الإسلام > الطهارة > الحيض > حكم الطهر المتخلل بين أيام الحيض - أو الدمين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 31 دقيقة قراءةحُكمُ الطُّهرِ المُتخلِّلِ بينَ أيامِ الحَيضِ - أو الدَّمَين:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الطُّهرَ المُتخلِّلَ بينَ الدَّمَينِ إذا كانَ خَمسةَ عَشرَ يَومًا فصاعِدًا فإنَّه يَكونُ فاصِلًا بينَ الدَّمَينِ، أمَّا إذا كانَ الطُّهرُ الفاصِلُ بينَ الدَّمَين أقَلَّ من هذه المُدةِ فقد اختَلَفوا في اعتِبارِه فاصِلًا.
فالحَنفيةُ اتَّفَقوا على أنَّ الطُّهرَ الفاصِلَ بينَ الدَّمَين إذا كانَ أقَلَّ من ثَلاثةِ أَيامٍ لا يُعتبَرُ فاصِلًا.
وأمَّا فيما عَدا ذلك فقد اختَلَفوا فيه على سِتةِ أَقوالٍ كلُّها رُويَت عن الإمامِ، أَشهرُها ثَلاثةٌ:
الأولُ: قَولُ أبي يُوسفَ: إنَّ الطُّهرَ المُتخلِّلَ بينَ الدَّمَينِ لا يُفصَلُ بل يَكونُ كالدَّمِ المُتوالي بشَرطِ إِحاطةِ الدَّمِ لطَرَفيِ الطُّهرِ المُتخلِّلِ، فيَجوزُ بَدءُ الحَيضِ بالطُّهرِ وخَتمُه به أيضًا، فلو رأتْ مُبتدأَةٌ دَمًا يَومًا، وطُهرًا أربَعةَ عَشرَ، ودَمًا يَومًا فالعَشرةُ الأُولى حَيضٌ، ولو رأتِ المُعتادةُ قبلَ عادَتِها دَمًا يَومًا وطُهرًا عَشرةً، ودَمًا يَومًا فالعَشرةُ التي لم تَرَ فيها حَيضًا، إنْ كانَت هذه عادَتَها وإلا رَدَّت إلى أَيامِ عادَتِها.
الثاني: أنَّ الشَّرطَ إِحاطةُ الدَّمِ لطَرفَيْ مُدةِ الحَيضِ، فلا يَجوزُ بَدءُ الحَيضِ بالطُّهرِ ولا خَتمُه به، فلو رأت مُبتدأَةٌ دَمًا يَومًا وطُهرًا ثَمانيةً ودَمًا يَومًا فالعَشرةُ حَيضٌ، ولو رَأت مُعتادةٌ قبلَ عادَتِها دَمًا يَومًا وطُهرًا تِسعةً ودَمًا يَومًا لا يَكونُ شَيءٌ منه حَيضًا، وكذا النِّفاسُ على هذا الاعتِبارِ.
الثالِثُ: قَولُ مُحمدٍ: إنَّ الشَّرطَ أنْ يَكونَ الطُّهرُ مِثلَ الدَّمَينِ أو أقَلَّ في مُدةِ الحَيضِ، فلو كانَ أكثَرَ فصَلَ، لكنْ يُنظرُ إنْ كانَ في كلٍّ من الجانبَينِ ما يُمكنُ أنْ يُجعلَ حَيضًا، فالسابِقُ حَيضٌ، ولو في أحدِهما فهو الحَيضُ، والآخَرُ استِحاضةٌ، وإذا لم يُمكِنْ جَعلُ أحدِهما حَيضًا فالكلُّ استِحاضةٌ، ولا يَجوزُ بَدءُ الحَيضِ بالطُّهرِ ولا خَتمُه به، فلو رأت مُبتدَأةٌ دمًا يَومًا وطُهرًا يَومَين ودَمًا يَومًا فالأربَعةُ حَيضٌ؛ لأنَّ الطُّهرَ المُتخلِّلَ دونَ ثَلاثٍ، وهو لا يَفصِلُ اتِّفاقًا، كما مَرَّ، ولو رأتْ دَمًا يَومًا وطُهرًا ثَلاثةً ودَمًا يَومَينِ فالسِّتةُ حَيضٌ للاستِواءِ، ولو رَأت دَمًا ثَلاثةً وطُهرًا خَمسةً ودَمًا يَومًا فالثَّلاثةُ حَيضٌ لغَلبةِ الطُّهرِ فصارَ فاصِلًا والمُتقدِّمُ أمكَنَ جَعلُه حَيضًا.
قالَ ابنُ عابِدينَ: هذا خُلاصةُ ما في شُروحِ الهِدايةِ وغيرِها.
وقد صحَّحَ قَولَ مُحمدٍ في «المَبسوط» و «المُحيط»، وعليه الفَتوَى.
وفي «الهِداية»: الأخذُ بقَولِ أبي يُوسفَ أيسَرُ.
وكَثيرٌ من المُتأخِّرينَ أفتَوْا به؛ لأنَّه أسهَلُ على المُفتِي والمُستَفتي.
«سراج»: وهو الأَولى.
«فَتح»: وهو قَولُ أبي حَنيفةَ الآخَرَ.
«نِهاية»: وأمَّا الرِّوايةُ الثانيةُ، ففي «البَحر» قد اختارَها أَصحابُ المُتونِ، لكنْ لم تُصحَّحْ في الشُّروحِ (١).
(١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٤٨٣، ٤٨٤)، و «بدائع الصنائع» (١/ ١٦٥، ١٦٧)، و «فتح القدير» (١/ ١٢٠، ١٢١)، و «تبين الحقائق» (١/ ٦٢)، و «البحر الرائق» (١/ ٢١٦، ٢١٧)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٣٧).
وقالَ المالِكيةُ: في مَسألةِ التَّقطُّعِ هذه: بأنَّه إنْ تَقطَّعَ طُهرٌ بأنْ تَخلَّله دَمٌ وتَساوَيا -أي: تَساوَت أَيامُ الطُّهرِ وأَيامُ الحَيضِ بأنْ أَتاها الدَّمُ يَومًا وانقطَعَ يَومًا، وهكذا- أو زادَت أَيامُ الدَّمِ بأنْ أتاها الدَّمُ يَومَين وانقطَعَ يَومًا وهكذا، أو نقَصَت أَيامُ الدَّمِ عن أَيامِ الطُّهرِ بأنْ أتاها الدَّمُ يَومًا وانقطَعَ يَومَينِ، وهكذا ولم يَبلُغْ الانقِطاعُ نِصفَ شَهرٍ؛ فإنَّها تُلفِّقُ -أي: تَجمعُ أو تَضمُّ أَيامَ الدَّمِ فقط دونَ أَيامِ انقِطاعِه، أي: أَيامَ الطُّهرِ- فتُلغيها متى نقَصَت عن نِصفِ شَهرٍ فلا بدَّ في الطُّهرِ من خَمسةَ عَشرَ يَومًا مُتواليةٍ خاليةٍ من الدَّمِ لَيلًا ونَهارًا اتِّفاقًا -على تَفصيلِها المُتقدِّمِ من مُبتدأَةٍ ومُعتادةٍ وحامِلٍ- فتُلفِّقُ المُبتدأَةُ نِصفَ شَهرٍ، والمُعتادةُ عادَتَها واستِظهارَها، والحامِلُ في ثَلاثةِ أشهُرٍ النِّصفَ ونَحوَه، وفي سِتةٍ فأكثَرَ عِشرينَ ونَحوَها، ثم هي بعدَ ذلك مُستَحاضةٌ.
وتَظهرُ فائِدةُ الخِلافِ في الدَّمِ النازِلِ بعدَ تَلفيقِ أكثَرِ حَيضِها، وهو عادَتُها، أو نِصفَ شَهرٍ -خَمسةَ عَشرَ يَومًا- فعلى المَشهورِ المُعتمدِ تَكونُ مُستحاضةً -أي: طاهِرةً- والدَّمُ النازِلُ دَمُ عِلةٍ وفَسادٍ، وعلى مُقابِلِه يَكونُ حَيضًا.
فتَغتسِلُ المُلفقةُ وُجوبًا كلَّما انقطَعَ الدَّمُ عنها في أيامِ التَّلفيقِ؛ لأنَّها لا تَدري هل يُعاودُها دَمٌ أو لا، إلا أنْ تَظنَّ أنَّه يُعاودُها قبلَ انقِضاءِ وَقتِ الصَّلاةِ التي هي فيه فلا تُؤمرُ بالغُسلِ، وتَصومُ إنْ كانَت قبلَ الفَجرِ طاهِرةً،
وتُصلِّي وتُوطَأُ بعدَ طُهرِها فيُمكنُ أنَّها تُصلِّي وتَصومُ في جَميعِ أَيامِ الحَيضِ بأنْ كانَ يَأتيها لَيلًا ويَنقطِعُ قبلَ الفَجرِ، حتى يَغيبَ الشَّفقُ، فلا يَفوتُها شَيءٌ من الصَّلاةِ والصَّومِ، وتَدخلُ المَسجدَ وتَطوفُ الإفاضةَ إلا أنَّه يَحرمُ طَلاقُها، ويُجبَرُ على مُراجَعتِها (١).
ويَرى الشافِعيةُ أنَّه إذا انقطَعَ دَمُها فرأت يَومًا ولَيلةً دَمًا ويَومًا ولَيلةً نَقاءً، أو يَومَين ويَومَين فأكثَرَ، فلها حالَتانِ:
إحداهُما: يَنقطعُ دَمُها ولا يَتجاوزُ خَمسةَ عَشرَ.
والثانية: يُجاوزُها.
الحالةُ الأُولى: إذا لم يُجاوزْ خَمسةَ عَشرَ يَومًا ففيه قَولانِ مَشهوران:
أحدُهما: أنَّ أيامَ الدَّمِ حَيضٌ، وأيامَ النَّقاءِ طُهرٌ، ويُسمَّى هذا القَولُ (التَّلفيقَ) (٢)، أو (اللَّقطَ) فعلى هذا القَولِ: إنمَّا يُجعلُ النَّقاءُ طُهرًا في الصَّومِ والصَّلاةِ والطَّوافِ والقِراءةِ والغُسلِ والاعتِكافِ والوَطءِ ونَحوِها دونَ العِدةِ، والطَّلاقُ فيه بِدعيٌّ.
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١/ ١٧٠، ١٧٣)، و «حاشية العدوي» (١/ ١٨٩)، و «التاج والإكليل» (١/ ٣٦٩)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «الذخيرة» (١/ ٣٨٠)، و «منح الجليل» (١/ ١٦٩).
(٢) التَّلفيقُ في اللُّغةِ: الضَّمُّ، والمُلاءَمةُ، والكَذبُ المُزخرَفُ.
في الاصطِلاحِ: يَستعملُ الفُقهاءُ التَّلفيقَ بمَعنى الضَّمِّ كما في المرأةِ التي تَقطعُ دَمَها فرَأت يَومًا دمًا ويَومًا نَقاءً جمَعَت أيامَ الدَّمِ بَعضَها إلى بَعضٍ واعتُبِرت حَيضًا واعتُبِرت أيامُ النَّقاءِ طُهرًا صَحيحًا تُصلِّي فيها وتَصومُ.
والثاني: وهو الأصَحُّ عندَهم أنَّ أيامَ الدَّمِ وأيامَ النَّقاءِ كلَّها حَيضٌ، ويُسمَّى هذا القَولُ (السَّحبَ) (١)، بشَرطِ أنْ يَكونَ النَّقاءُ مُحتَوشًا (مُحاطًا) بدَمَين في الخَمسةَ عَشرَ، وإلا فهو طُهرٌ بلا خِلافٍ.
وسَواءٌ كانَ التَّقطعُ يَومًا ولَيلةً دَمًا ويَومًا ولَيلةً نَقاءً، أو يَومَين ويَومَين أو خَمسةً وخَمسةً أو سِتةً وسِتةً أو سَبعةً وسَبعةً ويَومًا أو يَومًا وعَشرةً أو خَمسةً، أو يَومًا ولَيلةً دَمًا وثَلاثةَ عَشرَ نَقاءً ويَومًا ولَيلةً دَمًا أو غيرَ ذلك فالحُكمُ في الكلِّ سَواءٌ، وهو أنَّه إذا لم يُجاوِزْ خَمسةَ عَشرَ يَومًا فأَيامُ الدَّمِ حَيضٌ بلا خِلافٍ، وفي أَيامِ النَّقاءِ المُتخلِّلِ بينَ الدَّمِ القَولانِ.
قالَ النَّوويُّ: قالَ أَصحابُنا: وعلى القَولَينِ إذا رأتِ النَّقاءَ في اليَومِ الثاني عمِلَت عَملَ الطاهِراتِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّا لا نَعلمُ أنَّها ذاتُ تَلفيقٍ، لاحتِمالٍ دَوامِ الانقِطاعِ، قالوا: فيَجبُ عليها أنْ تَغتسلَ وتَصومَ وتُصليَ ولها قِراءةُ القُرآنِ ومَسُّ المُصحفِ والطَّوافُ والاعتِكافُ وللزَّوجِ وَطؤُها ولا خِلافَ في شَيءٍ من هذا، فإذا عاوَدَها الدَّمُ في اليَومِ الثالِثِ تَبيَّنَّا أنَّها مُلفقةٌ.
فإنْ قُلنا بالتَّلفيقِ تَبيَّنَّا صِحةَ الصَّومِ والصَّلاةِ والاعتِكافِ وإِباحةِ الوَطءِ وغيرِها، وإنْ قُلنا بالسَّحبِ تَبيَّنَّا بُطلانَ العِباداتِ التي فعَلَتها في اليَومِ الثاني، فيَجبُ عليها قَضاءُ الصَّومِ والاعتِكافُ والطَّوافُ المَفعولاتُ عن واجِبٍ،
(١) السَّحبُ في اللُّغةِ: جَرُّك الشَّيءَ على وَجهِ الأرضِ كالثَّوبِ وغيرِه. والسَّحبُ عندَ الشافِعيةِ: أنْ يُعطَى النَّقاءُ المُتخلِّلُ بينَ أيامِ الحَيضِ حُكمَ الحَيضِ، وإنَّما سُمِّي بذلك لسَحبِ الحُكمِ بالحَيضِ على النَّقاءِ، فجُعلَ الكلُّ حَيضًا.
وكذا لو كانَت صلَّت عن قَضاءٍ أو نَذرٍ، ولا يَجبُ قَضاءُ الصَّلاةِ المُؤدَّاةِ؛ لأنَّه زمَنُ حَيضٍ، ولا صَلاةَ فيه.
وإنْ كانَت صامَت نَفلًا قالَ صاحِبُ «البَيان» تَبيَّنَّا أنَّه لا ثَوابَ فيه، وفيما قالَه نَظرٌ، ويَنبَغي أنْ يُقالَ: لها ثَوابٌ على قَصدِ الطاعةِ، ولا ثَوابَ على نَفسِ الصَّومِ إذا لم يَصحَّ، ولعلَّ هذا مُرادُه.
قالَ أَصحابُنا: ونتبَيَّنُ أنَّ وَطءَ الزَّوجِ لم يَكنْ مُباحًا، لكنْ لا إثمَ للجَهلِ.
قالَ أَصحابُنا: وكلَّما عادَ النَّقاءُ في هذه الأَيامِ إلى الرابِعَ عَشرَ وجَبَ الاغتِسالُ والصَّلاةُ والصَّومُ، وحَلَّ الوَطءُ وغيرُه كما ذكَرنا في اليَومِ الثاني، فإذا لم يَعُدِ الدَّمُ فكلُّه ماضٍ على الصِّحةِ، وإنْ عادَ فحُكمُه ما ذكَرْناه في الثاني.
الحالةُ الثانيةُ: إذا جاوَزَ الدَّمُ خَمسةَ عَشرَ صارَت مُستحاضةً كغيرِها إذا جاوَزَها دَمُها تلك المُدةَ:
فإذا رَأت يَومًا ولَيلةً دَمًا ومِثلَه نَقاءً وهكذا حتى جاوَزَ خَمسةَ عَشرَ مُتقطعًا فلا خِلافَ أنَّه لا يُلتقطُ لها أَيامُ الحَيضِ من جَميعِ الشَّهرِ، وإنْ كانَ مَجموعُ المُلتقَطِ دونَ خَمسةَ عَشرَ، ولكنَّها مُستحاضةٌ اختلَطَ حَيضُها بالاستِحاضةِ، وهي ذاتُ تَقطُّعٍ، فإذا صارَت مُستحاضةً فالفَرقُ بينَ حَيضِها واستِحاضتِها بالرُّجوعِ إلى العادةِ أو التَّميُّزِ كغيرِ ذاتِ التَّلفيقِ (١).
(١) «روضة الطالبين» (١/ ٣٢٩، ٣٣٢)، و «المجموع» (٣/ ٥١٩، ٥٢٦)، وفيه كلامٌ طَويلٌ مهمٌ جدًّا لم أذكُرْه خشيةَ التَّطويلِ. وانظر: «أسنى المطالب» (١/ ١١٢، ١١٣)، و «البجيرمي على الخطيب» (١/ ٣٠٨).
ويَرى الحَنابِلةُ في مَسألةِ التَّقطُّعِ هذه -وهي الطُّهرُ بينَ الدَّمَينِ- أنَّ المَرأةَ مَتى رأتِ الطُّهرَ بينَ الدَّمَينِ فهي طاهِرةٌ، تَغتسلُ وتَلزمُها الصَّلاةُ والصَّومُ، ولم يُفرِّقوا بينَ قَليلِ الطُّهرِ وكَثيرِه؛ لقَولِ ابنِ عَباسٍ: «ما رأتِ الطُّهرَ ساعةً فلتَغتسِلْ» (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَتوجَّهُ أنَّ انقِطاعَ الدَّمِ متى نقَصَ عن اليَومِ، فليسَ بطُهرٍ، بِناءً على الرِّوايةِ التى حَكَيناها في النِّفاسِ، وهي أنَّ النُّفَساءَ إذا رأتِ النَّقاءَ دونَ يَومٍ لا تَثبُتُ لها أَحكامُ الطاهِراتِ فيَتخرَّجُ ههنا مِثلُه، وهو الصَّحيحُ إنْ شاءَ اللهُ؛ لأنَّ الدَّمَ يَجري مَرةً ويَنقطِعُ أُخرى، وفي إِيجابِ الغُسلِ على مَنْ تَطهُرُ ساعةً حَرجٌ يَنتَفي بقَولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ولأنَّنا لو جعَلنا انقِطاعَ الدَّمِ ساعةً طُهرًا ولا تَلتفِتُ إلى ما بعدَه من الدَّمِ أفضَى إلى ألَّا يَستقرَّ لها حَيضٌ، فعلى هذا لا يَكونُ انقِطاعُ الدَّمِ أقَلَّ من يَومٍ طُهرًا إلا أنْ تَرى ما يَدلُّ عليه مِثلَ أنْ يَكونَ انقِطاعُه في آخِرِ عادَتِها أو تَرى القَصةَ البَيضاءَ ثم انقطَعَ الدَّمُ لخَمسةَ عَشرَ فما دونَ، فجَميعُه حَيضٌ تَغتسِلُ عُقَيبَ كلِّ يَومٍ وتُصلِّي في الطُّهرِ.
(١) رورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣٦٧)، والدارمي في «سننه» (٨٠٠)، وأبو داود (٢٨٦)، وصحَّحَه الألبانِيُّ في «صَحيحِ أبي داودَ» (٢٦٤) بلَفظِ: «المُستحَاضةُ إذا رَأت الدَّمَ البَحرانِيَّ فلا تُصَلِّ، وإذا رَأت الطُّهرَ ولو ساعةً فَلتَغتَسِلْ وتُصَلِّ».
وإنْ عبَرَ دَمُها -أي: جاوَزَ- خَمسةَ عَشرَ يَومًا فهي مُستحاضةٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّما ذلك عِرقٌ وليسَ بحَيضةٍ»، ولأنَّ الدَّمَ كلَّه لا يَصلحُ أنْ يَكونَ حَيضًا.
وإنْ رَأت ثَلاثةَ أَيامٍ دَمًا ثم طهُرَت اثنَيْ عَشرَ يَومًا، ثم رأتْه ثَلاثةً دَمًا، فالأولُ حَيضٌ؛ لأنَّها رَأته في زَمانِ إمكانِه، والثاني استِحاضةٌ؛ لأنَّه لا يُمكنُ أنْ يَكونَ ابتِداءَ حَيضٍ لكَونِه لم يَتقدَّمْه أقَلُّ الطُّهرِ ولا من الحَيضِ الأولِ؛ لأنَّه يَخرجُ عن الخَمسةَ عَشرَ، والحَيضةُ الواحِدةُ لا يَكونُ بينَ طَرفَيها أكثَرُ من خَمسةَ عَشرَ يَومًا.
فإنْ كانَ بينَ الدَّمَين ثَلاثةَ عَشرَ يَومًا فأكثَرُ وتكرَّرَ، فهُما حَيضَتان؛ لأنَّه أمكَنَ جَعلُ كلِّ واحِدةٍ منهما حَيضةً مُنفردةً؛ لفَصلِ أقَلِّ الطُّهرِ بينَهما، وإنْ أمكَنَ جَعلُها حَيضةً واحِدةً بألَّا يَكونَ بينَ طَرفَيها أكثَرُ من خَمسةَ عَشرَ يَومًا مِثلَ أنْ تَرى يَومَين دَمًا وتَطهُرَ عَشرةً، وتَرى ثَلاثةً دَمًا وتكرَّرَ فهما حَيضةٌ واحِدةٌ؛ لأنَّه لم يَخرجْ زَمنُها عن مُدةِ أكثَرِ الحَيضِ (١).
وقالَ في «مَطالِب أُولي النُّهى»: إنَّ الطُّهرَ في أَثناءِ الحَيضةِ صَحيحٌ تَغتسِلُ فيه، وتُصلِّي، ونَحوَه، أي: تَصومُ وتَطوفُ وتَقرأُ القُرآنَ، ولا يُكرهُ فيه الوَطءُ؛ لأنَّه طُهرٌ حَقيقةً.
(١) «المغني» (١/ ٤٥٦)، و «الكافي» (١/ ٨٢).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب الحيض
بابُ الحَيْضِ
الحَيْضُ: دَمٌ يُرْخِيهِ الرَّحِمُ إذا بَلَغَتِ المرْأةُ، ثم يَعْتَادُها في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ؛ لِحِكْمَةِ تَرْبَيةِ الوَلَدِ، فإذا حَمَلَت انْصَرَفَ ذلك الدَّمُ بإذْنِ اللهِ إلى تَغْذِيَتِه، ولذلك لا تَحِيضُ الحامِلُ، فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ قَلَبَهُ اللهُ تعالى بِحِكْمَتِهِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بهِ الطِّفْلُ، ولذلك قَلَمَّا تَحِيضُ المُرْضِعُ، فإذا خَلَتِ المرأةُ مِن حَمْلٍ ورَضَاعٍ. بَقِىَ ذلك الدَّمُ لا مَصْرِفَ له، فيَسْتَقِرُّ في مكانٍ، ثم يَخْرُجُ في الغالِب في كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سَبْعة، وقد يَزِيدُ على ذلك، ويَقِلُّ، ويَطُولُ شَهْرُ المَرْأَةِ ويَقْصُرُ، على حَسَبِ ما رَكَّبَهُ اللهُ تعالى في الطِّبَاعِ؛ وسُمِّىَ حَيْضًا مِنْ قَوْلِهم: حاضَ السَّيْلُ. قال عُمارَةُ بنُ عَقِيلٍ :
أجَالَتْ حَصَاهُنَّ الذَّوَارِى وحَيَّضَتْ ... عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ
وقد عَلَّقَ الشَّرْعُ على الحَيْضِ أحْكامًا؛ فمِنها، أنَّهُ يَحْرُمُ وَطْءُ الحَائِضِ في الفَرْجِ، لِقَوْلِ اللهِ تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} . ومِنها، أنَّهُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ؛ بدليلِ قَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ ولَا تُصَلِّى" . رَوَاهُ البُخَارِىُّ . وقالتْ حَمْنَةُ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل الحيض وأحكامه
يَنْعَقِدُ عَنْ الْخَبَرِ، وَعَنْ الْقِيَاسِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
فَصْلٌ الْحَيْضِ وَأَحْكَامُهُ
(فَصْلٌ) :
ثُمَّ الْكَلَامُ يَقَعُ فِي تَفْسِيرِ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَالِاسْتِحَاضَةِ، وَأَحْكَامِهَا (أَمَّا) الْحَيْضُ فَهُوَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِدَمٍ خَارِجٍ مِنْ الرَّحِمِ لَا يَعْقُبُ الْوِلَادَةَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ لَوْنِ الدَّمِ، وَحَالِهِ، وَمَعْرِفَةِ خُرُوجِهِ، وَمِقْدَارِهِ، وَوَقْتِهِ (أَمَّا) لَوْنُهُ فَالسَّوَادُ حَيْضٌ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَلِكَ الْحُمْرَةُ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دَمُ الْحَيْضِ هُوَ الْأَسْوَدُ فَقَطْ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَفَاطِمَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ حِينَ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً «إذَا كَانَ الْحَيْضُ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي، وَصَلِّي» .
(وَلَنَا) قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ البقرة: ٢٢٢ جَعَلَ الْحَيْضَ أَذًى، وَاسْمُ الْأَذَى لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَسْوَدِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ بِالْكُرْسُفِ إلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَكَانَتْ تَقُولُ: لَا حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، أَيْ: الْبَيَاضَ الْخَالِصَ كَالْجِصِّ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب حيض المرأة وطهرها واستحاضتها)
(بَابُ حَيْضِ الْمَرْأَةِ وَطُهْرِهَا وَاسْتِحَاضَتِهَا)
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " قَالَ اللَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) {قَالَ الشَّافِعِيُّ) " مِنَ الْمَحِيضِ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) تَطَهَّرْنَ بِالْمَاءِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَيْضَ هُوَ مَا يُرْخِيهِ الرَّحِمُ مِنَ الدَّمِ إِذَا كَانَ عَلَى وَصْفٍ وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ لَهُ بِسِتَّةِ أَسْمَاءٍ بَعْضُهَا فِي اللِّسَانِ مَذْكُورٌ وَبَعْضُهَا فِي اللُّغَةِ مَشْهُورٌ.
أَحَدُهَا: وَهُوَ أَشْهَرُهَا عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ الْحَيْضُ، وَفِي تَكَلُّفِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ فِي شَرْعٍ أَوْ لُغَةٍ عَنَاءٌ مُسْتَهْجَنٌ وَسُمِّيَ حَيْضًا لِسَيَلَانِهِ مِنْ رَحِمِ الْمَرْأَةِ، مأخوذ من قوله: حاض السبيل، وَفَاضَ إِذَا سَالَ وَمِنْهُ قَوْلُ عِمَارَةَ بْنِ عقيل:
(أجالت حصاهن الدواري وحيضت ... عليهن حيضات السيول الطواحم)
السيول الجواري الَّتِي تُدِيرُ التُّرَابَ، وَكَذَلِكَ الذَّارِيَاتُ والْهَوَاجِمُ السُّيُولُ الْعَالِيَةُ وَحَيَّضَتْ أَيْ سَيَّلَتْ، وَحَيْضَاتُ السُّيُولِ مَا سَالَ مِنْهَا فَسُمِّيَ بِهِ دَمُ الْحَيْضِ حَيْضًا لِسَيَلَانِهِ.
وَالثَّانِي: الطَّمْثُ وَالْمَرْأَةُ طَامِثٌ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الطَّمْثُ الدَّمُ، وَكَذَلِكَ قِيلَ إِذَا افْتَضَّ الرَّجُلُ الْبِكْرَ قَدْ طَمَثَهَا أَيْ أَدْمَاهَا قَالَ اللَّهُ تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَم يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ) {الرحمن: ٥٦) .
وَقَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ الْفَرَزْدَقُ:
ارجع إلى الحيض للاطلاع على جميع المسائل.