الإسلام > الطهارة > الحيض > طهارة الحائض والجنب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةوإذا نَظَرتَ إلى أسِرةِ وَجهِه برَقَت كبَرقِ العارِضِ المُتهلِّلِ
ومُبرإٍ من كل غُبَّرِ حَيضةٍ وفَسادِ مُرضِعةٍ وداءٍ مُغيَلِ
مَعناه أنَّها حمَلَت به وهي طاهِرةٌ ليسَت بها بَقيةُ حَيضٍ ووضَعَته ولا داءَ به استَصحَبَه من بَطنِها ولم تُرضِعْه أُمُّه غَيلًا، والشاهِدُ أنَّ الحَملَ به لم يَكنْ حالَ حَيضٍ، ولم يُنكِرْ عليها؛ لأنَّ الحَيضَ إذا جرَى على الوَلدِ في الرَّحمِ أكسَبَه بسَوادِه غَبرةً في جِلدِه فيَكونُ أقتَمَ عَديمَ الوَضاءةِ، فدَلَّ ذلك على أنَّه أمرٌ مُتعارَفٌ عندَهم.
وأمَّا دِلالتُه على البَراءةِ فهي على سَبيلِ الغالِبِ، وحَيضُ الحامِلِ هو القَليلُ والنادِرُ فلا يُناقِضُ دِلالةَ الغالِبِ (١).
طَهارةُ الحائِضِ والجُنبِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على طَهارةِ جَسدِ الحائِضِ، وعَرقِها وسُؤرِها، وجَوازِ أكلِ طَبخِها وعَجنِها، وما مَسَّته من المائِعاتِ، والأكلِ معها ومُساكَنتِها، من غيرِ كَراهةٍ لمَا رُويَ أنَّ اليَهودَ كانوا إذا حاضَتِ المَرأةُ فيهم لم يُؤاكِلوها، ولم يُجامِعوها في البَيتِ، فسألَ أَصحابُ النَّبيِّ ﷺ عن ذلك، فأنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآيةَ فقالَ ﷺ: «اصنَعوا كلَّ شَيءٍ إلا النِّكاحَ»، فبلَغَ ذلك اليَهودَ، فقالوا: ما يُريدُ هذا الرَّجلُ أنْ
(١) الإشراف على نكت «مسائل الخلاف» (١/ ١٩٥)، و «الذخيرة» (١/ ٣٨٧)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٢٧١)، و «التاج والإكليل» (١١/ ٣٦٨)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٠٥)، و «منح الجيل» (١/ ١٦٨)، و «الإفصاح» (١/ ١٠٩).
يَدعَ من أمرِنا شَيئًا إلا خالَفَنا فيه، فجاءَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ وعَبادُ بنُ بِشرٍ فقالا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ اليَهودَ تَقولُ كذا وكذا، فلا نُجامِعهُنَّ، فتَغيَّرَ وَجهُ رَسولِ اللهِ (١).
ولمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لعائِشةَ: «ناوِليني الخُمرةَ من المَسجدِ، قالَت: فقُلتُ: إنِّي حائِضٌ، فقالَ: إنَّ حَيضَتَك ليسَت في يَدكِ» (٢).
وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «يَشربُ من سُؤرِ عائِشةَ رضي الله عنها وهي حائِضٌ ويَضعُ فاهُ على مَوضعِ فيها» (٣)، وكانَت تَغسلُ رأسَ رَسولِ اللهِ ﷺ وهي حائِضٌ (٤).
وقد نقَلَ ابنُ المُنذرِ وابنُ جَريرٍ والنَّوويُّ وابنُ قُدامةَ والشَّوكانِيُّ وغيرُهم الإِجماعَ على ذلك (٥).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ عَرقَ الجُنبِ طاهِرٌ، وكذلك الحائِضُ (٦).
وقالَ أيضًا: أجمَعَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ على أنَّ عَرقَ الجُنبِ طاهِرٌ فممَّن ثبَتَ عنه من أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: عَرقُ الجُنبِ طاهِرٌ
(١) رواه مسلم (٣٠٢).
(٢) رواه مسلم (٢٩١).
(٣) مسلم (٣٠٠).
(٤) مسلم (٢٩٧).
(٥) «عمدة القاري» (١١/ ١٤٤)، و «الاستذكار» (٣/ ٣٨٧)، و «حاشية الجمل» (١/ ٢٣٥)، و «المغني» (١/ ٢٧٥، ٢٧٦)، و «نيل الأوطار» (١/ ٣٥٥)، و «الإجماع» لابن المنذر (٢٣)، و «الأوسط» (٢/ ٢٠٣، ٢٠٤)، و «المجموع» (٢/ ١٦١).
(٦) «الإجماع» لابن المنذر (٢٣).
ابنُ عُمرَ وابنُ عَباسٍ وعائِشةٌ، وبه قالَ عَطاءٌ وابنُ جُبيرٍ والشَّعبيُّ والحَسنُ.
وكانَت عائِشةُ والحَسنُ وغيرُهما يَقولونَ: عَرقُ الحائِضِ كذلك طاهِرٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ على أنَّ عرَقَ الجُنبِ طاهِرٌ، ثبَتَ ذلك عن ابنِ عُمرَ وابنِ عَباسٍ وعائِشةَ رضي الله عنهم وغيرِهم من الفُقهاءِ.
وقالَت عائِشةُ: عَرقُ الحائِضِ طاهِرٌ وكلُّ ذلك قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأَصحابِ الرأيِ.
ولا يُحفظُ عن غيرِهم خِلافُهم، وقد رَوى أبو هُريرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لقيَه في بعضِ طُرقِ المَدينةِ وهو جُنبٌ قالَ: فانخَنَست منه فاغتَسَلت ثم جِئتُ، فقالَ: «أينَ كُنْتَ يا أبا هُريرةَ؟»، قالَ: يا رَسولَ اللهِ كُنْتُ جُنبًا فكرِهتُ أنْ أُجالسَك وأنا على غيرِ طَهارةٍ، فقالَ: «سُبحانَ اللهِ، إنَّ المُؤمنَ لا يَنجُسُ» مُتَّفقٌ عليه.
ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدَّمَ إليه بعضُ نِسائِه قَصعةً ليَتوضَّأَ منها، فقالَت امرأةٌ: إنِّي غمَستُ يَدي فيها وأنا جُنبٌ، فقالَ: «الماءُ لا يُجنِبُ»، وقالَ لعائِشةَ: «ناوِليني الخَرمةَ من المَسجدِ، فقالَت: إنِّي حائِضٌ، قالَ: إنَّ حَيضَتَك ليسَت في يَدِك»، وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَشربُ من سُؤرِ عائِشةَ وهي حائِضٌ ويَضعُ فاهُ على مَوضعِ فيها وتَتعرَّقُ العَرقَ وهي حائِضٌ
(١) «الأوسط» (٢/ ١٧٧).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
باب فضل الجنب وغيره
باب فضل الجنب وغيره
قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أنسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُتِيَ بوضوءٍ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ وَأَمَرَ الناس أن
يتوضؤوا مِنْهُ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حتى توضأ الناس من عند آخرهم.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ والنساء يتوضؤون فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في إناءٍ واحدٍ جميعاً وروي عن عائشة أنها قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من إناءٍ واحدٍ تعني من الجنابة وأنها كانت تغسل رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهي حائضٌ. (قال الشافعي) : ولا بأس أن يتوضأ ويغتسل بفضل الجنب والحائض لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إذا اغتسل وعائشة من إناءٍ واحدٍ فقد اغتسل كل واحدٍ منهما بفضل صاحبه (قال) وليست الحيضة في اليد ولا المؤمن بنجسٍ إنما تعبدٍ أن يماس الماء في بعض حالاته وكذلك ما روى ابن عمر أن كل واحدٍ منهما توضأ بفضل صاحبه.
(فصل)
: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ فَضْلَ الطَّهُورِ ضَرْبَانِ:
ضَرْبٌ فَضُلَ عَنِ الْأَعْضَاءِ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِيهَا فَهَذَا مُسْتَعْمَلٌ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَضَرْبٌ فَضُلَ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ اسْتِعْمَالِ بَعْضِهِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِكَ الْجَمَاعَةُ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، وَاشْتِرَاكُ الْجَمَاعَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل الغسل
وَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ.
وَإِنْ طَافَ جَازَ مَعَ النُّقْصَانِ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ شَبِيهٌ بِالصَّلَاةِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَلَاةٍ حَقِيقِيَّةٍ فَلِكَوْنِهِ طَوَافًا حَقِيقَةً يَحْكُمُ بِالْجَوَازِ، وَلِكَوْنِهِ شَبِيهًا بِالصَّلَاةِ يُحْكَمَ بِالْكَرَاهَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْغِلَافَ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَهُ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْجِلْدُ الْمُتَّصِلُ بِالْمُصْحَفِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْكُمُّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الْغِلَافُ الْمُنْفَصِلُ عَنْ الْمُصْحَفِ، وَهُوَ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الْمُصْحَفُ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْجِلْدِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الثَّوْبِ، وَهُوَ الْخَرِيطَةُ، لِأَنَّ الْمُتَّصِلَ بِهِ تَبَعٌ لَهُ فَكَانَ مَسُّهُ مَسًّا لِلْقُرْآنِ، وَلِهَذَا لَوْ لِبَيْعِ الْمُصْحَفُ دَخَلَ الْمُتَّصِلُ بِهِ فِي الْبَيْعِ، وَالْكُمُّ تَبَعٌ لِلْحَامِلِ فَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ فَلَيْسَ بِتَبَعٍ، حَتَّى لَا يَدْخُلَ فِي بَيْعِ الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّمَا يُكْرَهُ لَهُ مَسُّ الْمَوْضِعِ الْمَكْتُوبِ دُونَ الْحَوَاشِي، لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ الْقُرْآنَ حَقِيقَةً، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُكْرَهُ مَسُّ كُلِّهِ، لِأَنَّ الْحَوَاشِيَ تَابِعَةٌ لِلْمَكْتُوبِ فَكَانَ مَسُّهَا مَسًّا لِلْمَكْتُوبِ، وَيُبَاحُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَانَ لَا يَحْجِزُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إلَّا الْجَنَابَةُ» .
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب الحيض
بابُ الحَيْضِ
الحَيْضُ: دَمٌ يُرْخِيهِ الرَّحِمُ إذا بَلَغَتِ المرْأةُ، ثم يَعْتَادُها في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ؛ لِحِكْمَةِ تَرْبَيةِ الوَلَدِ، فإذا حَمَلَت انْصَرَفَ ذلك الدَّمُ بإذْنِ اللهِ إلى تَغْذِيَتِه، ولذلك لا تَحِيضُ الحامِلُ، فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ قَلَبَهُ اللهُ تعالى بِحِكْمَتِهِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بهِ الطِّفْلُ، ولذلك قَلَمَّا تَحِيضُ المُرْضِعُ، فإذا خَلَتِ المرأةُ مِن حَمْلٍ ورَضَاعٍ. بَقِىَ ذلك الدَّمُ لا مَصْرِفَ له، فيَسْتَقِرُّ في مكانٍ، ثم يَخْرُجُ في الغالِب في كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سَبْعة، وقد يَزِيدُ على ذلك، ويَقِلُّ، ويَطُولُ شَهْرُ المَرْأَةِ ويَقْصُرُ، على حَسَبِ ما رَكَّبَهُ اللهُ تعالى في الطِّبَاعِ؛ وسُمِّىَ حَيْضًا مِنْ قَوْلِهم: حاضَ السَّيْلُ. قال عُمارَةُ بنُ عَقِيلٍ :
أجَالَتْ حَصَاهُنَّ الذَّوَارِى وحَيَّضَتْ ... عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ
وقد عَلَّقَ الشَّرْعُ على الحَيْضِ أحْكامًا؛ فمِنها، أنَّهُ يَحْرُمُ وَطْءُ الحَائِضِ في الفَرْجِ، لِقَوْلِ اللهِ تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} . ومِنها، أنَّهُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ؛ بدليلِ قَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ ولَا تُصَلِّى" . رَوَاهُ البُخَارِىُّ . وقالتْ حَمْنَةُ
ارجع إلى الحيض للاطلاع على جميع المسائل.