الإسلام > الطهارة > أنواع النجاسات > جلد الميتة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةواستَدَلوا على ذلك: بقَولِه تَعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] والضَّميرُ في قَولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ راجِعٌ إلى الخِنزيرِ، فيَدلُّ على تَحريمِ عَينِ الخِنزيرِ وجَميعِ أَجزائِه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى طَهارةِ عَينِ الخِنزيرِ حالَ الحَياةِ؛ لأنَّ الأصلَ في كلِّ حَيٍّ الطَّهارةُ والنَّجاسةُ عارِضةٌ، فطَهارةُ عَينِه بسَببِ الحَياةِ وكذلك طَهارةُ عَرقِه ولُعابِه ودَمعِه ومُخاطِه (٢).
١٢ - جِلدُ المَيتةِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ جِلدَ المَيتةِ قبلَ الدِّباغِ نَجسٌ، وإنَّما الخِلافُ بعدَ الدِّباغِ هل يُطهَّرُ الجِلدُ بالدِّباغِ أو لا يُطهَّرُ؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه يُطهَّرُ بالدِّباغِ جَميعُ الجُلودِ إلا جِلدَ الخِنزيرِ؛ فإنَّه لا يُطهَّرُ؛ لأنَّه نَجسُ العَينِ، بمَعنى أنَّ ذاتَه بجَميعِ أَجزائِه نَجسةٌ حَيًّا ومَيتًا، فليسَت نَجاستُه لمَا فيه من الدَّمِ كنَجاسةِ غيرِه من
(١) «الهداية شرح البداية» (١/ ٢٣)، و «البحر الرائق» (١/ ١١٠)، و «بدائع الصنائع» (١/ ٢٢٧)، و «عمدة القاري» (١٢/ ٣٦)، و «الحاوي الكبير» (١/ ٣١٦)، و «مغني المحتاج» (١/ ٦٤)، و «الكافي» (١/ ٢١٢)، و «المغني» (١/ ٧٣)، و «الإنصاف» (١/ ٣١٠)، و «الكافي» (١/ ١٤).
(٢) «الشرح الصغير مع بلغة السالك» (٢/ ٣٧).
الحَيواناتِ، فلذا لم يَقبَلِ التَّطهُّرَ، وقالَ أبو يُوسفَ بطَهارةِ الخِنزيرِ (١).
وذهَبَ الإمامُ الشافِعيُّ إلى أنَّه يُطهَّرُ بالدِّباغِ كلُّ جُلودِ المَيتةِ ما عَدا الكَلبَ والخِنزيرَ، وما تولَّدَ من أحدِهما، وهي رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ؛ فإنَّه قالَ: يُطهَّرُ منها ما كانَ طاهِرًا حالَ الحَياةِ.
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في المَشهورِ عنه، وهي إحدَى الرِوايَتينِ للإمامِ مالِكٍ إلى أنَّه لا يُطهَّرُ بالدِّباغِ شَيءٌ من جُلودِ المَيتةِ.
وقالَ الإمامُ مالِكٌ في الرِّوايةِ الأُخرى: يُطهَّرُ جَميعُ الجُلودِ حتى الكَلبُ والخِنزيرُ، إلا أنَّه قالَ: يُطهَّرُ ظاهِرُه دونَ باطِنِه فيُستعمَلُ في اليابِسِ بأنْ يُجعلَ جِرابًا للحُبوبِ دونَ الرَّطبِ، أي: دونَ الماءِ والسَّمنِ، وهي رِوايةٌ عن أحمدَ (٢).
واحتُجَّ لمَن قالَ بالمَنعِ بأنَّه -أي: الجِلدَ- جُزءٌ من المَيتةِ، وقد حرَّمَها اللهُ ﷾ بقَولِه تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٤٣] فلم يُطهَّرْ بالدَّبغِ كاللَّحمِ، ولأنَّه حُرمَ بالمِوتِ، فكانَ نَجسًا كما قبلَ الدَّبغِ.
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٨٥)، و «البحر الرائق» (١/ ١١٠)، و «رد المحتار» (١/ ١٣٦).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١/ ٨٩)، و «الكافي» لابن عبد البر (١/ ١٩، ١٨٩)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٣٨٧)، و «المجموع» (٢/ ٢٠٢، ٢٠٨)، و «شرح صحيح مسلم» (٤/ ٤٨، ٤٩)، و «المغني» (١/ ٨٩، ٩١)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٥٥، ٥٦)، و «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩١، ٩٦)، و «الإفصاح» لابن هبيرة (١/ ٤١).
وبما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عُكَيمٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كتَبَ إلى جُهينةَ: «إنِّي كُنْتُ رخَّصتُ لكم في جُلودِ المَيتةِ، فإذا جاءَكم كِتابي هذا فلا تَنتَفِعوا من المَيتةِ بإهابٍ ولا عَصبٍ، أتانا كِتابُ رَسولِ اللهِ ﷺ قبلَ مَوتِه بشَهرٍ أو شَهرَينِ» (١).
وهذا الحَديثُ ناسِخٌ لمَا قبلَه؛ لأنَّه في آخِرِ عُمرِ النَّبيِّ ﷺ، ولَفظُه دالٌّ على سَبقِ التَّرخيصِ، وأنَّه مُتأخِّرٌ عنه لقَولِه: «كُنْتُ رخَّصتُ لكم» وإنَّما يُؤخذُ بالآخِرِ فالآخِرِ من أمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ (٢).
واحتُجَّ لمَن قالَ بطَهارةِ الجُلودِ كلِّها بقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «إذا دُبغَ الإِهابُ فقد طَهُرَ» (٣)، وقد مَرَّ النَّبيُّ ﷺ على شاةٍ مَيتةٍ أُعطِيَتْها مَولاةٌ لمَيمونةَ من الصَّدقةِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «هلَّا انتَفَعتُم بجِلدِها» قالوا: إنَّها مَيتةٌ، قالَ: «إنَّما حُرِّمَ أكلُها»، وفي لَفظٍ: «هلَّا أخَذتُم إِهابَها فدَبَغتُموه فانتَفَعتُم به» (٤).
قالوا: ولأنَّه نَجسٌ، أي الجِلدُ، باتِّصالِ الدِّماءِ والرُّطوباتِ به بالمَوتِ، والدَّبغُ يُزيلُ ذلك فيَرتدُّ الجِلدُ إلى ما كانَ عليه في حالِ الحَياةِ (٥).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤١٢٧، ٤١٢٨)، وابن ماجه (٣٦١٣)، والترمذي (١٧١٩)، وقالَ: حديثٌ حسنٌ وليسَ العملُ على هذا الحديثِ عندَ أَكثرِ أهلِ العلمِ.
(٢) «المغني» (١/ ٩٠).
(٣) رواه مسلم (٣٦٦).
(٤) رواه البخاري (٥٥٣١)، ومسلم (٣٦٣).
(٥) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٨٥)، و «المغني» (١/ ٩٠).
ارجع إلى أنواع النجاسات للاطلاع على جميع المسائل.