ في إِزالتِه، فهذا هو الصَّوابُ، وأمَّا ما حَكاه أبو الحَسنِ بنُ بَطَّالٍ ثم القاضِي عِياضٌ عن الشافِعيِّ وغيرِه أنَّهم قالوا: بَولُ الصَّبيِّ طاهِرٌ فيُنضحُ، فحِكايةٌ باطِلةٌ قَطعًا.
وأمَّا حَقيقةُ النَّضحِ هنا فقد اختَلفَ أَصحابُنا فيها فذهَبَ الشَّيخُ أبو مُحمدٍ الجُوينيُّ والقاضِي حُسينٌ والبَغويُّ إلى أنَّ مَعناه أنَّ الشَّيءَ الذى أصابَه البَولُ يُغمرُ بالماءِ كسائِرِ النَّجاساتِ بحيث لو عُصرَ لا يُعصرُ، قالوا: وإنَّما يُخالِفُ هذا غيرَه في أنَّ غيرَه يَشترطُ عَصرَه على أحدِ الوَجهَينِ، وهذا لا يُشترطُ بالاتِّفاقِ، وذهَبَ إمامُ الحَرمَين والمُحقِّقون إلى أنَّ النَّضحَ أنْ يَغمرَ ويُكاثرَ بالماءِ مُكاثرةً لا يَبلغُ جَريانَ الماءِ وتَردُّدهَ وتَقاطُرَه بخِلافِ المُكاثرةِ في غيرِه، فإنَّه يُشترطُ فيها أنْ يَكونَ بحيث يَجري بعضُ الماءِ ويَتقاطَرُ من المَحلِّ وإنْ لم يُشترطْ عَصرُه، وهذا هو الصَّحيحُ المُختارُ، ويَدلُّ عليه قَولُها: فنضَحَه ولم يَغسِلْه، وقَولُه: فرَشَّه، أي: نضَحَه، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
ثم إنَّ النَّضحَ إنَّما يَجزي ما دامَ الصَّبيُّ يَقتصرُ به على الرَّضاعِ، أمَّا إذا أكَلَ الطَّعامَ على جِهةِ التَّغذيةِ فإنَّه يَجبُ الغَسلُ بلا خِلافٍ واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
٢ - المَذيُ والوَديُ:
المَذيُ: هو ماءٌ أبيَضُ رَقيقٌ لَزِجٌ يَخرجُ عندَ شَهوةٍ لا بشَهوةٍ ولا دَفقٍ،
(١) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٩٥).
ولا يَعقبُه فُتورٌ، وربَّما لا يُحسُّ بخُروجِه، ويَكونُ ذلك للرَّجلِ والمَرأةِ، وهو في النِّساءِ أكثَرُ (١).
أمَّا الوَديُ: فماءٌ أبيَضُ كَدِرٌ ثَخينٌ يُشبهُ المَنيَّ في الثَّخانةِ ويُخالِفُه في الكُرورةِ ولا رائِحةَ له ويَخرجُ عُقَيبَ البَولِ، إذا كانَت الطَّبيعةُ مُستمسِكةً، وعندَ حَملِ شَيءٍ ثَقيلٍ، ويَخرجُ قَطرةً أو قَطرتَينِ ونَحوَهما (٢).
والمَذيُ والوَديُ نَجسانِ باتِّفاقِ العُلماءِ.
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أجمَعَت الأُمةُ على نَجاسةِ المَذيِ والوَديِ (٣).
(١) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٨٠)، و «المجموع» (٢/ ١٦١).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٨٠)، و «المجموع» (٢/ ١٦١).
(٣) «المجموع» (٢/ ٥١٠)، و «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٨٠)، و «شرح السنة» (٢/ ٩٠)، و «البحر الرائق» (١/ ٦٥)، و «المبسوط» (١/ ٦٩)، وعن الإمامِ أحمدَ بنِ حَنبلٍ قَولٌ في طَهارةِ المَذيِ، صحَّحَه ابنُ عَقيلٍ الحَنبَليُّ، واختارَه أبو الخَطابِ في «خِلافه»، وقدَّمَه ابنُ رَزينٍ في «شرحه»، وجزَمَ في «نهايته» و «نظمها». انظرْ على سبيلِ المثالِ: «المغني»، و «المحرر في الفقه» (١/ ٦)، و «الإنصاف» (١/ ٣٣٠)، وكثيرٌ من مراجعِ الحَنابِلة.
قال شَيخُ الإسلامِ في «شرح العمدة» ص (١٠٤): «أمَّا المَذيُ، فيُعفَى عنه في أَقوى الرِّوايتَينِ؛ لأنَّ البَلوى تَعمُّ به ويَشقُّ التَّحرُّزُ منه، فهو كالدَّمِ، بل أَولى، للاختِلافِ في نَجاستِه والاجتِزاءِ عنه بنَضحِه. وكذلك المَنيُّ، إذا قُلنا بنَجاستِه. وأمَّا الوَديُ، فلا يُعفَى عنه في المَشهورِ عنه كالبَولِ. وأمَّا الدَّمُ، فيُعفَى عن يَسيرِه رِوايةً واحِدةً».
وقالَ ابنُ قُدامةَ في «المغني» (١/ ٤١٣): «ورُويَ عن أحمدَ رحمة الله عليه «أنَّه (أي: المَذيُ) بمَنزلةِ المَنيِّ» (أي: كِلاهما طاهِرٌ). قالَ -في رِوايةِ مُحمدِ بنِ الحَكمِ- إنَّه سألَ أبا عَبدِ اللهِ (الإمامَ أحمدَ) عن المَذيِ أشَدُّ أوالمَنيُّ؟ قالَ (الإمامُ): «هما سَواءٌ: ليسَا من مَخرجِ البَولِ، إنَّما هما من الصُّلبِ والتَّرائبِ، كما قالَ ابنُ عَباسٍ: هو عِندي بمَنزِلةِ البُصاقِ والمُخاطِ». وذكَرَ ابنُ عَقيلٍ نَحوَ هذا. وعلَّلَ بأنَّ المَذيَ جُزءٌ من المَنيِّ؛ لأنَّ سَببَهما جَميعًا الشَّهوةُ، ولأنَّه خارِجٌ تُحلِّلُه الشَّهوةُ أشبَهَ المَنيَّ».
قالَ ابنُ حَجرٍ في «الفتح» (١/ ٣٨١): «وخرَّجَ ابنُ عَقيلٍ الحَنبليُّ من قَولِ بَعضِهم: «إنَّ المَذيَ من أجزاءِ المَنيِّ» رِوايةً بطَهارتِه. وتُعقِّبَ بأنَّه لو كانَ مَنيًّا لوجَبَ الغُسلُ منه».
وقد أخرَجَ مالِكٌ في «المُوطأِ» في «بابِ الرُّخصةِ في تَركِ الوُضوءِ من المَذيِ» (١/ ٤١): عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ أنَّه سمِعَه ورَجلٌ يَسألُه، فقالَ: إنِّي لأجِدُ البَللَ وأنا أُصلِّي، أفأنصَرفُ؟ فقالَ له سَعيدٌ: «لو سالَ على فَخِذي، ما انصرَفتُ حتى أَقضيَ صَلاتي». أي أنَّ سَعيدًا لا يَرى المَذيَ نَجسًا.
ورَوى عبدُ الرَّزاقِ في «مُصنفِه» (٦١٣) عن ابن عُيَينةَ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن ابنِ المُسيِّبِ قالَ: إنِّي لأجِدُ المَذيَ على فَخِذي يَنحدِرُ وأنا أُصلِّي، فما أُبالي ذلك، قالَ: وقالَ سَعيدٌ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ: إنِّي لأجِدُ المَذيَ على فَخِذي يَنحدرُ وأنا على المِنبَرِ ما أُبالِي ذلك».
وقالَ أيضًا: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّه لا يُوجبُ الغُسلَ بخُروجِ المَذيِ والوَديِ (١).
والدَّليلُ على ذلك ما رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ عن عليٍّ رضي الله عنه: كُنْتُ رَجلًا مَذَّاءً وكُنتُ أستَحْيِي أنْ أَسألَ النَّبيَّ ﷺ لمَكانِ ابنَتِه فأمَرتُ المِقدادَ بنَ الأَسودِ فسألَه فقالَ: «يَغسلُ ذكَرَه ويَتوضَّأُ» (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: المَذيُ والوَديُ والرِّيحُ فهذا يَنقضُ الوُضوءَ إِجماعًا.
(١) «المجموع» (٢/ ١٦١).
(٢) البخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣).
ارجع إلى أنواع النجاسات للاطلاع على جميع المسائل.