مسألة الاستحاضة

الإسلام > الطهارة > الحيض > مسألة الاستحاضة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

مسألة الاستحاضة - الأقوال والأدلة

مَسألةُ الاستِحاضةِ:

قالَ أبو المَعالي الجُوينيُّ: أَحكامُ المُستحاضةِ من أغمَضِ ما خاضَ فيه العُلماءُ (١).

والمُستَحاضةُ هي مَنْ رأتِ الدَّمَ في غيرِ وَقتِ الحَيضِ والنِّفاسِ بعدَ بُلوغِها سِنَّ الحَيضِ، أو مَنْ استمَرَّ بها الدَّمُ بعدَ تَمامِ حَيضِها بتَلفيقٍ أو بغيرِه.

ودَمُ الاستِحاضةِ أحمَرُ رَقيقٌ، بخِلافِ دَمِ الحَيضِ والنِّفاسِ؛ فإنَّه كَدرٌ ليسَ له صَفاءٌ.

وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ دَمَ الاستِحاضةِ يَنقضُ الطَّهارةَ، حَكاه ابنُ المُنذرِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: والمُبتَلى بسَلسِ البَولِ وكَثرةِ المَذيِ فلا يَنقطِعُ كالمُستَحاضةِ يَتوضَّأُ لكلِّ صَلاةٍ بعدَ أنْ يَغسلَ فَرجَه.

وجُملتُه أنَّ المُستحاضةَ ومَن به سَلسُ البَولِ أو المَذيِ أو الجَريحَ الذي لا يَرقأُ دَمُه وأشباهَهم ممَّن يَستمرُّ منه الحَدثُ ولا يُمكنُه حِفظُ

(١) «غياث الأمم» ص (٥١٩).
(٢) «الإجماع» (٣).

طَهارتِه عليه الوُضوءُ لكلِّ صَلاةٍ بعدَ غَسلِ مَحلِّ الحَدثِ وشَدِّه والتَّحرزِ من خُروجِ الحَدثِ بما يُمكنُه.

فالمُستحاضةُ تَغسلُ المَحلَّ ثم تَحشوه بقُطنٍ أو ما أشبَهَه ليَرُدَّ الدَّمَ لقَولِ النَّبيِّ لحَمنةَ حين شكَت إليه كَثرةَ الدَّمِ: أنعَتُ لك الكُرسُفَ؛ فإنَّه يُذهبُ الدَّمَ (١)؛ فإنْ لم يَرتَدَّ الدَّمُ بالقُطنِ استَثفَرت بخِرقةٍ مَشقوقةِ الطَّرفَين تَشدُّها على جَنبَيها ووَسطِها على الفَرجِ، وهو المَذكورُ في حَديثِ أُمِّ سَلمةَ: «لتَستَثفِرْ بثَوبٍ» وقالَ لحَمنةَ: «تَلجَّمي» لمَّا قالَت: إنَّه أكثَرُ من ذلك؛ فإنْ فعَلَت ذلك ثم خرَجَ الدَّمُ؛ فإنْ كانَ لرَخاوةِ الشَّدِ فعليها إعادةُ الشَّدِّ والطَّهارةُ، وإنْ كانَ لغَلبةِ الخارِجِ وقُوَّتِه وكَونِه لا يُمكنُ شَدُّه أكثَرَ من ذلك لم تَبطلِ الطَّهارةُ؛ لأنَّه لا يُمكنُ التَّحرزُ منه فتُصلِّي ولو قطَرَ الدَّمُ، قالَت عائِشةُ: «اعتكَفَت مع رَسولِ اللهِ امرأةٌ من أزواجِه فكانَت تَرى الدَّمَ والصُّفرةَ والطِّستَ تحتَها وهي تُصلِّي» (٢) رَواه البُخاريُّ.

وفي حَديثٍ: «صَلِّي وإنْ قطَرَ الدَّمُ على الحَصيرِ» (٣).

وكذلك مَنْ به سَلسُ البَولِ أو كَثرةُ المَذيِ يَعصِبُ رأسَ ذَكرِه بخِرقةٍ ويَحترسُ حَسبَ ما يُمكنُه ويَفعلُ ما ذُكرَ.

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٢).
(٢) رواه البخاري (٣٠٤).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٦٢٤)، وأحمد (٢٥٧٢٢).

وكذلك مَنْ به جُرحٌ يَفورُ منه الدَّمُ أو به رِيحٌ أو نَحوُ ذلك من الأَحداثِ ممَّن لا يُمكنُه قَطعُه عن نَفسِه.

فإنْ كانَ ممَّا لا يُمكنُ عَصبُه مِثلَ مَنْ به جُرحٌ لا يُمكنُ شَدُّه أو به باسُورٌ أو ناصُورٌ لا يَتمكَّنُ من عَصبِه صلَّى على حَسبِ حالِه كما رُويَ عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه حين طُعنَ صلَّى وجُرحُه يَثعَبُ دَمًا.

فَصلٌ: ويَلزمُ كلَّ واحِدٍ من هَؤلاءِ الوُضوءُ لوَقتِ كلِّ صَلاةٍ إلا أنْ يَخرجَ منه شَيءٌ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ، وقالَ مالِكٌ: لا يَجبُ الوُضوءُ على المُستحاضةِ ورُويَ ذلك عن عِكرمةَ ورَبيعةَ.

واستحَبَّ مالِكٌ لمَن به سَلسُ البَولِ أنْ يَتوضَّأَ لكلِّ صَلاةٍ إلا أنْ يُؤذيَه البَردُ.

فإنْ آذاهُ قالَ: فأرجو ألَّا يَكونَ عليه ضِيقٌ في تَركِ الوُضوءِ، واحتَجُّوا بأنَّ في حَديثِ هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه عن عائِشةَ أنَّ النَّبيَّ قالَ لفاطِمةَ بِنتِ أبي حُبَيشٍ: «فاغتَسلي وصَلِّي»، ولم يأمُرْها بالوُضوءِ، ولأنَّه ليسَ بمَنصوصٍ على الوُضوءِ منه، ولا في مَعنى المَنصوصِ؛ لأنَّ المَنصوصَ عليه الخارِجُ المُعتادُ وليسَ هذا بمُعتادٍ.

ولنا: ما رَوى عَديُّ بنُ ثابِتٍ عن أبيه عن جَدِّه عن النَّبيِّ في المُستحاضةِ «تَدعُ الصَّلاةَ أيامَ أقرائِها ثم تَغتسِلُ وتَصومُ وتُصلِّي وتَتوضَّأُ عندَ كلِّ صَلاةٍ» (١)، رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٩٧)، والترمذي (١٢٦).

وعن عائِشةَ قالَت: جاءَت فاطِمةُ بِنتُ أبي حُبَيشٍ إلى النَّبيِّ فذكَرَت خبَرَها ثم قالَ: «اغتَسلي، ثم تَوضَّئي لكلِّ صَلاةٍ وصَلِّي» (١) رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ، ولأنَّه خارِجٌ من السَّبيلِ فنقَضَ الوُضوءَ كالمَذيِ.

إذا ثبَتَ هذا فإنَّ طَهارةَ هؤلاء مُقيَّدةٌ بالوَقتِ لقَولِه: تَتوضَّأُ عندَ كلِّ صَلاةٍ، ولقَولِه: ثم تَوضَّئي لكلِّ صَلاةٍ، ولأنَّها طَهارةُ عُذرٍ وضَرورةٍ فتقَيَّدت بالوَقتِ كالتَّيممِ.

فَصلٌ: فإنْ تَوضَّأ أحدُ هؤلاء قبلَ الوَقتِ وخرَجَ منه شَيءٌ بطَلَت طَهارتُه؛ لأنَّ دُخولَه يَخرجُ به الوَقتُ الذي تَوضَّأ فيه، وخُروجُ الوَقتِ مُبطلٌ لهذه الطَّهارةِ كما قرَّرناه.

ولأنَّ الحَدثَ مُبطلٌ للطَّهارةِ وإنَّما عُفيَ عنه لعَدمِ إِمكانِ التَّحرُّزِ عنه مع الحاجةِ إلى الطَّهارةِ.

وإنْ تَوضَّأ بعدَ الوَقتِ صَحَّ وارتفَعَ حَدثُه ولم يُؤثِّرْ فيه ما يَتجدَّدُ من الحَدثِ الذي لا يُمكنُ التَّحرزُ منه.

فإنْ دخَلَ في الصَّلاةِ عُقَيبَ طَهارتِه أو أخَّرَها لأمرٍ يَتعلَّقُ بمَصلحةِ الصَّلاةِ كلُبسِ الثِّيابِ وانتِظارِ الجَماعةِ أو لم يَعلَمْ أنَّه خرَجَ منه شَيءٌ جازَ.

وإنْ أخَّرَها لغيرِ ذلك ففيه وَجهان أحدُهما الجَوازُ؛ لأنَّها طَهارةٌ أُريدَت

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٩٨)، والترمذي (١٢٥).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 715 - 718

ارجع إلى الحيض للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 21 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 22.1 / 29.5
الإضاءة 51%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
أستغفر الله