الإسلام > الطهارة > الحيض > ألوان دم الحيض والصفرة والكدرة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةوكانَ من أَعظمِ الواجِباتِ؛ لأنَّ عِظمَ مَنزلةِ العِلمِ بالشَّيءِ بحَسبِ مَنزلةِ ضَررِ الجَهلِ به وضَررِ الجَهلِ بمَسائلِ الحَيضِ أشَدُّ من ضَررِ الجَهلِ بغيرِها فيَجبُ الاعتِناءُ بمَعرفتِها، وإنْ كانَ الكَلامُ فيها طَويلًا؛ فإنَّ المُحصِّلَ يَتشوَّفُ إلى ذلك، ولا التِفاتَ إلى كَراهةِ أهلِ البَطالةِ (١).
قالَ الجُوينيُّ رحمة الله عليه: الحَيضُ حالةٌ يُبتَلى بها بَناتُ آدَمَ من حيثُ الفِطرةُ والجِبلَّةُ ابتِلاءً مُعتادًا على تَكرُّرِ الأَدوارِ، وما كانَ كذلك فالدَّواعي تَتوافرُ على نَقلِ الأُصولِ التي تَمسُّ الحاجةُ فيه إليها، هذا حُكمُ اطِّرادِ الاعتِيادِ فلا يَجوزُ أنْ يَخلوَ الزَّمانُ عن العِلمِ بأقَلِّ الحَيضِ على الجُملةِ وأكثَرِه ما دامَ الناسُ مُهتمِّينَ بإِقامةِ الصَّلواتِ (٢).
أَلوانُ دَمِ الحَيضِ والصُّفرةُ والكُدرةُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ الصُّفرةَ والكُدرةَ في أَيامِ الحَيضِ حَيضٌ؛ لأنَّه الأصلُ فيما تَراه المَرأةُ في زَمنِ الإِمكانِ، ولأنَّ عائِشةَ رضي الله عنها كانَ النِّساءُ يَبعثْنَ إليها بالدُّرجةِ (٣) فيها الكُرسُفُ (٤)، فيه الصُّفرةُ والكُدرةُ، فتَقولُ لهُنَّ: «لا تَعجَلنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ» تُريدُ بذلك التَّطهُّرَ من الحَيضِ (٥).
(١) «البحر الرائق» (١/ ١٩٩).
(٢) «غياث الأمم» ص (٥١٧).
(٣) الدُّرجةُ المُرادُ بها ما تَحتَشي به المَرأةُ من قُطنةٍ وغيرِها لتَعرفَ هل بَقي من أثَرِ الحَيضِ شَيءٌ أو لا. قاله الحافظ في «الفتح» (١/ ٥٠٠).
(٤) الكُرسُفُ: هو القُطنُ.
(٥) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه مالك في «الموطأ» (١٢٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٨٦)، وعبد الرازق في «المصنف» (١١٥٩)، وعلقه البخاري (١/ ١٢١).
والصُّفرةُ والكُدرةُ: شَيءٌ كالصَّديدِ، قالَ الرَّمليُّ: وهما ليسا من أَلوانِ الدَّمِ، وإنَّما هُما كالصَّديدِ، وقد صرَّحَ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ بأنَّهما ماءانِ لا دَمانِ.
وفي وَجهٍ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أنَّ الصُّفرةَ والكُدرةَ ليسَتا بحَيضٍ؛ لأنَّهما ليسَتا على لَونِه، ولقَولِ أُمِّ عَطيةَ رضي الله عنها: «كُنا لا نَعدُّ الصُّفرةَ والكُدرةَ شَيئًا» (١).
وقالَ ابنُ الماجشونِ من المالِكيةِ: إنْ كُنَّ في أيامِ الحَيضِ فحَيضٌ، وإلا فلا.
قالَ الدُّسوقيُّ: وجعَلَه المازوريُّ والباجيُّ هو المَذهبَ، وقيلَ: إنَّهما ليسا بحَيضٍ مُطلقًا، حَكاه في التَّوضيحِ.
واختَلفَ الفُقهاءُ في الصُّفرةِ والكُدرةِ في غيرِ أيامِ الحَيضِ:
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ -وهو قَولٌ عندَ المالِكيةِ- والشافِعيةُ إلى أنَّهما ليَسا بحَيضٍ في غيرِ أيامِ الحَيضِ لقَولِ أُمِّ عَطيةَ رضي الله عنها: «كُنا لا نَعدُّ الصُّفرةَ والكُدرةَ بعدَ الطُّهرِ شَيئًا» (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَشهورِ عنهما إلى أنَّهما حَيضٌ إذا رأتْهما المُعتادةُ بعدَ عادَتِها؛ فإنَّها تَجلسُ أيامَها عندَ الشافِعيةِ.
(١) رواه البخاري (٣٢٠).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٠٧).
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الصَّحيحُ المَشهورُ أنَّ الصُّفرةَ والكُدرةَ في زَمنِ الإمكانِ، وهو خَمسةَ عَشرَ يَكونان حَيضًا، سَواءٌ كانَت مُبتدأةً أو مُعتادةً، خالَفَ عادَتَها أو وافَقَها، كما لو كانَ أسوَدَ أو أحمَرَ وانقطَعَ لخَمسةَ عَشرَ (١).
وتَستظهِرُ بثَلاثةِ أيامٍ عندَ المالِكيةِ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واختَلفَ قَولُ مالِكٍ في الصُّفرةِ والكُدرةِ ففي «المُدوَّنة» لابنِ القاسِمِ عنه أنَّه قالَ في المَرأةِ تَرى الصُّفرةَ والكُدرةَ في أيامِ حَيضِها، وفي غيرِ أيامِ حَيضِها، قالَ مالِكٌ: ذلك حَيضٌ، وإنْ لم تَرَ مع ذلك دَمًا.
وذكَرَ ابنُ عَبدوسٍ في المَجموعةِ لعلِيِّ بنِ زِيادٍ عن مالِكٍ قالَ: ما رأتِ المَرأةُ من الصُّفرةِ والكُدرةِ في أَيامِ الحَيضِ أو في أَيامِ الاستِطهارِ فهو كالدَّمِ، وما رأتْه بعدَ ذلك فهو استِحاضةٌ، وهذا قَولٌ صَحيحٌ إلا أنَّ الأولَ أشهَرُ عنه (٢).
(١) «المجموع» (٣/ ٤١٦).
(٢) «الاستذكار» (١/ ٣٢٤، ٣٢٥)، وينظر: «حاشية ابن عابدين» (١/ ١٩٢)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٣٢)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٢٦٨)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٠٣)، و «مواهب الجليل» (١/ ٣٦٤)، و «الذخيرة» (١/ ٢١٤، ٣٧٣، ٣٨٢)، و «المجموع» (٣/ ٤١٦)، و «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٢٣٤، ٢٣٦)، و «مغني المحتاج» (١/ ١١٣)، و «فتح الباري» (١/ ٥٠٠)، و ««عمدة القاري»» (٣/ ٣٠٩)، و «المغني» (١/ ٤٣١)، و «الإنصاف» (١/ ٣٧٦)، و «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٢٠)، و «الاختيارات» (١/ ٢٩)، و «نهاية المحتاج» (١/ ٣٤٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل الحيض وأحكامه
يَنْعَقِدُ عَنْ الْخَبَرِ، وَعَنْ الْقِيَاسِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
فَصْلٌ الْحَيْضِ وَأَحْكَامُهُ
(فَصْلٌ) :
ثُمَّ الْكَلَامُ يَقَعُ فِي تَفْسِيرِ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَالِاسْتِحَاضَةِ، وَأَحْكَامِهَا (أَمَّا) الْحَيْضُ فَهُوَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِدَمٍ خَارِجٍ مِنْ الرَّحِمِ لَا يَعْقُبُ الْوِلَادَةَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ لَوْنِ الدَّمِ، وَحَالِهِ، وَمَعْرِفَةِ خُرُوجِهِ، وَمِقْدَارِهِ، وَوَقْتِهِ (أَمَّا) لَوْنُهُ فَالسَّوَادُ حَيْضٌ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَلِكَ الْحُمْرَةُ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دَمُ الْحَيْضِ هُوَ الْأَسْوَدُ فَقَطْ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَفَاطِمَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ حِينَ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً «إذَا كَانَ الْحَيْضُ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي، وَصَلِّي» .
(وَلَنَا) قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ البقرة: ٢٢٢ جَعَلَ الْحَيْضَ أَذًى، وَاسْمُ الْأَذَى لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَسْوَدِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ بِالْكُرْسُفِ إلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَكَانَتْ تَقُولُ: لَا حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، أَيْ: الْبَيَاضَ الْخَالِصَ كَالْجِصِّ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب الحيض
بابُ الحَيْضِ
الحَيْضُ: دَمٌ يُرْخِيهِ الرَّحِمُ إذا بَلَغَتِ المرْأةُ، ثم يَعْتَادُها في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ؛ لِحِكْمَةِ تَرْبَيةِ الوَلَدِ، فإذا حَمَلَت انْصَرَفَ ذلك الدَّمُ بإذْنِ اللهِ إلى تَغْذِيَتِه، ولذلك لا تَحِيضُ الحامِلُ، فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ قَلَبَهُ اللهُ تعالى بِحِكْمَتِهِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بهِ الطِّفْلُ، ولذلك قَلَمَّا تَحِيضُ المُرْضِعُ، فإذا خَلَتِ المرأةُ مِن حَمْلٍ ورَضَاعٍ. بَقِىَ ذلك الدَّمُ لا مَصْرِفَ له، فيَسْتَقِرُّ في مكانٍ، ثم يَخْرُجُ في الغالِب في كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سَبْعة، وقد يَزِيدُ على ذلك، ويَقِلُّ، ويَطُولُ شَهْرُ المَرْأَةِ ويَقْصُرُ، على حَسَبِ ما رَكَّبَهُ اللهُ تعالى في الطِّبَاعِ؛ وسُمِّىَ حَيْضًا مِنْ قَوْلِهم: حاضَ السَّيْلُ. قال عُمارَةُ بنُ عَقِيلٍ :
أجَالَتْ حَصَاهُنَّ الذَّوَارِى وحَيَّضَتْ ... عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ
وقد عَلَّقَ الشَّرْعُ على الحَيْضِ أحْكامًا؛ فمِنها، أنَّهُ يَحْرُمُ وَطْءُ الحَائِضِ في الفَرْجِ، لِقَوْلِ اللهِ تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} . ومِنها، أنَّهُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ؛ بدليلِ قَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ ولَا تُصَلِّى" . رَوَاهُ البُخَارِىُّ . وقالتْ حَمْنَةُ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب حيض المرأة وطهرها واستحاضتها)
(بَابُ حَيْضِ الْمَرْأَةِ وَطُهْرِهَا وَاسْتِحَاضَتِهَا)
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " قَالَ اللَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) {قَالَ الشَّافِعِيُّ) " مِنَ الْمَحِيضِ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) تَطَهَّرْنَ بِالْمَاءِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَيْضَ هُوَ مَا يُرْخِيهِ الرَّحِمُ مِنَ الدَّمِ إِذَا كَانَ عَلَى وَصْفٍ وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ لَهُ بِسِتَّةِ أَسْمَاءٍ بَعْضُهَا فِي اللِّسَانِ مَذْكُورٌ وَبَعْضُهَا فِي اللُّغَةِ مَشْهُورٌ.
أَحَدُهَا: وَهُوَ أَشْهَرُهَا عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ الْحَيْضُ، وَفِي تَكَلُّفِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ فِي شَرْعٍ أَوْ لُغَةٍ عَنَاءٌ مُسْتَهْجَنٌ وَسُمِّيَ حَيْضًا لِسَيَلَانِهِ مِنْ رَحِمِ الْمَرْأَةِ، مأخوذ من قوله: حاض السبيل، وَفَاضَ إِذَا سَالَ وَمِنْهُ قَوْلُ عِمَارَةَ بْنِ عقيل:
(أجالت حصاهن الدواري وحيضت ... عليهن حيضات السيول الطواحم)
السيول الجواري الَّتِي تُدِيرُ التُّرَابَ، وَكَذَلِكَ الذَّارِيَاتُ والْهَوَاجِمُ السُّيُولُ الْعَالِيَةُ وَحَيَّضَتْ أَيْ سَيَّلَتْ، وَحَيْضَاتُ السُّيُولِ مَا سَالَ مِنْهَا فَسُمِّيَ بِهِ دَمُ الْحَيْضِ حَيْضًا لِسَيَلَانِهِ.
وَالثَّانِي: الطَّمْثُ وَالْمَرْأَةُ طَامِثٌ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الطَّمْثُ الدَّمُ، وَكَذَلِكَ قِيلَ إِذَا افْتَضَّ الرَّجُلُ الْبِكْرَ قَدْ طَمَثَهَا أَيْ أَدْمَاهَا قَالَ اللَّهُ تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَم يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ) {الرحمن: ٥٦) .
وَقَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ الْفَرَزْدَقُ:
ارجع إلى الحيض للاطلاع على جميع المسائل.