الترتيب

الإسلام > الطهارة > الوضوء > الترتيب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

الترتيب - الأقوال والأدلة

٣ - التَّرتيبُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّرتيبِ بينَ أَعضاءِ الوُضوءِ هل هو واجِبٌ أو سُنةٌ؟ على قَولَينِ:

القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والمُزنِيُّ وابنُ المُنذرِ وأبو نَصرٍ البَندنيجيُّ من الشافِعيةِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ التَّرتيبَ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ من سُننِ الوُضوءِ، وليسَ واجِبًا من واجِباتِه فلو غسَلَ ذراعَيه أو رِجلَيه قبلَ أنْ يَغسلَ وَجهَه أو قدَّمَ غَسلَ رِجلَيه قبلَ غَسلِ يَدَيه، أو مسَحَ رأسَه قبلَ غَسلِ وَجهِه عَمدًا أو غيرَ عَمدٍ فذلك يُجزئُه إذا أرادَ بذلك الوُضوءِ الصَّلاةَ.

وحُجتُهم أنَّ الواوَ في الآيةِ لا تَقتَضي التَّرتيبَ فكيفما غسَلَ المُتوضئُ أَعضاءَه كانَ مُمتثِلًا للأمرِ.

ولأنَّ ابنَ عَباسٍ رضي الله عنه رَوى أنَّ النَّبيَّ : «تَوضَّأ فغسَلَ وَجهَه ثم يَدَيه ثم رِجلَيه ثم مسَحَ رأسَه» (١).

ولأنَّها طَهارةٌ لم يَجبْ فيها تَرتيبٌ كالجَنابةِ، وكتَقديمِ اليَمينِ على

(١) ذكره ابن الجوزي في «التحقيق» (١/ ١٢٧)، وقالَ لا يصح. وضعفه النووي في «المجموع» (١/ ٥٠٨)، وقالَ الصَّنعانِيُّ في «سبل السلام» (١/ ٧٧): لا تُعرفُ له طريقٌ صَحيحةٌ حتى يتمَّ به الاستدلالُ.

الشِّمالِ، والمِرفَقِ على الكَعبِ، ولأنَّه لو اغتسَلَ المُحدِثُ دُفعةً واحِدةً ارتفَعَ حَدثُه؛ فدَلَّ على أنَّ التَّرتيبَ لا يَجبُ.

وقالَ الإمامُ مالِكٌ: يُستحبُّ لمَن نكَّسَ وُضوءَه ولم يُصَلِّ أنْ يَستأنفَ الوُضوءَ على نَسقِ الآيةِ ثم يُصليَ، فإنْ صلَّى ثم ذكَرَ ذلك لم نأمُرْه بإعادةِ الصَّلاةِ لكنَّه يُستحبُّ له استِئنافُ الوُضوءِ على النَّسقِ لمَا يُستقبلُ، ولا يَكونُ ذلك واجِبًا عليه (١).

القَولُ الثاني: ذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّرتيبَ في أَعضاءِ الوُضوءِ فَرضٌ، فلو نكَّسَ وُضوءَه عامِدًا أو ناسِيًا لم يُجزئْه ولا تُجزئُه صَلاتُه حتى يَكونَ وُضوؤُه على نَسقِ الآيةِ.

واحتَجُّوا على ذلك بالآيةِ، وقالوا: إنَّ فيها دِلالَتانِ:

إحداهُما: أنَّ اللهَ تَعالى ذكَرَ مَمسوحًا بينَ مَغسولاتٍ، وعادةُ العَربِ إذا ذُكرَت أشياءُ مُتجانسةٌ وغيرُ مُتجانسةٍ جمَعَت المُتجانسةَ على نَسقٍ ثم

(١) «الاستذكار» (١/ ١٤٣، ١٤٧)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٨)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ١٦٠)، و «مواهب الجليل» (١/ ٢٥٠)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٦٨، ٤٦٩) رد المحتار (١/ ٢٤٤)، و «بدائع الصنائع» (١/ ٩١)، و «البحر الرائق» (١/ ٢٨)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٣٧٠)، و «المجموع» (١/ ٥٠٤، ٥٠٨)، و «كفاية الأخيار» ص (٦٦)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٦١)، و «المغني» (١/ ١٧٢)، و «الإنصاف» (١/ ١٣٨)، و «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٠٧)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٢٦)، و «التحقيق» لابن الجوزي (١/ ١٢٤).

عطَفَت غيرَها لا يُخالِفونَ ذلك إلا لفائِدةٍ، فلو لم يَكُنِ التَّرتيبُ واجِبًا لمَا قطَعَ النَّظرَ عن نَظيرِه.

فإنْ قيلَ: فائِدتُه استِحبابُ التَّرتيبِ فالجَوابُ من وَجهَينِ:

أحدُهما: أنَّ الأمرَ للوُجوبِ على المُختارِ، وهو مَذهبُ جُمهورِ الفُقهاءِ.

والثاني: أنَّ الآيةَ بَيانٌ للوُضوءِ الواجِبِ لا للمَسنونِ فليسَ فيها شَيءٌ من سُننِ الوُضوءِ.

الدِّلالةُ الثانيةُ: أنَّ مَذهبَ العَربِ إذا ذكَروا أشياءَ وعطَفوا بَعضَها على بَعضٍ يَبتَدِئون الأقرَبَ فالأقرَبَ، لا يُخالِفون ذلك إلا لمَقصودٍ؛ فلمَّا بدَأَ سُبحانَه بالوَجهِ ثم اليَدينِ ثم الرأسِ ثم الرِّجلَينِ دَلَّ على الأمرِ بالتَّرتيبِ، وإلا لقالَ: فاغسِلوا وُجوهَكم وامسَحوا برُؤوسِكم واغسِلوا أَيديَكم وأرجُلَكم.

واحتَجُّوا أيضًا من السُّنةِ بالأَحاديثِ الصَّحيحةِ المُستفيضةِ عن جَماعاتٍ من الصَّحابةِ في صِفةِ وُضوءِ النَّبيِّ فكلُّهم وصَفوه مُرتَّبًا مع كَثرتِهم وكَثرةِ المَواطِنِ التي رأوْه فيها وكَثرةِ اختِلافِهم في صِفاتِه مَرةً ومَرتَين وثَلاثًا وغيرَ ذلك، ولم يَثبُتْ فيه مع اختِلافِ أَنواعِه صِفةٌ غيرُ مُرتبةٍ، وضَعَّفوا الحَديثَ الوارِدَ في ذلك، وفِعلُه بَيانٌ للوُضوءِ المَأمورِ به، ولو جازَ تَركُ التَّرتيبِ لتَرَكه في بعضِ الأَحوالِ لبَيانِ الجَوازِ كما ترَكَ التَّكرارَ في أَوقاتٍ، ولأنَّ الوُضوءَ عِبادةٌ تَشتمِلُ على أفعالٍ مُغايرةٍ يَرتبِطُ بَعضُها ببَعضٍ وجَبَ فيها التَّرتيبُ كالصَّلاةِ والحَجِّ (١).

(١) «الاستذكار» (١/ ١٤٣، ١٤٧)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٨)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ١٦٠)، و «مواهب الجليل» (١/ ٢٥٠)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٦٨، ٤٦٩)، و «المجموع» (١/ ٥٠٤، ٥٠٨)، و «كفاية الأخيار» ص (٦٦)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٦١)، و «التحقيق» لابن الجوزي (١/ ١٢٤)، و «المغني» (١/ ١٧٢)، و «الإنصاف» (١/ ١٣٨)، و «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٠٧).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 362 - 364

ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله