الإسلام > الطهارة > الوضوء > تكرار مسح الرأس ثلاثا في الوضوء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 23 دقيقة قراءةتَكرارُ مَسحِ الرأسِ ثَلاثًا في الوُضوءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَكرارِ مَسحِ الرأسِ في الوُضوءِ هل يُستحبُّ مَرةً واحِدةً ولا يُزادُ عليها أو المُستحبُّ ثَلاثُ مَراتٍ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والإمامُ أحمدُ في المَشهورِ عنه -وهو وَجهٌ لبَعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ- إلى أنَّ مَسحَ الرأسِ يَكونُ مَرةً واحِدةً؛ ولأنَّه بالتَّكرارِ يَصيرُ غَسلًا، والمَأمورُ به المَسحُ.
قالَ الحَنابِلةُ: لا يُستحبُّ تَكرارُ مَسحِ الرأسِ؛ لأنَّ أكثَرَ مَنْ وصَفَ وُضوءَ النَّبيِّ ﷺ ذكَرَ أنَّه مسَحَ رأسَه مَرةً واحِدةً، وحِكايَتُهم لوُضوءِ النَّبيِّ ﷺ إخبارٌ عن الدَّوامِ، ولا يُداوَمُ إلا على الأفضَلِ الأكملِ؛ ولأنَّه مَسحٌ في طَهارةٍ، فلم يُستحبَّ تَكرارُه، كالمَسحِ في التَّيممِ، والمَسحِ على الجَبيرةِ، وسائِرِ المَسحِ.
قالَ أبو داودَ رحمة الله عليه: أَحاديثُ عُثمانَ الصِّحاحُ كلُّها تَدلُّ على أنَّ مَسحَ الرأسِ يَكونُ مَرةً؛ فإنَّهم ذكَروا الوُضوءَ ثَلاثًا ثَلاثًا، وقالوا فيها: ومسَحَ برأسِه، ولم يَذكُروا عَددًا، كما ذكَروه في غيرِه.
وكذا قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: إنَّ الثابِتَ عن النَّبيِّ ﷺ في المَسحِ أنَّه يَكونُ مَرةً واحدةً.
ولأنَّ المَسحَ مَبنيٌّ على التَّخفيفِ فلا يُقاسُ على الغُسلِ المُرادِ منه المُبالَغةُ في الإسباغِ؛ ولأنَّ العَددَ لو اعتُبِرَ في المَسحِ لصارَ في صُورةِ الغُسلِ، إذْ حَقيقةُ الغُسلِ جَريانُ الماءِ.
وقد بالَغَ أبو عُبيدٍ رحمة الله عليه فقالَ: لا نَعلمُ أحَدًا من السَّلفِ استحَبَّ تَثليثَ مَسحِ الرأسِ إلا إِبراهيمَ التَّيميَّ.
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: وفيما قالَ نَظرٌ، فقد نقَلَ ابنُ أبي شَيبةَ وابنُ المُنذرِ عن أنَسٍ وعَطاءٍ وغيرِهما، وقد رَوى أبو داودَ من وَجهَينِ صحَّحَ أحدَهما ابنُ خُزيمةَ وغيرُه في حَديثِ عُثمانَ تَثليثَ مَسحِ الرأسِ، والزِّيادةُ من الثِّقةِ مَقبولةٌ (١).
وذهَبَ الإمامُ الشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ نصَرَها أبو الخَطابِ وابنُ الجَوزيِّ إلى أنَّه يُسنُّ تَثليثُ مَسحِ الرأسِ.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «وأُحبُّ لو مسَحَ رَأسَه ثَلاثًا، ووَاحِدةٌ تُجزِئُه».
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: مَذهبُنا المَشهورُ الذي نَصَّ عليه الشافِعيُّ رضي الله عنه في كُتُبِه وقطَعَ به جَماهيرُ الأَصحابِ أنَّه يُستحبُّ مَسحُ الرأسِ ثَلاثًا، كما يُستحبُّ تَطهيرُ باقي الأَعضاءِ، ثم قالَ: واحتَجَّ الشافِعيُّ والأَصحابُ رحمهم الله بأَحاديثَ وأقيِسةٍ:
(١) «فتح الباري» (١/ ٣١٢، ٣١٣)، وينظر: «الاختيار» (١/ ٧)، و «الهداية» (١/ ١٣)، و «الدر المختار» (١/ ٢١٣)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٣)، و «التاج والإكليل» (١/ ٢٦١)، و «موهب الجليل» (١/ ٥٢)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٦٧)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٤٦٠)، و «الأوسط» (١/ ٣٩٤، ٣٩٧)، و «شرح صحيح مسلم» (٣/ ٩٢)، و «المجموع» (١/ ٤٩٥، ٥٠٠)، و «المغني» (١/ ١٥٩، ١٦١)، و «الإنصاف» (١/ ١٦٣)، و «كشاف القناع» (١/ ١٠٠، ١٠١)، و «معونة أولي النهى» (١/ ٢٩١، ٢٩٨)، و «سبل السلام» (١/ ٤٣)، و «نيل الأوطار» (١/ ١٩٦).
أحدُها: (وهو الذي اعتمَدَه الشافِعيُّ) حَديثُ عُثمانَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «تَوضَّأ ثَلاثًا ثَلاثًا» رَواه مُسلمٌ (١). ووَجهُ الدِّلالةِ منه قَولُه: تَوضَّأ، يَشملُ المَسحَ والغَسلَ، وقد منَعَ البَيهقيُّ وغيرُه الدِّلالةَ من هذا؛ لأنَّها رِوايةٌ مُطلقةٌ وجاءَت الرِّواياتُ الثابِتةُ في الصَّحيحِ المُفسِّرةُ بأنَّ غَسلَ الأَعضاءِ يَكونُ ثَلاثًا ثَلاثًا، وأنَّ مَسحَ الرأسِ يَكونُ مَرةً، فصرَّحوا بالثَّلاثِ في غيرِ الرأسِ، وقالوا في الرأسِ: ومسَحَ برأسِه، ولم يَذكُروا عَددًا، ثم قالوا بعدَه: ثم غسَلَ رِجلَيه ثَلاثًا ثَلاثًا، وجاءَت في رِواياتٍ في الصَّحيحِ: «ثم غسَلَ يَدَيه ثَلاثًا، ثم مسَحَ برأسِه مَرةً، ثم غسَلَ رِجلَيه ثَلاثًا ثَلاثًا»، فلم يَبقَ فيه دِلالةٌ.
الحَديثُ الثاني: «عن عُثمانَ رضي الله عنه أنَّه تَوضَّأ فمسَحَ على رأسِه ثَلاثًا، وقالَ: رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ تَوضَّأ هكذا» (٢). رَواه أبو داودَ بإِسنادٍ حَسنٍ، وقد ذكَر أيضًا الشَّيخُ أبو عَمرِو بنُ الصَّلاحِ أنَّه حَديثٌ حَسنٌ، وربَّما
(١) رواه مسلم (٢٣٠).
(٢) رواه أبو داود (١٠٧، ١١٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٦٣)، وقالَ الشَّيخُ الألبانِيُّ في صَحيحِ أبي داودَ (٩٨): حَسنٌ صَحيحٌ، وقالَ في تَمامِ المِنةِ (٩١) قد صَحَّ من حَديثِ عُثمانَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ مسَحَ رأسَه ثَلاثًا، رَواه أبو داودَ بسنَدَين حَسنَينِ. وله إِسنادٌ ثالِثٌ حَسنٌ أيضًا، وقد تكلَّمتُ عن هذه الأسانيدِ بشَيءٍ من التَّفصيلِ في «صَحيحِ أبي داودَ» رقم (٩٥، ٩٨)، وقد قالَ الحافِظُ في «الفتح»: وقد رَوى أبو داودَ من وَجهَين صحَّحَ أحدَهما ابنُ خُزيمةَ وغيرُه في حَديثِ عُثمانَ تَثليثَ مَسحِ الرأسِ، والزِّيادةُ من الثِّقةِ مَقبولةٌ، وذكَرَ في التَّلخيصِ أنَّ ابنَ الجَوزيِّ مالَ في (كَشفِ المُشكلِ) إلى تَصحيحِ التَّكرارِ.
قُلتُ: وهو الحَقُّ؛ لأنَّ رِوايةَ المَرةِ الواحِدةِ -وإنْ كثُرَت- لا تُعارِضُ رِوايةَ التَّثليثِ؛ إذِ الكَلامُ في أنَّه سُنةٌ، ومن شأنِها أنْ تُفعلَ أحيانًا، وهو اختِيارُ الصَّنعانِيِّ في سُبلِ السَّلامِ.
ارتفَعَ من الحَسنِ إلى الصِّحةِ بشَواهِدِه وكَثرةِ طُرقِه؛ فإنَّ البَيهَقيَّ وغيرَه رَوَوْه من طُرقٍ كَثيرةٍ غيرِ طَريقِ أبي داودَ.
الحَديثُ الثالِثُ: «عن علِيٍّ رضي الله عنه أنَّه تَوضَّأ فمسَحَ رأسَه ثَلاثًا ثم قالَ: رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فعَلَ» رَواه البَيهَقيُّ من طُرقٍ، وقالَ: أكثَرُ الرُّواةِ رَوَوْه عن علِيٍّ رضي الله عنه دونَ ذِكرِ التَّكرارِ. قالَ: وأحسَنُ ما رُويَ عن علِيٍّ رضي الله عنه فيه ما رَواه عنه ابنُه الحَسنُ بنُ علِيٍّ رضي الله عنه فذكَرَه بإِسنادِه عنه «وذكَرَ مَسحَ الرأسِ ثَلاثًا، وقالَ: هكذا رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَتوضَّأُ» (١)، وإِسنادُه حَسنٌ.
وأمَّا الأقيِسةُ فقالوا: أحَدُ أَعضاءِ الطَّهارةِ، فسُنَّ تَكرارُه كغيرِه. وقالوا: ولأنَّه إيرادُ أصلٍ على أصلٍ، فسُنَّ تَكرارُه كالوَجهِ، ثم قالَ: أمَّا أدِلةُ القائِلينَ بمَسحةٍ واحِدةٍ فأجابَ أَصحابُنا عنها بأجوِبةٍ كَثيرةٍ أحسَنُها: أنَّه نُقلَ عن رُواتِها المَسحُ ثلاثًا وواحِدةً كما سبَقَ، فوجَبَ الجَمعُ بينَهما فيُقالُ: الواحِدةُ لبَيانِ الجَوازِ، والثِّنتانِ لبَيانِ الجَوازِ وزِيادةِ الفَضيلةِ على الواحِدةِ، والثَّلاثُ للكَمالِ والفَضيلةِ، ويُؤيِّدُ هذا أنَّه رُويَ الوُضوءُ على أوجُهٍ كَثيرةٍ، فرُويَ على هذه الأَوجهِ المَذكورةِ، ورُويَ غَسلُ بعضِ الأَعضاءِ مَرةً وبَعضِها مرَّتينِ، ورُويَ على غيرِ ذلك، وهذا يَدلُّ على التَّوسِعةِ وأنَّه لا حَرجَ كيف تَوضَّأ على أحدِ هذه الأَوجهِ، ولم يَقُلْ أحدٌ من العُلماءِ: يُستحبُّ غَسلُ بعضِ الأَعضاءِ ثَلاثًا وبَعضِها مرَّتينِ مع أنَّ حَديثَه هكذا في
(١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٦٣).
الصَّحيحَينِ، فعُلمَ بذلك أنَّ القَصدَ بما سِوى الثَّلاثِ ببَيانِ الجَوازِ؛ فإنَّه لو واظَبَ ﷺ على الثَّلاثِ لظُنَّ أنَّه واجِبٌ فبيَّنَ في أَوقاتِ الجَوازِ بدونِ ذلك، وكرَّرَ ببَيانِه في أَوقاتٍ، وعلى أوجُهٍ ليَستقرَّ مَعرفتُه ولاختِلافِ الحاضِرينَ الذين لم يَحضُروا الوَقتَ الآخَرَ.
فإنْ قيلَ: فإذا كانَ الثَّلاثُ أفضَلَ فكيف ترَكَه في أَوقاتٍ؟ فالجَوابُ ما قدَّمناه أنَّه قصَدَ ﷺ البَيانَ، وهو واجِبٌ عليه ﷺ فثَوابُه فيه أكثَرُ، وكانَ البَيانُ بالفِعلِ آكَدَ وأقوى في النُّفوسِ وأوضَحَ من القَولِ.
وأمَّا أبو داودَ وغيرُه فجَوابُه من وَجهَينِ:
أحدُهما: أنَّه قالَ: الأَحاديثُ الصِّحاحُ، وهذا حَديثٌ حَسَنٌ غيرُ داخِلٍ في قَولِه.
والثاني: أنَّ عُمومَ إطلاقِه مَخصوصٌ بما ذكَرْناه من الأَحاديثِ الحِسانِ وغيرِها.
وأمَّا الجَوابُ عن قياسِهم على التَّيممِ ومَسحِ الخُفِّ فهو أنَّهما رُخصةٌ؛ فناسَبَ تَخفيفَها؛ والرأسُ أصلٌ؛ فإلحاقُه بباقي أَعضاءِ الوُضوءِ أَولى، وأمَّا قَولُهم: تَكرارُه يُؤدِّي إلى غَسلِه، فلا نُسلِّمُ به؛ لأنَّ الغَسلَ جَريانُ الماءِ على العُضوِ، وهذا لا يَحصلُ بتَكرارِ المَسحِ ثَلاثًا، وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الجُنبَ لو مسَحَ بَدنَه بالماءِ وكرَّرَ ذلك لا تَرتفِعُ جَنابَتُه بل يُشتَرَطُ جَريُ الماءِ على الأَعضاءِ (١).
(١) «المجموع» (١/ ٤٩٥، ٥٠٠)، و «شرح صحيح مسلم» (٣/ ٩٢)، و «الأم» (١/ ٢٦)، و «المغني» (١/ ١٥٩، ١٦١)، و «الإنصاف» (١/ ١٦٣)، و «التحقيق» لابن الجوزي (١/ ١١٢)، و «سبل السلام» (١/ ٤٣)، و «نيل الأوطار» (١/ ١٩٦).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطهارة من الحدث
كتاب الوضوء
كِتَابُ الطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ كِتَابُ الْوُضُوءِ الْبَابُ الْأَوَّلُ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ
ِ فَنَقُولُ: إِنَّهُ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ طَهَارَتَانِ: طَهَارَةٌ مِنَ الْحَدَثِ، وَطَهَارَةٌ مِنَ الْخَبَثِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنَ الْحَدَثِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: وُضُوءٌ، وَغُسْلٌ، وَبَدَلٌ مِنْهُمَا وَهُوَ التَّيَمُّمُ، وَذَلِكَ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ آيَةَ الْوُضُوءِ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ، فَلْنَبْدَأْ مِنْ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ فِي الْوُضُوءِ، فَنَقُولُ:
كِتَابُ الْوُضُوءِ إِنَّ الْقَوْلَ الْمُحِيطَ بِأُصُولِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهَا، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ، وَمَتَى تَجِبُ.
الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ أَفْعَالِهَا.
الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا بِهِ تُفْعَلُ وَهُوَ الْمَاءُ.
الرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ نَوَاقِضِهَا.
الْخَامِسُ: فِي مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُفْعَلُ مِنْ أَجْلِهَا.
الْبَابُ الْأَوَّلُ فَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِا فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} المائدة: ٦ الْآيَةَ.
فَإِنَّهُ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ امْتِثَالَ هَذَا الْخِطَابِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ إِذَا دَخَلَ وَقْتُهَا.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل آداب الوضوء
بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ بَلْ ثَبَتَ رُخْصَةً، وَمَبْنَى الرُّخْصَةِ عَلَى الْخِفَّةِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَرَأَيْتُهُ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَرَأَيْتُهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَا رَأَيْتُهُ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ عَلَّمَ النَّاسَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً (وَأَمَّا) حِكَايَةُ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ رضي الله عنهما فَالْمَشْهُورُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا مَسَحَا مَرَّةً وَاحِدَةً، كَذَا ذَكَرَ أَبُو دَاوُد، فِي سُنَنِهِ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ، وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَذَا رَوَى عَبْدُ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي رَحْبَةِ الْكُوفَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَنْظُرْ إلَى وُضُوئِي هَذَا.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
باب سنة الوضوء
باب سنة الوضوء
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ " " .
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا قَامَ الرَّجُلُ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ نَوْمٍ أَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ فَأُحِبُّ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ أَعْمَالِ وُضُوئِهِ التَّسْمِيَةُ فَيَقُولُ: " بِسْمِ اللَّهِ " وَهِيَ سنة. وقال أبو حامد الإسفرايني: هِيَ هَيْئَةٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْهَيْئَةِ وَالسُّنَّةِ بِأَنْ قَالَ: الْهَيْئَةُ مَا تَهَيَّأَ بِهِ لِفِعْلِ الْعِبَادَةِ، وَالسُّنَّةُ مَا كَانَتْ فِي أَفْعَالِهَا الرَّاتِبَةِ فِيهَا وهكذا نقول في غسل الكفين: وهذا يعد في العبارة مَعَ تَسْلِيمِ الْمَعْنَى.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: التسمية واجبة فإن تركها عامدا بطل وضوءه وَإِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا أَجْزَأَهُ.
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ هِيَ وَاجِبَةٌ وَإِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ يُجْزِهِ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَهِ عليه " .
ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.