الإسلام > الطهارة > الوضوء > النية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةثانيًا: الفَرائِضُ المُختلَفُ فيها في الوُضوءِ:
١ - النِّيةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في النِّيةِ في الوُضوءِ هل هي فَرضٌ أو شَرطٌ لصِحةِ الوُضوءِ أو هي سُنةٌ مُستحبةٌ، وإنْ تَوضَّأ ولم يَنوِ صَحَّ الوُضوءُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ النِّيةَ فَرضٌ من فُروضِ الوُضوءِ وشَرطٌ من شَرائِطِه؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
والإِخلاصُ: هو عَملُ القَلبِ، وهو النِّيةُ والأمرُ به يَقتَضي الوُجوبَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ» (١)؛ لأنَّ لَفظةَ: «إنَّما» للحَصرِ، وليسَ المُرادُ صُورةَ العَملِ؛ فإنَّها تُوجدُ بلا نيةٍ، وإنَّما المُرادُ أنَّ حُكمَ العَملِ لا يَثبُتُ إلا بنِيةٍ.
ودَليلٌ آخَرُ هو قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نَوى» (٢).
وهذا لم يَنوِ الوُضوءَ فلا يَكونُ له.
قالوا: والمُرادُ بالحَديثِ لا يَكونُ العَملَ شَرعيًّا يَتعلَّقُ به ثَوابٌ وعِقابٌ إلا بنِيةٍ، ولأنَّ الوُضوءَ طَهارةٌ من حَدثٍ تُستباحُ به الصَّلاةُ فلم يَصحَّ بلا نيةٍ كالتَّيممِ، ولأنَّ الوُضوءَ عِبادةٌ ذاتُ أَركانٍ فوجَبَت فيها النِّيةُ كالصَّلاةِ،
(١) رواه البخاري (١).
(٢) رواه البخاري (١).
ويَنوي المُتوضِّئُ رَفعَ الحَدثِ، أو استِباحةَ مُفتقرٍ إلى طُهرٍ، كالصَّلاةِ والطَّوافِ ومَسِّ المُصحفِ، أو أداءَ فَرضِ الوُضوءِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ النِّيةَ في الوُضوءِ سُنةٌ، واستدَلُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. فأمَرَ بالغَسلِ والمَسحِ مُطلقًا عن شَرطِ النِّيةِ، ولا يَجوزُ تَقييدُ المُطلقِ إلا بدَليلٍ.
والآيةُ تَقضي بجَوازِ الصَّلاةِ بوُجودِ الغَسلِ سَواءٌ قارَنَته النِّيةُ أو لم تُقارِنْه؛ وذلك لأنَّ الغَسلَ اسمٌ شَرعيٌّ مَفهومُ المَعنى في اللُّغةِ، وهو إِمرارُ الماءِ على العُضوِ وليسَ هو عِبارةً عن النِّيةِ؛ فمَن شرَطَ فيه النِّيةَ فهو زائِدٌ في النَّصِّ.
وقَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣].
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: نُهيَ الجُنبُ عن قُربانِ الصَّلاةِ إذا لم يَكنْ عابِرَ سَبيلٍ إلى غايةِ الاغتِسالِ مُطلقًا عن شَرطِ النِّيةِ، فيَقتَضي انتِهاءَ حُكمِ النَّهيِ عندَ الاغتِسالِ المُطلقِ، وعندَه لا يَنتَهي إلا عندَ اغتِسالٍ مَقرونٍ بالنِّيةِ،
(١) «حاشية الدسوقي» (١/ ١٥١)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٥٧)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٥٧)، و «المجموع» (١/ ٣٧٥)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٤٧)، و «كفاية الأخيار» ص (٦٥)، و «المغني» (١/ ١٣٥)، و «كشاف القناع» (١/ ٨٥)، و «منار السبيل» (١/ ٣٤)، و «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٤).
وهذا خِلافُ الكِتابِ، ولأنَّ الأمرَ بالوُضوءِ لحُصولِ الطَّهارةِ لقَولِه تَعالى في آخِرِ الآيةِ: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [النساء: ٦] وحُصولُ الطَّهارةِ لا يَقفُ على النِّيةِ بل على استِعمالِ المُطهِّرِ في مَحلٍّ قابِلِ للطَّهارةِ، والماءُ مُطهِّرٌ؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ: «الماءُ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شَيءٌ»، وقالَ تَعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، والطَّهورُ اسمٌ للطاهِرِ في نَفسِه المُطهِّرِ لغيرِه، والمَحلُّ قابِلٌ على ما عُرفَ، وبه تَبيَّن أنَّ الطَّهارةَ عَملُ الماءِ خِلقةً وفِعلُ اللِّسانِ فَضلٌ في البابِ، حتى لو سالَ عليه المَطرُ أجزَأَه عن الوُضوءِ والغَسلِ فلا يُشترطُ لهما النِّيةُ إذِ اشتِراطُها لاعتِبارِ الفِعلِ الاختِياريِّ، وبه تَبيَّن أنَّ اللَّازمَ للوُضوءِ مَعنى الطَّهارةِ، ومَعنى العِبادةِ فيه مِنْ الزَّوائدِ، فإنِ اتَّصلَت به النِّيةُ يَقعُ عِبادةً، وإنْ لم يَتصلْ به لا يَقعْ عِبادةً، لكنَّه يَقعُ وَسيلةً إلى إِقامةِ الصَّلاةِ لحُصولِ الطَّهارةِ كالسَّعيِ إلى الجُمُعةِ (١).
قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وسَببُ اختِلافِهم -أي: الحَنفيةِ- مع الجُمهورِ تَردُّدُ الوُضوءِ بينَ أنْ يَكونَ عِبادةً مَحضةً، أعني: غيرَ مَعقولةِ المَعنى، وإنَّما يُقصدُ بها القُربةُ فقط، كالصَّلاةِ وغيرِها، وبينَ أنْ يَكونَ عِبادةً مَعقولةَ المَعنى، كغَسلِ النَّجاسةِ؛ فإنَّهم لا يَختلِفون أنَّ العِبادةَ المَحضةَ مُفتقرةٌ إلى النِّيةِ، وأنَّ العِبادةَ المَفهومةَ المَعنى غيرُ مُفتقرةٍ إلى النِّيةِ، والوُضوءُ فيه شَبهٌ
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٨٢، ٨٤)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٣٣٥، ٣٣٧)، و «رد المحتار» (١/ ٣٢٢).
من العِبادَتَين، ولذلك وقَعَ الخِلافُ فيه، وذلك أنَّه يَجمعُ عِبادةً ونَظافةً، والفِقهُ أنْ يُنظرَ بأيِّهما هو أَقوى شَبهًا فيُلحقَ به (١).
وقالَ الإمامُ الجُوينيُّ رحمة الله عليه: وقد اشتَمَلت آيةُ الوُضوءِ على بَيانٍ بالِغٍ فيه، فليَتَّخذْها أهلُ الزَّمانِ (٢) مَرجعَهم في أصلِ البابِ، وسيُتلَى القُرآنُ إلى فَجرِ القيامةِ، ثم الذي يَقتَضي الزَّمانُ الخالي عن الفُقهاءِ وناقِلي المَذاهبِ أنَّ النِّيةَ لا تَجبُ على المُتوضِّئِ إذْ ليسَ لها ذِكرٌ في الكِتابِ ولم يُنقلِ الوُضوءُ نَقلَ القُربِ التي شُرعَت مَقصودةً للتَّقرُّبِ إلى اللهِ ﷾ بل نُقلَت نَقلَ الذَّرائعِ والمُقدِّماتِ التي يُقصدُ بها غيرُها، فليسَ في نَقلِه المُطلقِ على الاستِفاضةِ والتَّواتُرِ إِشعارٌ بالنِّيةِ، وليسَ في كِتابِ اللهِ ما يُضمِّنُها، وكذلك القَولُ في التَّيممِ.
فإنْ قيلَ: التَّيممُ هو القَصدُ، فهلَّا أشعَرَ لَفظُه بالنِّيةِ؟ قُلنا: هو بمَعنى القَصدِ، ولكنَّه مَربوطٌ بالصَّعيدِ فيَجبُ من مُقتَضاه القَصدُ إلى التُّرابِ.
فهذا حُكمُ النِّيةِ في الزَّمانِ العاري عن ذِكرِ الأدِلةِ على اشتِراطِ النِّيةِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وقدِ اختَلَف أهلُ العِلمِ فيمَن تَوضَّأ وهو لا يَنوي بوُضوئِه الطَّهارةَ، فقالَت طائِفةٌ: لا يُجزئُه، كذلك قالَ الشافِعيُّ ورَبيعةُ بنُ أبي عبدِ الرَّحمنِ ومالِكٌ وأحمدُ وإِسحاقُ وأبو عُبيدٍ وأبو ثَورٍ،
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٧).
(٢) أي الزَّمانِ الخالِي من العُلماءِ ودُروسِ التَّفاصيلِ والأدلةِ.
(٣) «غياث الأمم» ص (٥١٢).
وليسَ بينَ الوُضوءِ والتَّيممِ عندَهم في ذلك فَرقٌ، وفرَّقَت طائِفةٌ بينَ الوُضوءِ والتَّيممِ فقالَت: يُجزئُ الوُضوءُ بغيرِ نيةٍ ولا يُجزئُ التَّيممُ إلا بنيةٍ، هذا قَولُ سُفيانَ الثَّوريِّ وأَصحابِ الرأيِ، قالَ الثَّوريُّ: إذا علَّمتَ رَجلًا التَّيممَ فلا يُجزئُك أنْ تُصليَ بذلك التَّيممِ إلا أنْ تَكونَ نَويتَ أنَّك تَتيمَّمُ لنَفسِك، فإذا علَّمتَه الوُضوءَ أجزَأَك.
وفيه قَولٌ ثالِثٌ حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ في الرَّجلِ يُعلِّمُ الرَّجلَ التَّيممَ وهو لا يَنوي أنْ يَتيمَّمَ لنَفسِه إنَّما علَّمَه ثم حضَرَت الصَّلاةُ، قالَ: يُصلِّي على تَيمُّمِه كما أنَّه لو تَوضَّأ هو لا يَنوي كانَ طاهِرًا، هذه حِكايةُ أبي المُغيرةِ عنه، وبه قالَ الحَسنُ بنُ صالِحٍ.
وحَكى الوَليدُ بنُ مُسلمٍ الأَوزاعيُّ أنَّه قالَ: لا يُجزئُه في التَّيممِ ويُجزئُه في الوُضوءِ.
وحَكى الوَليدُ مِثلَه عن مالِكٍ والثَّوريِّ.
قالَ أبو بَكرٍ: أمَّا حِكايَتُه عن الثَّوريِّ فكما حَكى لمُوافَقتِه حِكايةَ الأشجَعيِّ والعَدنِيِّ وعَبدِ الرَّزاقِ والفاريابيِّ عنه، وأمَّا ما حَكاه عن مالِكٍ فما رَواه أَصحابُ مالِكٍ عن ابنِ وَهبٍ وابنِ القاسِمِ أصَحُّ واللهُ أعلَمُ.
قالَ أبو بَكرٍ: دَلَّ قَولُ رَسولِ اللهِ ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيةِ» لمَا عَمَّ جَميعَ الأَعمالِ، ولم يَخصَّ منها شَيئًا أنَّ ذلك في الفَرائضِ والنَّوافلِ، ثم بيَّنَ تَصرُّفَ الإراداتِ، فقالَ: «مَنْ كانَت هِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه فهِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه، ومَن كانَت هِجرتُه إلى دُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ يَتزوَّجُها
ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.