الإسلام > الطهارة > أنواع النجاسات > ثانيا: سؤر الكلب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 36 دقيقة قراءةقالَ ابنُ عابِدينَ رحمة الله عليه: وهو الصَّحيحُ والأقرَبُ إلى الصَّوابِ (١)، وصحَّحَه أيضًا الكاسانِيُّ في البَدائعِ (٢).
وقالَ المالِكيةُ: الكَلبُ طاهِرٌ؛ لأنَّ الأصلَ في الأشياءِ الطَّهارةُ ولأنَّه حَيٌّ، والحَياةُ تُنافي التَّنجيسَ كسائِرِ الحَيوانِ، وكذا عَرقُه ودَمعُه ومُخاطُه ولُعابُه، ومَحلُّ كَونِ اللُّعابِ طاهِرًا إنْ كانَ من غيرِ المَعدةِ، أمَّا الخارِجُ من المَعدةِ فنَجسٌ، وعلامَتُه أنْ يَكونَ أصفَرَ مُنتِنًا، وإنَّما يَجبُ غَسلُ الإناءِ مِنْ وُلوغِه تَعبُّدًا (٣).
ثانيًا: سُؤرُ الكَلبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في سُؤرِ الكَلبِ هل هو طاهِرٌ أو نَجسٌ؟ وهل يَجبُ غَسلُه سَبعَ مَرَّاتٍ إحداهُنَّ بالتُّرابِ أو لا يَجبُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ سُؤرَ الكَلبِ نَجسٌ، وأنَّ الكَلبَ إذا ولَغَ في إناءٍ وجَبَ غَسلُه وأنَّه يُغسلُ سَبعَ مَراتٍ إحداهُنَّ بالتُّرابِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ، وثَلاثَ مَراتٍ عندَ الحَنفيةِ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «إذا ولَغَ الكَلبُ في إناءِ أحَدِكم فليُرِقْه ثم
(١) «حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (١/ ٣٦٢).
(٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٢٨).
(٣) «الكافي» لابن عبد البر (١/ ١٨)، و «الشرح الصغير مع بلغة السالك» (١/ ٣١)، و «المجموع» (٢/ ٥٢٣).
ليَغسِلْه سَبعَ مِرارٍ» وفي رِوايةٍ: «طَهورُ إناءِ أحدِكم إذا ولَغَ فيه الكَلبُ أنْ يَغسلَه سَبعَ مَراتٍ أُولاهُنَّ بالتُّرابِ» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: والدِّلالةُ من الحَديثِ الأولِ ظاهِرةٌ؛ لأنَّه لو لم يَكنْ نَجسًا لَمَا أمَرَ بإِراقَتِه؛ لأنَّه يَكونُ حينَئذٍ إِتلافَ مالٍ، وقد نُهينا عن إِضاعةِ المالِ، ومن الحَديثِ الثاني ظاهِرةٌ أيضًا؛ فإنَّ الطَّهارةَ تَكونُ من حَدثٍ أو نَجسٍ، وقد تعذَّرَ الحَملُ هنا على طَهارةِ الحَدثِ فتَعيَّنت طَهارةُ النَّجسِ (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ أيضًا: وفيه -أي: الحَديثِ- وُجوبُ غَسلِ نَجاسةِ وُلوغِ الكَلبِ سَبعَ مَراتٍ، وهذا مَذهبُنا ومَذهبُ مالِكٍ وأحمدَ والجَماهيرِ، وقالَ أبو حَنيفةَ: يَكفي غَسلُه ثَلاثَ مَراتٍ، واللهُ ﷾ أعلَمُ، وأمَّا الجَمعُ بينَ الرِّواياتِ فقد جاءَ في رِوايةٍ: «سَبعَ مَراتٍ»، وفي رِوايةٍ: «سَبعَ مَراتٍ أُولاهُنَّ بالتُّرابِ»، وفي رِوايةٍ «أُخراهُنَّ أو أُولاهُنَّ»، وفي رِوايةٍ «سَبعَ مَراتٍ السابِعةُ بالتُّرابِ»، وفي رِوايةٍ: «سَبعَ مَراتٍ وعَفِّروه الثامِنةَ بالتُّرابِ»، وقد رَوى البَيهَقيُّ وغيرُه هذه الرِّواياتِ كلَّها وفيها دَليلٌ على أنَّ التَّقييدَ بالأُولى وبغيرِها ليسَ على الاشتِراطِ، بل المُرادُ إحداهُنَّ، وأمَّا رِوايةُ «وعَفِّروه الثامِنةَ بالتُّرابِ» فمَذهبُنا ومَذهبُ الجَماهيرِ أنَّ المُرادَ اغسِلوه
(١) رواه مسلم (٢٧٩).
(٢) «المجموع» (٢/ ٥٢٣)، و «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٥٣)، و «الحاوي الكبير» (١/ ٣٠٤، ٣٠٥).
سَبعًا واحِدةٌ منهُنَّ بالتُّرابِ مع الماءِ، فكأنَّ التُّرابَ قائِمٌ مَقامَ غَسلةٍ فسُمِّيت ثامِنةً لهذا، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
واعلَمْ أنَّه لا فَرقَ عندَنا بينَ وُلوغِ الكَلبِ وغيرِه من أجزائِه، فإذا أصابَ بَولُه أو رَوثُه أو دَمُه أو عَرقُه أو شَعرُه أو لُعابُه أو عُضوٌ من أَعضائِه شَيئًا طاهِرًا في حالِ رُطوبةِ أحدِهما وجَبَ غَسلُه سَبعَ مَراتٍ إحداهُنَّ بالتُّرابِ (١).
وقالَ الزَّيلَعيُّ رحمة الله عليه: والأمرُ بالإِراقةِ دَليلُ التَّنجسِ، وأقوى منه قَولُه ﷺ: «طَهورُ إناءِ أحدِكم إذا ولَغَ فيه الكَلبُ أنْ يَغسلَه سَبعًا» فهذا يُفيدُ النَّجاسةَ؛ لأنَّ الطَّهورَ مَصدرٌ بمَعنى الطَّهارةِ فيَستَدعي سابِقةَ التَّنجسِ أو الحَدثِ، والثاني مُنتفٍ فيَتعيَّنُ الأولُ، ولأنَّ الأصلَ في النُّصوصِ أنْ تَكونَ مَعقولةَ المَعنى، فإذا دارَ الأمرُ بينَ كَونِه مَعقولًا وتَعبدًا كانَ جَعلُه مَعقولَ المَعنى أَولى؛ لنُدرةِ التَّعبدِ وكَثرةِ التَّعقلِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا يَختلفُ المَذهبُ في نَجاسةِ الكَلبِ والخِنزيرِ وما تَولَّدَ منهما إذا أصابَت غيرَ الأرضِ أنَّه يَجبُ غَسلُها سَبعًا إحداهُنَّ بالتُّرابِ سَواءٌ أكانَ من وُلوغِه أو غيرِه لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا ولَغَ الكَلبُ في إناءِ أحدِكم فليَغسِلْه سَبعًا إحداهُنَّ بالتُّرابِ» مُتَّفقٌ عليه، ولمُسلمٍ: «أُولاهُنَّ بالتُّرابِ» (٣).
(١) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٥٣).
(٢) «تبيين الحقائق» (١/ ٣٢)، و «البناية شرح الهداية» (١/ ١٨٤)، و «عمدة القاري» (٣/ ١٨).
(٣) «الكافي» (١/ ٨٩)، و «المغني» (١/ ٤٦).
وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: يُغسلُ ثَلاثَ مَراتٍ وُجوبًا؛ لمَا رَواه الطَّحاويُّ بإِسنادِه عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه «أنَّه يُغسلُ من وُلوغِ الكَلبِ ثَلاثَ مَراتٍ» (١)، وهو الراوي لاشتِراطِ السَّبعِ، وعندَنا إذا عمِلَ الراوي بخِلافِ ما رَوى أو أفتَى لا تَبقَى رِوايتُه حُجةً؛ لأنَّه لا يَحلُّ له أنْ يَسمعَ من النَّبيِّ ﷺ شَيئًا فيَعملَ أو يُفتيَ بخِلافِه، إذْ تَسقطُ به عَدالتُه، فدَلَّ على نَسخِه، وهو الظاهِرُ؛ لأنَّ هذا كانَ في الابتِداءِ حين كانَ يُشدِّدُ في أمرِ الكِلابِ، ويأمُرُ بقَتلِها قَلعًا لهم عن مُخالَطتِها، ثم ترَكَ، وهذا كما رُويَ أنَّه ﷺ كانَ يأمُرُ بكَسرِ الأَواني حينَ كانَ يُشدِّدُ في الخَمرِ قَلعًا لهم عنها وحَسمًا لمادَّتِها، ثم نَهى عن كَسرِ الأَواني، أو تُحملُ السَّبعُ على الاستِحبابِ، ويُؤيِّدُه ما رَوى الدارَقُطنيُّ عن أبي هُريرةَ: «عن النَّبيِّ ﷺ في الكَلبِ يَلِغُ في الإناءِ أنَّه يَغسِلُه ثَلاثًا أو خَمسًا أو سَبعًا» (٢)،
(١) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٣).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (١٩٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١١٤١)، وضعَّفَه، وقالَ: فيه عَبدُ الوَهابِ بنُ الضَّحاكِ مَتروكٌ، وإِسماعيلُ بنُ عَياشٍ لا يُحتجُّ به خاصةً إذا رَوى عن أهلِ الحِجازِ، وقد رَواهُ عَبدُ الوَهابِ بنُ نَجدةَ، عن إسماعيلَ، عن هِشامٍ، عن أبي الزِّنادِ فاغسِلوه سَبعَ مَراتٍ، كما رَواه الثِّقاتُ، ويُنظرُ: نصب الراية للزيلعي (١/ ١٣١): الطَّريقُ الثاني رَواه ابنُ عَديٍّ في الكامِلِ عن الحُسَينِ بنِ علِيٍّ الكَرابيسيِّ ثنا إسحاقُ الأزرقُ ثنا عَبدُ المَلكِ عن عَطاءٍ عن أبي هُرَيرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا ولَغَ الكَلبُ في إناءِ أحَدِكم فليُرهِقْه وليَغسِلْه ثَلاثَ مَراتٍ، انتَهى، ثم رَواه عن عَمرِو بنِ شَيبةَ ثنا إِسحاقُ الأزرقُ به مَوقوفًا، قالَ: ولم يَرفَعْه غيرُ الكَرابيسيِّ، والكَرابيسيُّ لم أجِدْ له حَديثًا مُنكَرًا غيرَ هذا، وإنَّما حمَلَ عليه أحمدُ بنُ حَنبلٍ من جِهةِ اللَّفظِ بالقُرآنِ، فأماَّ في الحَديثِ فلم أرَ به بأسًا، انتَهى كَلامُه، ورَواه ابنُ الجَوزيِّ في العِللِ المُتناهيةِ من طَريقِ ابنِ عَديٍّ ثم قالَ: هذا حَديثٌ لا يَصحُّ لم يَرفَعْه غيرُ الكَرابيسيِّ، وهو ممَّن لا يُحتجُّ بحَديثِه، انتَهى، وقالَ البَيهَقيُّ في كِتابِ المَعرفةِ: حَديثُ عَبدِ المَلكِ بنِ أبي سُليمانَ عن عَطاءٍ عن أبي هُرَيرةَ في غَسلِ الإناءِ من وُلوغِ الكَلبِ ثَلاثَ مَراتٍ تفرَّد به عَبدُ المَلكِ من بينِ أَصحابِ عَطاءٍ ثم عَطاءٌ من بينِ أَصحابِ أبي هُرَيرةَ، والحُفَّاظُ الثِّقاتُ من أَصحابِ عَطاءٍ وأَصحابِ أبي هُرَيرةَ يرَوونَه سَبعَ مَراتٍ، وعَبدُ المَلكِ لا يُقبلُ منه ما يُخالِفُ فيه الثَّقاتِ، ولمُخالَفتِه أهلَ الحِفظِ والثِّقةِ في بَعضِ رِواياتِه، ترَكَه شُعبةُ بنُ الحَجاجِ ولم يَحتجَّ به البُخاريُّ في «صحيحه»، وقد اختُلفَ عليه في هذا الحَديثِ، فمنهم مَنْ يَرويه عنه مَرفوعًا، ومنهم مَنْ يَرويه عنه من قَولِ أبي هُريرةَ، ومنهم من يَرويه عنه من فِعلِه، قالَ: وقد اعتمَدَ الطَّحاويُّ على الرِّوايةِ المَوقوفةِ في نُسخِ حَديثِ السَّبعِ، وإنَّ أَبا هُرَيرةَ لا يُخالِفُ النَّبيَّ ﷺ فيما يَرويه عنه، وكيف يَجوزُ تَركُ رِوايةِ الحُفاطِ الأثباتِ من أوجُهٍ كَثيرةٍ لا يَكونُ مِثلُها غَلطًا برِوايةِ واحِدٍ قد عُرفَ بمُخالفةِ الحُفاظِ في بَعضِ أَحاديثِه، انتَهى، وهذا الذي نقَلَه عن الطَّحاويِّ ذكَرَه في شَرحِ الآثارِ، فقالَ بعدَ أنْ رَوى المَوقوفَ عن عَبدِ المَلكِ بنِ أبي سُليمانَ عن عَطاءٍ عن أبي هُريرةَ قالَ: إذا ولَغَ الكَلبُ … إلخ، ثم قالَ: فثبَتَ بذلك نَسخُ السَّبِع لأنَّا نُحسنُ الظَّنَّ بأبي هُريرةَ ولا يَجوزُ عليه أنَّه يَتركُ ما سمِعَه من النَّبيِّ ﷺ وإلا سقَطَت عَدالتُه ولم يُقبلْ رِوايتُه، بل كانَ يَجبُ على الخَصمِ المُخالِفِ أنْ يَعملَ بحَديثِ عَبدِ اللهِ بنِ المُغفَّلِ عن النَّبيِّ ﷺ رَواه مُسلمٌ أنَّه يُغسلُ سَبعًا ويُعفَّرُ الثامِنةَ بالتُّرابِ لأنَّه قد زادَ على السَّبعِ والأخذُ بالزائِدِ أوجَبُ عَملًا بالحَديثَينِ، وهُم لا يَقولونَ به، فثبَتَ أنَّه مَنسوخٌ، انتهى.
فخيَّرَه، ولو كانَ السَّبعُ واجِبةً لَمَا خيَّرَه، وكسائِرِ النَّجاساتِ، ولحَديثِ المُستيقظِ، وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ القائِمَ من اللَّيلِ بإفراغِ الماءِ
على يَدَيه مرَّتينِ أو ثَلاثًا، وذلك أنَّهم كانوا يَتغوَّطونَ ويَتبوَّلونَ ولا يَستَنجونَ بالماءِ، وربَّما كانَت أيديهم تُصيبُ المَوضعَ النَّجسَ فتُنجَّسُ، فإذا كانَت الطَّهارةُ تَحصلُ بهذا العَددِ من البَولِ أو الغائِطِ وهُما أغلَظُ النَّجاساتِ كانَ أَولى وأحرى أنْ يَحصلَ بما دونَهما من النَّجاساتِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى طَهارةِ لُعابِ الكَلبِ، وكذا عَرقُه ودَمعُه ومُخاطُه وسُؤرُه، ويَدلُّ على طَهارةِ سُؤرِه قَولُه تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولم يأمُرْ بغَسلِ مَوضعِ الإصابةِ، ولو كانَ نَجسًا لأفسَدَ ما صادَه بفَمِه، ولحَديثِ عَديِّ بنِ حاتِمٍ قالَ: سألتُ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: «إذا أرسَلتَ كَلبَك المُعلَّمَ فقتَلَ فكُلْ» (٢)، ولمَّا ورَدَ الشَّرعُ بإِباحتِه، ولأنَّه سُؤرُ حَيوانٍ كالشاةِ، ومَحلُّ كَونِ اللُّعابِ طاهِرًا إنْ كانَ من غيرِ المَعدةِ، أمَّا الخارِجُ من المَعدةِ فنَجسٌ وعَلامتُه أنْ يَكونَ أصفَرَ مُنتِنًا.
ويُغسلُ الإناءُ من وُلوغِه سَبعَ مَراتٍ تَعبُّدًا؛ لأنَّه غَسلٌ أُمرَ به مُقيدًا بعَددٍ، فدَلَّ على أنَّه للعِبادةِ دونَ النَّجاسةِ كالوُضوءِ، ولأنَّ للتُّرابِ مَدخلًا فيه، وكلُّ مَعنًى أُمرَ فيه بالماءِ وحصَلَ للتُّرابِ مَدخلٌ فيه؛ فإنَّه للعِبادةِ لا للنَّجاسةِ؛ كطَهارةِ الحَدثِ.
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (١/ ١١٧، ١١٨)، و «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٣)، و «بدائع الصنائع» (١/ ٨٧)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٣٢)، و «البناية شرح الهداية» (١/ ١٨٤)، و «عمدة القاري» (٣/ ١٨)، والعناية» (١/ ١٦٠).
(٢) رواه البخاري (١٧٣)، ومسلم (١٩٢٩).
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بغَسلِ الإناءِ سَبعًا، ولو كانَ منه نَجاسةٌ لأمَرَ بغَسلِه مَرةً واحِدةً، إذ التَّعبدُ في غَسلِ النَّجاسةِ إِزالتُها لا بعَددٍ من المَرَّاتٍ، وقد يَجوزُ أنْ يُؤمرَ بغَسلِ الطاهِرِ مِرارًا لمَعنًى كغَسلِ أَعضاءِ الوُضوءِ مرَّتينِ مرَّتينِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، والغَرضُ منها مَرةٌ واحِدةٌ، وقد قالَ مالِكٌ: إذا ولَغَ فى الطَّعامِ أُكلَ الطَّعامُ، ويُغسلُ الإناءُ سَبعًا، اتِّباعًا للحَديثِ، وإنَّما أمَرَ بغَسلِ الإناءِ سَبعًا على وَجهِ التَّغليظِ عليهم؛ لأنَّهم نُهوا عنها لتَرويعِها الضَّيفَ، والمُجتازَ كذلك.
وهل غَسلُ الإناءِ واجِبٌ أو مُستحبٌّ؟ قَولانِ في المَذهبِ، وَجهُ الوَجوبِ قَولُه ﷺ: «فاغسِلوه سَبعًا»، والأمرُ على الوُجوبِ.
ووَجهُ الاستِحبابِ أنَّه طاهِرٌ، وإنَّما أمَرَ بذلك تَغليظًا للمَنعِ من اقتِنائِه.
ولا يَجبُ التَّرتيبُ، بل يَكفي غَسلُه سَبعَ مَراتٍ بغيرِ تُرابٍ لاضطِرابِ الرِّواياتِ فيها.
ويُغسلُ الإناءُ من وُلوغِه في الماءِ، فأمَّا في غيرِه من الأشرِبةِ والأطعِمةِ ففيها رِوايتانِ.
فوَجهُ قَولِه أنَّه يُغسلُ: عُمومُ الخَبرِ واعتبارًا بالماءِ، ووَجهُ قَولِه: لا يُغسلُ أنَّ الخَبَرَ وارِدٌ في الماءِ، والعِبادةُ التي لا يُعقلُ مَعناها لا يَجوزُ القياسُ عليها.
ولأنَّ ذلك لمَا لا يُؤمَنُ من إصابةِ النَّجسِ اللَّبنَ بوُلوغِه. فاختُصَّ الماءُ
بذلك لخِفةِ أمرِه، وأنَّه ليسَ فيه إِضاعةُ المالِ، وسائِرُ المائِعاتِ خِلافُه (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: مَذهبُ مالِكٍ عندَ أَصحابِه اليَومَ أنَّ الكَلبَ طاهِرٌ وأنَّ الإناءَ يُغسلُ منه سَبعًا عِبادةً، ولا يُهرقُ شَيءٌ مما ولَغَ فيه غيرُ الماءِ وَحدَه ليَسارةِ مُؤنَتِه وأنَّ مَنْ تَوضَّأ به إذا لم يَجدْ غيرَه أجزَأَه وأنَّه لا يَجوزُ التَّيممُ لمَن كان معه ماءٌ ولَغَ فيه كَلبٌ، وأنَّه لم يَدرِ ما حَقيقةُ هذا الحَديثِ.
واحتُجَّ بأنَّه يُؤكلُ صَيدُه فكيف يُكرهُ لُعابُه، وقالَ مع هذا كلِّه لا خَيرَ فيما ولَغَ فيه كَلبٌ، ولا يُتوضَّأُ به، أحَبُّ إليَّ، هذا كلُّه رَوى ابنُ القاسِمِ عنه.
وقد رَوى عنه ابنُ وَهبٍ أنَّه لا يَتوضَّأُ بماءٍ ولَغَ فيه كَلبٌ، ضاريًا كانَ الكَلبُ أو غيرَ ضارٍ ويُغسلُ الإناءُ منه سَبعًا.
وقد كانَ مالِكٌ في أولِ أمرِه يُفرِّقُ بينَ كَلبِ البادِيةِ وغيرِه في ذلك ثم رجَعَ إلى ما ذكَرتُ لك.
فتَحصيلُ مَذهبِ مالِكٍ أنَّ التَّعبدَ إنَّما ورَدَ في غَسلِ الإناءِ الطاهِرِ من وُلوغِ الكَلبِ خاصَّةً من بينِ سائِرِ الطاهِراتِ، وشبَّهَه أَصحابُنا بأَعضاءِ الوُضوءِ الطاهِرةِ تُغسلُ عِبادةً (٢).
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (١/ ١٦٠، ١٦٥)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (١/ ٢٦٧)، و «الكافي» لابن عبد البر (١/ ١٨)، و «الشرح الصغير مع بلغة السالك» (١/ ٣١)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢١)، و «تفسير القرطبي» (١٣/ ٤٥).
(٢) «الاستذكار» (١/ ٢٠٦)، و «التمهيد» (١٨/ ٢٦٥، ٢٧١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: واختَلَفوا في طَهارةِ الماءِ الذي يَلِغُ فيه الكَلبُ، فقالَت طائِفةٌ: الماءُ طاهِرٌ يُتطهَّرُ به للصَّلاةِ ويُغسلُ الإناءُ كما أمَرَ به النَّبيُّ ﷺ، وكانَّ الزُّهريُّ يَقولُ: إذا لم يَجدْ غيرَه تَوضَّأ به، وكذلك قالَ مالِكٌ والأَوزاعيُّ.
وفيه قَولٌ ثانٍ، وهو أنْ يَتوضَّأَ بالماءِ الذي ولَغَ فيه الكَلبُ ثم يَتيممَ بعدَه، رُويَ هذا القَولُ عن عَبدةَ بنِ أبي لُبابةَ، وبه قالَ سُفيانُ الثَّوريُّ وعَبدُ المَلكِ الماجِشونُ ومُحمدُ بنُ مَسلمةَ.
وقالَت طائِفةٌ: الماءُ الذي ولَغَ فيه الكَلبُ نَجسٌ يُهراقُ ويُغسلُ الإناءُ سَبعًا أُولاهُنَّ أو أُخراهُنَّ بالتُّرابِ، هذا قَولُ الشافِعيِّ وأبي عُبيدٍ وأبي ثَورٍ وأَصحابِ الرأيِ.
قالَ أبو بَكرٍ: والدَّليلُ على إِثباتِ النَّجاسةِ للماءِ الذي ولَغَ فيه الكَلبُ غيرُ مَوجودٍ، فليسَ في أمرِ النَّبيِّ ﷺ بأنْ يُغسلَ الإناءُ مِنْ وُلوغِ الكَلبِ فيه سَبعًا دَليلٌ على نَجاسةِ الماءِ الذي يَلِغُ فيه الكَلبُ، وذلك أنَّ اللهَ قد يَتعبَّدُ عبادَه بما شاءَ، فممَّا تَعبَّدهم به أنْ أمَرَهم بغَسلِ الأَعضاءِ التي لا نَجاسةَ عليها غُسلَ عِبادةٍ لا لنَجاسةٍ، وكذلك أمَرَ الجُنبَ بالاغتِسالِ، وقد ثبَتَ أنَّ نَبيَّ اللهِ ﷺ قالَ لرَجلٍ جُنبٍ: «المُؤمنُ ليسَ بنَجسٍ»، وقَولُه: «طَهورُ إناءِ أحدِكم» يَحتمِلُ هذا المَعنى أنْ تَكونَ طَهارةَ عِبادةٍ لا طَهارةَ نَجاسةٍ، وإذا احتمَلَ الشَّيءُ مَعنَيَين لم يَجزْ أنْ يُصرفَ إلى أحدِهما دونَ آخَرَ بغيرِ حُجةٍ، وقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ أنَّ النَّجاساتِ تُزالُ بثَلاثِ غَسلاتٍ، وقالَ بَعضُهم: بل تُزالُ بغَسلةٍ واحِدةٍ كالدَّمِ والبَولِ والعُذرةِ والخَمرِ، ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ حُكمُ الماءِ المُختلطِ به لُعابُ الكَلبِ أكبَرَ في النَّجاسةِ من بعضِ ما ذَكَرناه، فلو ثبَتَ أنَّ لُعابَ الكَلبِ أكبَرُ من النَّجاسةِ لوجَبَ أنْ تُطهِّرَ الإناءَ بثَلاثِ
غَسلاتٍ أو بغَسلةٍ في قَولِ بَعضِهم، ووجَبَ أنْ تَكونَ الغَسلاتُ الأربَعُ بعدَ الثَّلاثِ عِبادةً، إذْ ليسَ بمَعقولٍ أنَّ النَّجاسةَ باقيةٌ فيه بعدَ الغَسلاتِ الثَّلاثِ، وإذا كانَ هكذا واختَلَفوا في الغَسلاتِ الثَّلاثِ وجَبَ أنْ يَكونَ حُكمُها في أنَّها عِبادةٌ حُكمَ الغَسلاتِ الأربَعِ ولا أعلَمُ مع مَنْ أثبَتَ نَجاسةَ لُعابِ الكَلبِ حُجةً (١).
وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: عن الكَلبِ هل هو طاهِرٌ أو نَجسٌ؟ وما قَولُ العُلماءِ فيه؟
فأجابَ: أما الكَلبُ فللعُلماءِ فيه ثَلاثةُ أَقوالٍ مَعروفةٍ:
أحدُها: أنَّه نَجسٌ كلُّه، حتى شَعرُه، كقَولِ الشافِعيِّ وأحمدَ في إحدَى الرِوايَتينِ عنه.
والثاني: أنَّه طاهِرٌ، حتى ريقُه، كقَولِ مالِكٍ في المَشهورِ عنه.
والثالِثُ: أنَّ ريقَه نَجسٌ وأنَّ شَعرَه طاهِرٌ، وهذا مَذهبُ أبي حَنيفةَ المَشهورُ عنه، وهذه هي الرِّوايةُ المَنصورةُ عندَ أكثَرِ أَصحابِه، وهي الرِّوايةُ الأُخرى عن الإمامِ أحمدَ، وهذا أرجَحُ الأَقوالِ.
(١) «الأوسط» (١/ ٣٠٦، ٣٠٨).
فإذا أصابَ الثَّوبَ أو البَدنَ رُطوبةُ شَعرِه، لم يُنجسْ بذلك، وإذا ولَغَ في الماءِ أُريقَ، وإذا ولَغَ في اللَّبنِ ونَحوِه، فمِن العُلماءِ مَنْ يَقولُ: يُؤكلُ ذلك الطَّعامُ كقَولِ مالِكٍ وغيرِه.
ومنهم مَنْ يَقولُ: يُراقُ، كمَذهبِ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمدَ.
فأمَّا إنْ كانَ اللَّبنُ كَثيرًا، فالصَّحيحُ أنَّه لا يُنجسُ.
وله في الشُّعورِ النابِتةِ على مَحلٍّ نَجسٍ ثَلاثُ رِواياتٍ:
إِحداها: أنَّ جَميعَها طاهِرٌ حتى شَعرُ الكَلبِ والخِنزيرِ وهو اختيارُ أبي بَكرٍ عبدِ العَزيزِ.
والثانيةُ: أنَّ جَميعَها نَجسٌ، كقَولِ الشافِعيِّ.
والثالِثةُ: أنَّ شَعرَ المَيتةِ إنْ كانَت طاهِرةً في الحَياةِ كانَ طاهِرًا كالشاةِ والفَأرةِ، وشَعرُ ما هو نَجسٌ في حالِ الحياةِ نَجسٌ: كالكَلبِ والخِنزيرِ، وهذه هي المَنصوصةُ عندَ أكثَرِ أَصحابِه.
والقَولُ الراجِحُ: هو طَهارةُ الشُّعورِ كلِّها، شَعرِ الكَلبِ والخِنزيرِ وغيرِهما، بخِلافِ الرِّيقِ، وعلى هذا فإنْ كانَ شَعرُ الكَلبِ رَطبًا وأصابَ ثَوبَ الإِنسانِ، فلا شَيءَ عليه، كما هو مَذهبُ جُمهورِ الفُقهاءِ، كأبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأحمدَ في إحدَى رِوايَتينِ عنه، وذلك لأنَّ الأصلَ في الأعيانِ الطَّهارةُ، فلا يَجوزُ تَنجيسُ شَيءٍ ولا تَحريمُه إلا بدَليلٍ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وقالَ
النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ: «إنَّ أعظَمَ المُسلِمينَ جُرمًا مَنْ سألَ عن شَيءٍ لم يُحرَّمْ فحُرِّم من أجلِ مَسألتِه» (١).
وفي السُّننِ عن سَلمانَ الفارِسيِّ رضي الله عنه مَرفوعًا، ومنهم مَنْ يَجعلُه مَوقوفًا، أنَّه قالَ: «الحَلالُ ما أحَلَّ اللهُ في كِتابِه، والحَرامُ ما حرَّمَ اللهُ في كِتابِه، وما سكَتَ عنه، فهو ممَّا عَفا عنه» (٢).
وإذا كانَ كذلك فالنَّبيُّ ﷺ قالَ: «طَهورُ إناءِ أحدِكم إذا ولَغَ فيه الكَلبُ أنْ يَغسلَه سَبعَ مَراتٍ أُولاهُنَّ بالتُّرابِ» وفي الحَديثِ الآخَرِ: «إذا ولَغَ فيه الكَلبُ».
فأَحاديثُه كلُّها ليسَ فيه إلا ذِكرُ الوُلوغِ، لم يَذكرْ سائِرَ الأَجزاءِ فتَنجيسُها إنَّما هو بالقياسِ.
فإذا قيلَ: إنَّ البَولَ أعظَمُ من الرِّيقِ، كانَ هذا مُتوجَّهًا.
وأمَّا إلحاقُ الشَّعرِ بالرِّيقِ فلا يُمكنُ؛ لأنَّ الرِّيقَ مُتحلِّلٌ من باطِنِ الكَلبِ بخِلافِ الشَّعرِ؛ فإنَّه نابِتٌ على ظَهرِه.
والفُقهاءُ كلُّهم يُفرِّقونَ بينَ هذا وهذا؛ لأنَّ جُمهورَهم يَقولُ: إنَّ شَعرَ المَيتةِ طاهِرٌ بخِلافِ ريقِها.
والشافِعيُّ وأكثَرُهم يَقولُ: إنَّ الزَّرعَ النابِتَ في الأرضِ النَّجسةِ طاهِرٌ، فغايةُ شَعرِ الكَلبِ أنْ يَكونَ نابِتًا في مَنبتٍ نَجسٍ، كالزَّرعِ النابِتِ في الأرضِ
(١) راوه البخاري (٧٢٨٩)، ومسلم (٢٣٥٨).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧).
النَّجسةِ، فإذا كانَ الزَّرعُ طاهِرًا فالشَّعرُ أولى بالطَّهارةِ؛ لأنَّ الزَّرعَ فيه رُطوبةٌ ولِينٌ يَظهرُ فيه أثَرُ النَّجاسةِ بخِلافِ الشَّعرِ؛ فإنَّ فيه من اليُبوسةِ والجُمودِ ما يَمنعُ ظُهورَ ذلك؛ فمَن قالَ من أَصحابِ أحمدَ كابنِ عَقيلٍ وغيرِه: إنَّ الزَّرعَ طاهِرٌ فالشَّعرُ أَولى، ومَن قالَ: إنَّ الزَّرعَ نَجسٌ؛ فإنَّ الفَرقَ بينَهما ما ذُكرَ.
فإنَّ الزَّرعَ يَلحقُ بالجَلَّالةِ التي تَأكُلُ النَّجاسةَ، وهذا أيضًا حُجةٌ في المَسألةِ؛ فإنَّ الجَلَّالةَ التي تأكُلُ النَّجاسةَ، قد نَهَى النَّبيُّ ﷺ عن لَبنِها، فإذا حُبسَت حتى تَطيبَ كانَت حَلالًا باتِّفاقِ المُسلِمينَ؛ لأنَّها قبلَ ذلك يَظهرُ أثَرُ النَّجاسةِ في لَبنِها وبَيضِها وعَرقِها، فيَظهرُ نَتنُ النَّجاسةِ وخَبثُها، فإذا زالَ ذلك عادَت طاهِرةً؛ فإنَّ الحُكمَ إذا ثبَتَ بعِلةٍ زالَ بزَوالِها، والشَّعرُ لا يَظهرُ فيه شَيءٌ من آثارِ النَّجاسةِ أصلًا، فلم يَكنْ لتَنجيسِه مَعنًى.
وهذا يَتبيَّنُ بالكَلامِ في شُعورِ المَيتةِ كما سنُوضِّحُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وكلُّ حَيوانٍ قيلَ بنَجاستِه، فالكَلامُ في شَعرِه وريشِه كالكَلامِ في شَعرِ الكَلبِ، فإذا قيلَ: بنَجاسةِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ، وكلِّ ذي مِخلبٍ من الطَّيرِ إلا الهِرةَ، وما دونَها في الخِلقةِ، كما هو مَذهبُ كَثيرٍ من العُلماءِ -عُلماءِ أهلِ العِراقِ- وهو أشهَرُ الرِوايَتينِ عن أحمدَ؛ فإنَّ الكَلامَ في رِيشِ ذلك وشَعرِه فيه النِّزاعُ: هل هو نَجسٌ؟ على رِوايَتينِ عن أحمدَ:
إحداهُما: أنَّه طاهِرٌ وهو مَذهبُ الجُمهورِ كأبي حَنيفةَ والشافِعيِّ.
والرِّوايةُ الثانيةُ: أنَّه نَجسٌ كما هو اختيارُ كَثيرٍ من مُتأخِّري أَصحابِ أحمدَ، والقَولُ بطَهارةِ ذلك هو الصَّوابُ كما تقدَّمَ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجسا
لَا يُجْزِئُهُ وَيَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَاقَى رَأْسُهُ الْمَاءَ عَلَى قَصْدِ إقَامَةِ الْقُرْبَةِ صَيَّرَهُ مُسْتَعْمَلًا، وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِالْمُلَاقَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَأْخُذُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَلَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا قَبْلَهُ فَيُجْزِئُهُ الْمَسْحُ بِهِ جُنُبٌ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ فَأَخَذَ الْمَاءَ بِفَمِهِ وَصَبَّهُ عَلَيْهِ، رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ عَنْ الْفَمِ، وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْآثَارِ أَنَّهُ يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ قُرْبَةٌ فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانُ الْمِقْدَارِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الْمَحَلُّ نَجِسًا
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى أنواع النجاسات للاطلاع على جميع المسائل.