الإسلام > الطهارة > الوضوء > ثالثا: النوم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةقياسًا على مَنْ يَغلبُه الدَّمُ من جُرحٍ ولا يَنقطِعُ، مِثلَما رُويَ أنَّ عُمرَ رضي الله عنه صلَّى وجُرحُه يَثغَبُ دَمًا (١).
ثالِثًا: النَّومُ:
النَّومُ: هو فَترةٌ طَبيعيةٌ تَحدثُ للإِنسانِ بلا اختِيارٍ منه تَمنعُ الحَواسَّ الظاهِرةَ والباطِنةَ عن العَملِ مع سَلامتِها واستِعمالِ العَقلِ مع قيامِه فيَعجِزُ العَبدُ عن أداءِ الحُقوقِ.
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ النَّومَ في الجُملةِ يَنقضُ الوُضوءَ، وكذا نَومُ المُضطجِعِ والمُستنِدِ والمُتَّكئِ يَنقضُ الوُضوءَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «العَينُ وِكاءُ السَّهِ (٢)، فمَن نامَ فليَتوضَّأْ» (٣).
ثم اختَلَفوا فيمَن نامَ على حالةٍ من أَحوالِ المُصلِّينَ أو نامَ مُمكِّنًا مَقعَدتَه من الأرضِ هل يَنتقضُ وُضوؤُه أو لا؟
فقالَ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: لا يَنقضُ، وإنْ طالَ، إذا كانَ على حالةٍ من أَحوالِ الصَّلاةِ، فأمَّا إذا وقَعَ على جَنبِه واضطَجعَ انتَقضَ وُضوؤُه.
قالَ أبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: إنَّ المُوجبَ للوُضوءِ هو النَّومُ المُعتادُ الذي يَجوزُ أنْ يُقالَ فيه إنَّه قامَ من النَّومِ، ومَن نامَ قاعِدًا أو ساجِدًا أو راكِعًا لا يُقالُ: إنَّه قامَ من النَّومِ، وإنَّما يُطلقُ ذلك في نَومِ المُضطجِعِ.
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٥٨، ٦٠)
(٢) «السَّهِ»: حَلقةُ الدُّبرِ «والوِكاءُ»: الخَيطُ الذي يُربطُ به فَمُ القِربةِ، فجعَلَ اليَقظةَ للعَينِ مِثلَ الوِكاءِ للقِربةِ، فإذا نامَت العَينُ استُطلِقَ ذلك الوِكاءُ وكانَ منه الحَدثُ.
(٣) سيَأتي تَخريجُه.
ثم قالَ: وقد اتَّفقَ السَّلفُ وسائِرُ فُقهاءِ الأَمصارِ على نَفيِ إِيجابِ الوُضوءِ على مَنْ نامَ قاعِدًا غيرَ مُستنِدٍ إلى شَيءٍ، رَوى عَطاءٌ عن ابنِ عَباسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ: «أخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ ذاتَ لَيلةٍ حتى نامَ الناسُ ثم استَيقَظوا فجاءَه عُمرُ فقالَ: الصَّلاةَ يا رَسولَ اللهِ، فخرَجَ وصَلَّى ولم يَذكُرْ أنَّهم تَوضَّؤوا» (١).
ورُويَ عن أنَسٍ قالَ: «كُنَّا نَجيءُ إلى مَسجدِ رَسولِ اللهِ ﷺ نَنتظِرُ الصَّلاةَ فمِنَّا مَنْ نعَسَ ومِنَّا مَنْ نامَ ولا نُعيدُ وُضوءًا» (٢).
وقد ذكَرنا اختِلافَ الفُقهاءِ في ذلك في غيرِ ذلك المَوضعِ، ورَوى أبو يُوسفَ عن مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ عن عَطاءٍ عن ابنِ عَباسٍ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه كانَ يُصلِّي الصُّبحَ ولا يَتوضَّأُ فسُئِلَ عن ذلك فقالَ: «إنِّي لستُ كأحدِكم، إنَّه تَنامُ عَينايَ ولا يَنامُ قَلبي، لو أحدَثتُ لعَلمتُه» (٣).
وهذا الحَديثُ يَدلُّ على أنَّ النَّومَ في نَفسِه ليسَ بحَدثٍ، وإنَّ إِيجابَ الوُضوءِ فيه إنَّما هو لمَا عسَى أنْ يَكونَ فيه من الحَدثِ الذي لا يَشعرُ به، وهو الغالِبُ في حالِ النائِمِ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «العَينُ وِكاءُ السَّهِ، فإذا نامَتِ العَينُ استَطلَقَ الوِكاءُ» (٤)، فلمَّا كانَ الأغلَبُ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وسيَأتي تَخريجُه.
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وسيَأتي تَخريجُه.
(٣) لم أقِفْ عليه بهذا اللَّفظِ، إنَّما الثابِتُ في الصَّحيحَين لَفظُ: «تَنامُ عَينايَ ولا يَنامُ قَلبِي» رواه البخاري (١١٤٧)، ومسلم (٧٣٨).
(٤) حَدِيثٌ حَسَنٌ: وسيَأتي تَخريجُه.
في النَّومِ الذي يَستثقِلُ فيه النائِمُ وُجودَ الحَدثِ فيه حُكمَ له بحُكمِ الحَدثِ، هذا في النَّومِ المُعتادِ الذي يَضعُ النائِمُ جَنبَه فيه على الأرضِ ويَكونُ في المُضطجِعِ من غيرِ عِلمٍ منه بما يَكونُ منه، فإذا كانَ جالِسًا أو على حالٍ من أَحوالِ الصَّلاةِ لغيرِ ضَرورةٍ مِثلَ القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ لم تَنتقِضْ طَهارتُه؛ لأنَّ هذه الأَحوالَ يَكونُ الإِنسانُ فيها مُتحفِّظًا وإنْ كانَ منه حَدثٌ علِمَ به (١).
أمَّا عندَ المالِكيةِ: فالصَّحيحُ عندَهم أنَّ العِبرةَ بصِفةِ النَّومِ لا بهَيئةِ النائِمِ من اضطِجاعٍ أو قيامٍ أو غيرِهما، فمَتى كانَ النَّومُ ثَقيلًا: نقَضَ بكلِّ حالٍ، سَواءٌ أكانَ النائِمُ مُضطجِعًا أم ساجِدًا أم جالِسًا أم قائِمًا، وعَلامةُ النَّومِ الثَّقيلِ: ما لا يَشعرُ صاحِبُه بالأَصواتِ المُرتفِعةِ القَريبةِ منه، أو كانَ بيَدِه شَيءٌ فسقَطَ ولم يَشعُرْ به.
وإنْ كانَ النَّومُ غيرَ ثَقيلٍ بأنْ سمِعَ الأَصواتَ المَرتفِعةَ القَريبةَ منه أو شعَرَ بسُقوطِ ما كانَ بيَدِه أو شعَرَ بسَيلانِ رِيقِه، فلا نَقضَ بحالٍ حينَئذٍ؛ لخِفتِه، وهذه طَريقةُ اللَّخميِّ.
واعتبَرَ بَعضُهم صِفةَ النَّومِ مع الثِّقلِ، وصِفةَ النائِمِ مع النَّومِ غيرِ الثَّقيلِ، فأمَّا النَّومُ الثَّقيلُ فيَجبُ منه الوُضوءُ على أيِّ حالٍ، وعلى أيِّ هَيئةٍ كانَ.
وأمَّا غيرُ الثَّقيلِ فقالوا: يَجبُ الوُضوءُ في الاضطِجاعِ والسُّجودِ، ولا
(١) «أحكام القرآن» (٣/ ٣٢٢، ٣٣٣)، و «بدائع الصنائع» (١/ ١٢٣، ١٢٧)، و «رد المحتار» (١/ ٢٠٧).
يَجبُ في القيامِ والجُلوسِ، قالَ الصاويُّ: وعَزا في «التَّوضيح» هذه الطَّريقةَ لعَبدِ الحَقِّ وغيرِه، ولكنَّ الطَّريقةَ الأُولى هي الأشهَرُ، وهي طَريقةُ ابنِ مَرزوقٍ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ: فالصَّحيحُ عندَهم الذي نَصَّ عليه الإمامُ الشافِعيُّ في كُتُبِه هو ما حَكاه الإمامُ النَّوويُّ حيثُ قالَ: وهو الصَّحيحُ من حيثُ المَذهبُ، والدَّليلُ أنَّه إنْ نامَ مُمكِّنًا مَقعَدتَه من الأرضِ أو نَحوِها لم يَنتقضْ، وإنْ لم يَكنْ مُمكِنًا انتقَضَ على أيِّ هَيئةٍ كانَ في الصَّلاةِ وغيرِها.
وقَليلُ النَّومِ وكَثيرُه سَواءٌ عندَهم جَمعًا بينَ الأَحاديثِ الوارِدةِ في ذلك، منها حَديثُ علِيٍّ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «العَينانِ وِكاءُ السَّهِ فمَن نامَ فليَتوضَّأْ» (٢)، وحَديثُ صَفوانَ رضي الله عنه مَرفوعًا: «ولكنْ مِنْ غائِطٍ وبَولٍ ونَومٍ» (٣)، وحَديثُ أنَسٍ رضي الله عنه: «كانَ أَصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَنامونَ ثم يُصلُّونَ ولا يَتوضَّؤونَ»، وفي رِوايةٍ: «حتى تَخفِقَ رُؤوسُهم» (٤).
(١) «الشرح الصغير مع بلغة السالك» (١/ ٩٨)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (١/ ١٩٢)، و «الإفصاح» (١/ ٧٤).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧)، وغيرهما وحسنه النووي في «المجموع» (٢/ ٢٣).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (٩٦)، والنسائي (١٥٨)، وأحمد (١٨١١٦، ١٨١٢٠)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٧، ١٩٦).
(٤) رواه مسلم (٣٧٦)، وأبو داود (٢٠٠).
وعن أنَسٍ قالَ: أُقيمَت صَلاةُ العِشاءِ فقالَ رَجلٌ: لي حاجةٌ، فقامَ النَّبيُّ ﷺ: «يُناجيه حتى نامَ القَومُ أو بعضُ القَومِ ثم صَلَّوْا» وفي رِوايةٍ: «حتى نامَ أَصحابُه ثم جاءَ فصَلَّى بهم» رَواهُما مُسلمٌ في صَحيحِه (١).
وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ: «شُغلَ لَيلةً عن العِشاءِ فأخَّرَها حتى رقَدنا في المَسجدِ ثم استَيقَظنا ثم رقَدنا ثم استَيقَظنا ثم خرَجَ علينا» وعن ابنِ عَباسٍ: «أعتَمَ رَسولُ اللهِ ﷺ لَيلةً بالعِشاءِ حتى رقَدَ الناسُ واستَيقَظوا ورَقَدوا واستَيقَظوا» (٢).
رَوى البُخاريُّ في صَحيحِه هذَين الحَديثَينِ بهذا اللَّفظِ وظاهِرهُما أنَّهم صَلَّوْا بذلك الوُضوءِ.
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ورَوى مالِكٌ والشافِعيُّ بإِسنادٍ صَحيحٍ أنَّ ابنَ عُمرَ رضي الله عنه: «كانَ يَنامُ وهو جالِسٌ ثم يُصلِّي ولا يَتوضَّأُ» ولأنَّ النائمَ غيرُ المُمكِّنِ يَخرجُ منه الرِّيحُ غالِبًا، فأَقامَ الشَّرعُ هذا الظاهِرَ مَقامَ اليَقينِ، كما أَقامَ شَهادةَ الشاهِدينِ التي تُفيدُ الظَّنَّ مَقامَ اليَقينِ في شَغلِ الذِّمةِ.
وأمَّا عن الحَديثِ الأولِ؛ فإنَّه مَحمولٌ على نَومِ غيرِ المُمكِّنِ وهذا يَتعيَّنُ المَصيرُ إليه للجَمعِ بينَ الأَحاديثِ الصَّحيحةِ.
وقالَ النَّوويُّ: قالَ الشافِعيُّ في «الأُم» والأَصحابُ: لا يَنتقضُ الوُضوءُ بالنُّعاسِ وهو السِّنَةُ، وهذا لا خِلافَ فيه، ودَليلُه من الأَحاديثِ حَديثُ ابنِ
(١)
(٢) رواه البخاري (٥٤٥)، ومسلم (٦٣٩).
عَباسٍ رضي الله عنه قالَ: «قامَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَعني يُصلِّي في اللَّيلِ، فقُمتُ إلى جَنبِه الأيسَرِ فجعَلَني في شِقِّه الأيمَنِ فجعَلَت إذا أغفَيتُ يَأخذُ بشَحمةِ أُذُني، فصلَّى إحدَى عَشرةَ رَكعةً» رَواه مُسلمٌ (١).
قالَ الشافِعيُّ والأَصحابُ: والفَرقُ بينَ النَّومِ والنُّعاسِ أنَّ النَّومَ فيه غَلبةٌ على العَقلِ وسُقوطُ حاسةِ البَصرِ وغيرِها، والنُّعاسُ لا يَغلبُ على العَقلِ وإنَّما تَفتُرُ فيه الحَواسُّ بغيرِ سُقوطٍ (٢).
أمَّا الحَنابِلةُ: فالنَّومُ يَنقسِمُ عندَهم إلى ثَلاثةِ أَقسامٍ:
الأولُ: نَومُ المُضطجِعِ: فيَنقضُ الوُضوءَ يَسيرُه وكَثيرُه، وهذا قَولُ كلِّ مَنْ يَقولُ بنَقضِ النَّومِ.
والثاني: نَومُ القاعِدِ: إنْ كانَ كَثيرًا نقَضَ، رِوايةً واحِدةً، وإنْ كانَ يَسيرًا لم يُنقضْ.
واستدَلُّوا على ذلك بعُمومِ حَديثِ: «العَينُ وِكاءُ السَّهِ، فمَن نامَ فليَتوضَّأْ» وقَولُ صَفوانَ بنِ عَسَّالٍ رضي الله عنه: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَأمُرُنا إذا كُنَّا سَفرًا ألَّا ننزِعَ خِفافَنا ثَلاثةَ أيامٍ ولَياليَهنَّ إلا مِنْ جَنابةٍ، ولكنْ من غائِطٍ وبَولٍ ونَومٍ» قالوا: وإنَّما خصَّصْناهما باليَسيرِ لحَديثِ أنَسٍ
(١)
(٢) «المجموع» (٢/ ١٧، ٢٧)، و «شرح صحيح مسلم» (٤/ ٦٦)، و «طرح التثريب» (٢/ ٤٥)، و «مغني المحتاج» (١/ ١١٥)، و «كفاية الأخيار» ص (٧٧)، و «الإفصاح» (١/ ٧٤).
رضي الله عنه: «كانَ أَصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَنامونَ ثم يُصلُّونَ ولا يَتوضَّؤونَ»، وليسَ فيه بَيانُ كَثرةٍ ولا قِلةٍ؛ فإنَّ النائِمَ يَخفِقُ رَأسُه من يَسيرِ النَّومِ، فهو يَقينٌ في اليَسيرِ، فيَعملُ به، وما زادَ عليه فهو مُحتمَلٌ لا يُتركُ له العُمومُ المُتيقَّنُ، ولأنَّ نَقضَ الوُضوءِ بالنَّومِ يُعلَّلُ بإفضائِه إلى الحَدثِ، ومع الكَثرةِ والغَلبةِ يُفضي إليه، ولا يُحسُّ بخُروجِه منه، بخِلافِ اليَسيرِ، ولا يَصحُّ قياسُ الكَثيرِ على اليَسيرِ لاختِلافِهما في الإفضاءِ إلى الحَدثِ.
وعن الإمامِ أحمدَ: أنَّه لا يَنقضُ، وعنه: لا يَنقضُ نَومُ الجالِسِ ولو كان كَثيرًا، واختارَه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ، وحُكيَ عنه لا يَنقضُ غيرُ نَومِ المُضطجِعِ.
الثالِثُ: ما عَدا هاتَين الحالَتينِ وهو نَومُ القائِمِ والراكِعِ والساجِدِ، فورَدَ عن أحمدَ في جَميعِ ذلك رِواياتٌ:
إِحداها: يَنقضُ، وهو المَذهبُ؛ لأنَّه لم يَرِدْ في تَخصيصِه من عُمومِ أَحاديثِ النَّقضِ نَصٌّ، ولا هو في مَعنى المَنصوصِ؛ لكَونِ القاعِدِ مُتحفِّظًا لاعتِمادِه بمَحلِّ الحَدثِ إلى الأرضِ، والراكِعُ والساجِدُ يَنفرِجُ مَحلُّ الحَدثِ منهما.
والثانيةُ: لا يَنقضُ إلا إذا كثُرَ.
قالَ في «الإنصاف»: الصَّحيحُ من المَذهبِ أنَّ نَومَ القائِمِ كنَومِ الجالِسِ فلا يَنقضُ الكَثيرُ منه، نَصَّ عليه.
ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.