الإسلام > الطهارة > الحيض > وطء المستحاضة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةللصَّلاةِ بعدَ دُخولِ وَقتِها، فأشبَهَت التَّيممَ، ولأنَّها طَهارةُ ضَرورةٍ فتَقيَّدت بالوَقتِ كالتَّيممِ.
والثاني: لا يَجوزُ؛ لأنَّه إنَّما أُبيحَ له الصَّلاةُ بهذه الطَّهارةِ مع قيامِ الحَدثِ للحاجةِ والضَّرورةِ ولا ضَرورةَ ههنا.
وإنْ خرَجَ الوَقتُ بعدَ أنْ خرَجَ منها شَيءٌ أو أحدَثَت حَدثًا سِوى هذا الخارِجِ بطَلَت الطَّهارةُ، قالَ أحمدُ في رِوايةِ أحمدَ بنِ القاسِمِ: إنَّما أمَرَها أنْ تَتوضَّأَ لكلِّ صَلاةٍ فتُصليَ بذلك الوُضوءِ النافِلةَ والصَّلاةَ الفائِتةَ حتى يَدخلَ وَقتُ الصَّلاةِ الأُخرى فتَتوضَّأَ أيضًا، وهذا يَقتَضي إلحاقَها بالتَّيممِ في أنَّها باقيةٌ ببَقاءِ الوَقتِ يَجوزُ لها أنْ تَتطوَّعَ بها وتَقضيَ بها الفَوائتَ وتَجمعَ بينَ الصَّلاتَينِ ما لم تُحدِثْ حَدثًا آخَرَ أو يَخرجِ الوَقتُ.
فَصلٌ: ويَجوزُ للمُستحاضةِ الجَمعُ بينَ الصَّلاتَين بوُضوءٍ واحِدٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ حَمنةَ بِنتَ جَحشٍ بالجَمعِ بينَ الصَّلاتَينِ بغُسلٍ واحِدٍ وأمَرَ به سَهلةَ بِنتَ سُهيلٍ، وغيرُ المُستحاضةِ من أهلِ الأَعذارِ مَقيسٌ عليها ومُلحقٌ بها (١).
وَطءُ المُستَحاضةِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ وَطءُ المُستَحاضةِ؛ لأنَّ دَمَ الاستِحاضةِ ليسَ بأذًى يَمنعُ
(١) «المغني» (١/ ٤٣٨، ٤٤١).
الصَّلاةَ والصَّومَ، فوجَبَ ألَّا يَمنعَ الوَطءَ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهذه قد تطهَّرَت من الحَيضِ.
ولمَا رَواه عِكرمةُ عن حَمنةَ بِنتِ جَحشٍ رضي الله عنها: «أنَّها كانَت مُستحاضةً وكان زَوجُها يُجامِعُها» (١).
وفي صَحيحِ البُخاريِّ قالَ: قالَ ابنُ عَباسٍ: «المُستحاضةُ يَأتيها زَوجُها إذا صَلَّت، الصَّلاةُ أعظَمُ» (٢).
ولأنَّ المُستَحاضةَ كالطاهِرِ في الصَّلاةِ والصَّومِ والاعتِكافِ والقِراءةِ وغيرِها فكَذا في الوَطءِ، ولأنَّه دَمُ عِرقٍ لم يَمنعِ الوَطءَ كالناسُورِ، ولأنَّ التَّحريمَ بالشَّرعِ ولم يَرِدْ بتَحريمٍ، بل ورَدَ بإِباحةِ الصَّلاةِ التي هي أعظَمُ، كما قالَ ابنُ عَباسٍ.
ولأنَّ المُستَحاضةَ لها حُكمُ الطاهِراتِ في غيرِ مَحلِّ النِّزاعِ وجَبَ إلحاقُه بنَظائِرِه لا بالحَيضِ الذي لا يُشاركُه في شَيءٍ (٣).
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣١٠).
(٢) رواه البخاري معلّقًا في «صحيحه» (١/ ١٢٥).
(٣) «شرح صحيح البخاري» (١/ ٤٦١)، و «التمهيد» (١٦/ ٦٩، ٧١)، و «الاستذكار» (١/ ٣٥٢)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٨٦)، و «المجموع» (٢/ ٣٧٢، ٣٧٣)، و «شرح صحيح مسلم» (٤/ ١٧)، و «عمدة القاري» (٣/ ٢٧٧)، و «حاشية ابن عابدين» (١/ ٢٩٨)، و «الإنصاف» (١/ ٣٨٢).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَحرمُ وَطءُ المُستَحاضةِ إلا أنْ يَخافَ على نَفسِه لمَا رَوى الخَلَّالُ بإِسنادِه عن عائِشةَ أنَّها قالَت: «المُستَحاضةُ لا يَغشاها زَوجُها» (١)، ولأنَّ بها أذًى فيَحرمُ وَطؤُها كالحائِضِ.
فإنَّ اللهَ تَعالى منَعَ وَطءَ الحائِضِ، مُعلِّلًا بالأذَى بقَولِه ﷾: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أمَرَ باعتِزالِهنَّ عُقَيبَ الأذى، بفاءِ التَّعقيبِ، فسَمَّى الحَيضَ أذًى، وأمَرَ باعتِزالِ النِّساءِ من أجلِه، وهو دَمٌ خارِجٌ من الفَرجِ وأجمَعوا على نَجاسَتِه وغَسلِ الثَّوبِ منه، فكلُّ دَمٍ يَجبُ غَسلُه ويُحكمُ بنَجاستِه فحُكمُه حُكمُ دَمِ الحَيضِ في تَحريمِ الوَطءِ إذا وُجدَ في مَوضعِ الوَطءِ.
ولأنَّ الحُكمَ إذا ذُكرَ مع وَصفٍ يَقتَضيه ويَصلحُ له عُلِّلَ به كقَولِه تَعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والأذَى يَصلحُ أنْ يَكونَ عِلَّةً فيُعلَّلُ به، وهو مَوجودٌ في المُستحاضةِ فيَثبتُ التَّحريمُ في حَقِّها.
وإنْ خافَ على نَفسِه الوُقوعَ في مَحظورٍ إنْ ترَكَ الوَطءَ أُبيحَ له؛ لأنَّ حُكمَهما أخَفُّ من حُكمِ الحائِضِ، ولو وَطِئها من غيرِ خَوفٍ فلا كَفَّارةَ عليه؛ لأنَّ الوُجوبَ من الشَّرعِ، ولم يَرِدْ بإِيجابِها في حَقِّها ولا هي في مَعنى الحائِضِ لمَا بينَهما من الاختِلافِ.
(١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٦٠).
وإذا انقَطعَ دَمُها أُبيحَ وَطؤُها من غيرِ غُسلٍ؛ لأنَّ الغُسلَ ليسَ بواجِبٍ عليها، أشبَهَ سَلسَ البَولِ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ في جَوازِ وَطءِ المُستَحاضةِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
فقالَ قَومٌ: يَجوزُ وَطؤُها، وهو الذي عليه فُقهاءُ الأَمصارِ، وهو مَرويٌّ عن ابنِ عَباسٍ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وجَماعةٍ من التابِعينَ.
وقالَ قَومٌ: ليسَ يَجوزُ وَطؤُها، وهو مَرويٌّ عن عائِشةَ وبه قالَ النَّخعيُّ والحَكمُ.
وقالَ قَومٌ: لا يأتيها زَوجُها إلا أنْ يَطولَ ذلك بها، وبهذا القَولِ قالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ.
وسَببُ اختِلافِهم: هل إِباحةُ الصَّلاةِ لها هي رُخصةٌ لمَكانِ تَأكيدِ وُجوبِ الصَّلاةِ أو أُبيحَت لها الصَّلاةُ لأنَّ حُكمَها حُكمُ الطاهِرِ، فمَن رَأى أنَّ ذلك رُخصةٌ لم يُجِزْ لزَوجِها أنْ يَطأَها، ومَن رَأى أنَّ ذلك لأنَّ حُكمَها حُكمُ الطاهِرِ أَباح لها ذلك، وهي بالجُملةِ مَسألةٌ مَسكوتٌ عنها.
وأمَّا التَّفريقُ بينَ الطُّولِ وعَدمِ الطُّولِ فاستِحسانٌ (٢).
(١) «المغني» (١/ ٤٣٧، ٤٣٨)، و «شرح الزركشي» (١/ ١٣١)، و «الإنصاف» (١/ ٣٨٢).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٤٥، ٤٦).
كتاب الصلاة
ارجع إلى الحيض للاطلاع على جميع المسائل.