الاستنجاء باليمين

الإسلام > الطهارة > الاستنجاء وآداب التخلي > الاستنجاء باليمين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

الاستنجاء باليمين - الأقوال والأدلة

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ إلى أنَّه لا يُجزئُ الاستِنجاءُ بمائِعٍ من المائِعاتِ غيرِ الماءِ.

وقالَ المالِكيةُ: بل يَحرمُ الاستِنجاءُ بمائِعٍ غيرِ الماءِ لنَشرِه النَّجاسةَ (١).

وذهَبَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ إلى جَوازِ الاستِنجاءِ بكلِّ مائِعٍ طاهِرٍ مُزيلٍ، كالخَلِّ وماءِ الوَردِ دونَ ما لا يُزيلُ كالزَّيتِ والدُّهنِ والسَّمنِ واللَّبنِ؛ لأنَّ المَقصودَ قد تَحقَّق وهو إِزالةُ النَّجاسةِ.

قالَ ابنُ عابِدينَ: يُكرهُ الاستِنجاءُ بمائِعٍ غيرِ الماءِ، لمَا فيه من إضاعةِ المالِ بلا ضَرورةٍ (٢).

الاستِنجاءُ باليَمينِ:

اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الاستِنجاءَ باليَمينِ مَنهيٌّ عنه، وذلك لحَديثِ أبي قَتادةَ رضي الله عنه أنَّه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «لا يُمسِكَنَّ أحدُكم ذَكَرَه بيَمينِه وهو يَبولُ ولا يَتمسَّحْ من الخَلاءِ بيَمِينِه» (٣)، وفي صَحيحِ مُسلمٍ من حَديثِ سَلمانَ رضي الله عنه وفيه: « … نَهانا -أي: النَّبيُّ أنْ نَستَنجيَ باليَمينِ» (٤).

(١) «المجموع» (٢/ ١٣٤)، و «الحاوي» (١/ ٤٥، ٤٦)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ١٨٣)، و «حاشية العدوي» (١/ ٢٢٢)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢٨)، و «الإنصاف» (١/ ١١١)، و «كشاف الإقناع» (١/ ٦٩)، و «مطالب أولي النهى» (١/ ٧٦)، و «شرح الزركشي» (١/ ٥٥)، و «تنقيح التحقيق» (١/ ٣٥).
(٢) «البحر الرائق» (١/ ٢٥٤)، و «تبين الحقائق» (١/ ٦٩)، و «مختصر القدوري» (٢١).
(٣) رواه البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧).
(٤) مسلم (٢٦٢).

إلا أنَّهم اختَلَفوا هل النَّهيُ هنا للتَّحريمِ أو للكَراهةِ؟

فذهَبَ الجُمهورُ من الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ إلى أنَّه للكَراهةِ؛ لأنَّه نَهيُ تَنزيهٍ وأدَبٍ.

وذهَبَ ابنُ نَجيمٍ من الحَنفيةِ وبَعضُ الشافِعيةِ كالشِّيرازيِّ وسُليمٍ الرازيِّ والمُتولِّي، والشَّيخِ نَصرٍ المَقدسيِّ إلى حُرمةِ الاستِنجاءِ باليَمينِ.

لكنْ قالَ الإمامُ النَّوويُّ: مُرادُ مَنْ قالَ منهم: لا يَجوزُ الاستِنجاءُ باليَمينِ، أي: لا يَكونُ مُباحًا مُستويَ الطَّرفَين في الفِعلِ والتَّركِ، بل هو مَكروهٌ راجِحُ التَّركِ (١).

ومع القَولِ بالتَّحريمِ فمَن فعَلَه أساءَ وأجزأَه.

وقال بعضُ الحَنابِلةِ وطائِفةٌ من الشافِعيةِ: لا يُجزئُ.

قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: قَولُه: (أي: البُخاريِّ) بابُ النَّهيِ عن الاستِنجاءِ باليَمينِ، أي: باليَدِ اليُمني، وعبَّرَ بالنَّهيِ إشارةً إلى أنَّه لم يَظهرْ له هل هو للتَّحريمِ أو للتَّنزيهِ أو أنَّ القَرينةَ الصارِفةَ للنَّهيِ عن التَّحريمِ لم تَظهرْ له، وهي أنَّ ذلك أدَبٌ من الآدابِ وبكَونِه للتَّنزيهِ، قالَ الجُمهورُ: وذهَبَ أهلُ الظاهِرِ إلى أنَّه للتَّحريمِ، وفي كَلامِ جَماعةٍ من الشافِعيةِ ما يُشعِرُ

(١) «البحر الرائق» (١/ ٢٥٥)، و «عمدة القاري» (٢/ ٢٩٦)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ٣٣)، و «الذخيرة» (١/ ٢١٠)، و «المغني» (١/ ١٩٨)، و «نيل الأوطار» (١/ ١١٥)، و «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٢٨)، و «المجموع» (٢/ ١٢٩)، و «كشاف الإقناع» (١/ ٦١).

به لكنْ قالَ النَّوويُّ: مُرادُ مَنْ قالَ منهم: لا يَجوزُ الاستِنجاءُ باليَمينِ، أي: لا يَكونُ مُباحًا يَستوي طَرفاه، بل هو مَكروهٌ راجِحُ التَّركِ، ومع القَولِ بالتَّحريمِ فمَن فعَلَه أساءَ وأجزأَه، وقالَ أهلُ الظاهِرِ وبَعضُ الحَنابِلةِ: لا يُجزئُ.

ومَحلُّ هذا الاختِلافِ حيثُ كانَت اليَدُ تُباشِرُ ذلك بآلةٍ غيرِها كالماءِ وغيرِه، أمَّا بغيرِ آلةٍ فحَرامٌ غيرُ مُجزئٍ بلا خِلافٍ، واليُسرى في ذلك كاليُمنى، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ المَناويُّ رحمة الله عليه: والنَّهيُ عنه باليَمينِ للتَّنزيهِ، وتمسَّكَ أهلُ الظاهِرِ بظاهِرِه فجَعَلوه للتَّحريمِ.

وفي كَلامِ بعضِ الشافِعيةِ ما يُوافقُه لكنَّه ضَعيفٌ، وعلى التَّحريمِ يُجزئُ، وقالَ الظاهِريةُ وبَعضُ الحَنابِلةِ: لا، ومَحلُّ الخِلافِ ما لم تُباشرِ اليَدُ الإِزالةَ بلا حائِلٍ، وإلا حرُمَ ولم يَجزِ اتِّفاقًا، واليُسرى في هذا مِثلُها (٢).

وقالَ أيضًا: قَولُه: «ولا يَتمسَّحْ بيَمينِه» أي: لا يَستَنجِ بها، فيُكرهُ عندَ الجُمهورِ كما مَرَّ، أمَّا التَّمسحُ بها بأنْ يَجعلَها مَكانَ الحَجرِ فيُزيلَ بها النَّجاسةَ فحَرامٌ (٣).

(١) «فتح الباري» (١/ ٣٠٥).
(٢) «فيض القدير» (١/ ٢٧٥).
(٣) «فيض القدير» (١/ ٣٨٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطهارة من النجس
الباب السادس في آداب الاستنجاء

الْبَابُ السَّادِسُ فِي آدَابِ الِاسْتِنْجَاءِ

ِ وَأَمَّا آدَابُ الِاسْتِنْجَاءِ وَدُخُولِ الْخَلَاءِ، فَأَكْثَرُهَا مَحْمُولَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى النَّدْبِ، وَهِيَ مَعْلُومَةٌ مِنَ السُّنَّةِ كَالْبُعْدِ فِي الْمَذْهَبِ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ، وَتَرْكِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا، وَالنَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ، وَأَلَّا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي الْآثَارِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مَشْهُورَةٍ، وَهِيَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ لِلْغَائِطِ، وَالْبَوْلِ وَاسْتِدْبَارُهَا، فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ لِغَائِطٍ، وَلَا بَوْلٍ أَصْلًا، وَلَا فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ. وَقَوْلٌ: إِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ. وَقَوْلٌ: إِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمَبَانِي وَالْمُدُنِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ وَفِي غَيْرِ الْمَبَانِي وَالْمُدُنِ.

وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَذَا حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ ثَابِتَانِ، أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» وَالْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ» .

فَذَهَبَ النَّاسُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: مَذْهَبُ الْجَمْعِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 243 - 245

ارجع إلى الاستنجاء وآداب التخلي للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر