ثانيا: خروج النجاسة من غير السبيلين

الإسلام > الطهارة > الوضوء > ثانيا: خروج النجاسة من غير السبيلين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

ثانيا: خروج النجاسة من غير السبيلين - الأقوال والأدلة

ثانيًا: خُروجُ النَّجاسةِ من غيرِ السَّبيلَينِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خرَجَ شَيءٌ من النَّجاساتِ من سائِرِ البَدنِ غيرِ السَّبيلَينِ كالجُرحِ والفِصادِ والحِجامةِ والرُّعافِ والقَيءِ والدَّمِ هل يَنتقِضُ وُضوؤُه أو لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ النَّجاساتِ الخارجةَ من غيرِ السَّبيلَينِ من أيِّ مَوضِعٍ كانَ ناقِضةٌ للوُضوءِ، لكنَّ الإمامَ أحمدَ رحمة الله عليه قالَ: إذا كانَ الخارِجُ فاحِشًا كَثيرًا، أمَّا إذا كانَ الخارِجُ يَسيرًا فعلى رِوايَتينِ:

إحداهُما: يَنقُضُ.

والأُخرى: لا يَنقُضُ، وهي الصَّوابُ.

قالَ البُهوتيُّ: وأمَّا كَونُ القَليلِ من ذلك لا يَنقُضُ فلمَفهومِ قَولِ ابنِ عَباسٍ في الدَّمِ: إنْ كانَ فاحِشًا فعليه الإعادةُ، قالَ أحمدُ: عِدةٌ من الصَّحابةِ تَكلَّموا فيه، وابنُ عُمرَ عصَرَ بَثرةً فخرَجَ الدَّمُ فصَلَّى ولم يَتوضَّأْ، وابنُ أبي أوْفَى عصَرَ دُمَّلًا، وذكَرَ غيرَهما ولم يُعلَمْ لهم مُخالِفٌ من الصَّحابةِ، فكانَ إِجماعًا (١).

(١) «كشاف القناع» (١/ ١٢٤)، و «بدائع الصنائع» (١/ ١٠١)، و «الهداية» (١/ ١٤)، و «البحر الرائق» (١/ ٣٣)، و «رد المحتار» (١/ ٢٦٠، ٢٦١)، و «التلقين» (١/ ٤٧)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ١٩٠)، و «بلغة السالك» (١/ ٩٤)، و «كفاية الأخيار» ص (٧٦)، و «المغني» (١/ ٢٢٠)، و «التحقيق» (١/ ١٤٣)، و «نيل الأوطار» (١/ ٢٣٥)، و «منار السبيل» (١/ ٤٤)، و «عون المعبود» (١/ ٢٣١)

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنَّ خُروجَ هذه الأشياءِ غيرُ ناقِضٍ للوُضوءِ.

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: سَواءٌ قَلَّ ذلك أو كثُرَ، وإنَّما يَلزمُ تَطهيرُ المَوضعِ الذي أصابَتْه النَّجاسةُ الخارِجةُ من سائِرِ البَدنِ، ويَبقَى الوُضوءُ إلا إذا انتُقضَ بسَببٍ آخَرَ؛ ولأنَّ الأصلَ أنَّه لا نَقضَ حتى يَثبُتَ بالشَّرعِ، ولم يَثبُتْ، والقياسُ مُمتنعٌ في هذا البابِ؛ لأنَّ عِلةَ النَّقضِ غيرُ مَعقولةٍ.

قالَ النَّوويُّ: قالَ أبو بَكرِ بنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: لا وُضوءَ في شَيءٍ من ذلك؛ لأنَّي لا أعلَمُ مع مَنْ أوجَبَ الوُضوءَ فيه حُجةً.

قالَ النَّوويُّ: هذا كَلامُ ابنِ المُنذرِ الذي لا شَكَّ في إتْقانِه وتَحقيقِه وكَثرةِ اطِّلاعِه على السُّنةِ ومَعرفتِه بالدَّلائلِ الصَّحيحةِ وعَدمِ تَعصُّبِه (١).

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: والأظهَرُ أنَّه لا يَجبُ الوُضوءُ من مَسِّ الذَّكرِ ولا النِّساءِ ولا خُروجِ النَّجاساتِ من غيرِ السَّبيلَينِ ولا القَهقهةِ ولا غُسلِ المَيِّتِ؛ فإنَّه ليسَ مع المُوجِبين دَليلٌ صَحيحٌ، بل الأدِلةُ الراجِحةُ تَدلُّ على عَدمِ الوُجوبِ لكنَّ الاستِحبابَ مُتوجَّهٌ ظاهِرٌ؛ فيُستحبُّ أنْ يَتوضَّأَ (٢).

وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: وبهذه الطَّريقةِ يُعلمُ أنَّه لم يُوجِبْ -أي: النَّبيُّ الوُضوءَ مِنْ لَمسِ النِّساءِ ولا مِنْ النَّجاساتِ الخارِجةِ من

(١) «المجموع» (٢/ ٦٥).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٢٥، ٥٢٦).

غيرِ السَّبيلَينِ؛ فإنَّه لم يَنقُلْ أحَدٌ بإِسنادٍ يَثبُتُ مِثلُه أنَّه أمَرَ بذلك مع العِلمِ بأنَّ الناسَ كانوا لا يَزالونَ يَحتَجِمونَ ويَتقيَّؤونَ ويُجرَحونَ في الجِهادِ وغيرِ ذلك، وقد قطَعَ عِرقَ بعضِ أَصحابِه ليُخرجَ منه الدَّمَ، وهو الفِصادُ، ولم يَنقُلْ عنه مُسلمٌ أنَّه أمَرَ أَصحابَه بالتَّوضُّؤِ من ذلك (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اختَلفَ عُلماءُ الأَمصارِ في انتِقاضِ الوُضوءِ مما يَخرجُ من الجَسدِ من النَّجسِ على ثَلاثةِ مَذاهبَ: فاعتبَرَ قَومٌ في ذلك الخارِجَ وَحدَه من أيِّ مَوضعٍ خرَجَ، وهو أبو حَنيفةَ وأَصحابُه والثَّوريُّ وأحمدُ وجَماعةٌ، ولهم من الصَّحابةِ السَّلفُ فقالوا: كلُّ نَجاسةٍ تَسيلُ من الجَسدِ وتَخرجُ منه يَجبُ منها الوُضوءُ كالدَّمِ والرُّعافِ الكَثيرِ والفَصدِ والحِجامةِ والقَيءِ إلا البَلغمَ عندَ أبي حَنيفةَ.

وقالَ أبو يُوسفَ من أَصحابِ أبي حَنيفةَ: إنَّه إذا ملَأَ الفَمَ ففيه الوُضوءُ، ولم يَعتبِرْ أحَدٌ من هؤلاء اليَسيرَ من الدَّمِ إلا مُجاهدًا، واعتبَرَ قَومٌ آخَرونَ المَخرَجَين الذَّكرَ والدُّبرَ، فقالوا: كلُّ ما خرَجَ من هذَين السَّبيلَينِ فهو ناقِضٌ للوُضوءِ من أيِّ شَيءٍ خرَجَ من دَمٍ أو حَصاةٍ أو بَلغَمٍ، وعلى أيِّ وَجهٍ خرَجَ كانَ خُروجُه على سَبيلِ الصِّحةِ أو على سَبيلِ المَرضِ، وممَّن قالَ بهذا القَولِ الشافِعيُّ وأَصحابُه، ومُحمدُ بنُ عبدِ الحَكمِ من أَصحابِ مالِكٍ.

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٣٧، ٢٣٨)، وينظر: «التلقين» (١/ ٤٧)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ١٩٠)، و «بلغة السالك» (١/ ٩٤)، و «كفاية الأخيار» ص (٧٦)، و «المغني» (١/ ٢٢٠)، و «التحقيق» (١/ ١٤٣)، و «نيل الأوطار» (١/ ٢٣٥)، و «منار السبيل» (١/ ٤٤)، و «عون المعبود» (١/ ٢٣١).

واعتبَرَ قَومٌ آخَرونَ الخارِجَ والمَخرجَ وصِفةَ الخُروجِ فقالوا: كلُّ ما خرَجَ من السَّبيلَينِ ممَّا هو مُعتادٌ خُروجُه، وهو البَولُ والغائِطُ والمَذيُ، والوَديُ والرِّيحُ إذا كانَ خُروجُها على وَجهِ الصِّحةِ فهي تَنقضُ الوُضوءَ، فلم يَرَوْا في الدَّمِ والحَصاةِ والدُّودِ وُضوءًا، ولا في السَّلسِ، وممَّن قالَ بهذا القَولِ مالِكٌ وكلُّ أَصحابِه.

والسَّببُ في اختِلافِهم: أنَّه لمَّا أجمَعَ المُسلِمونَ على انتِقاضِ الوُضوءِ ممَّا يَخرجُ من السَّبيلَينِ من غائِطٍ وبَولٍ ورِيحٍ ومَذيٍ لظاهِرِ الكِتابِ ولتَظاهُرِ الآثارِ بذلك، تَطرَّق إلى ذلك ثَلاثةُ احتِمالاتٍ:

أحدُها: أنْ يَكونَ الحُكمُ إنَّما عُلقَ بأَعيانِ هذه الأشياءِ فقط المُتَّفقِ عليها على ما رآه مالِكٌ رحمة الله عليه.

الاحتِمالُ الثاني: أنْ يَكونَ الحُكمُ إنَّما عُلِّق بهذه من جِهةِ أنَّها أنجاسٌ خارِجةٌ من البَدنِ لكَونِ الوُضوءِ طَهارةً، والطَّهارةُ إنَّما يُؤثِّرُ فيها النَّجسُ.

والاحتِمالُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ الحُكمُ أيضًا إنَّما عُلِّق بها من جِهةِ أنَّها خارِجةٌ من هذَين السَّبيلَينِ، فيَكونُ على هذَين القَولَينِ الأخيرَينِ وُرودُ الأمرِ بالوُضوءِ من تلك الأَحداثِ المُجمَعِ عليها، إنَّما هو من بابِ الخاصِّ أُريدَ به العامُّ، ويَكونُ عندَ مالِكٍ وأَصحابِه إنَّما هو من بابِ الخاصِّ المَحمولِ على خُصوصِه؛ فالشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ اتَّفَقا على أنَّ الأمرَ بها هو من بابِ الخاصِّ أُريدَ به العامُّ، واختَلَفا أيُّ عامٍّ هو الذي قُصدَ به؟

فمالِكٌ يُرجِّحُ مَذهبَه بأنَّ الأصلَ هو أنْ يُحملَ الخاصُّ على خُصوصِه حتى يَدلَّ الدَّليلُ على غيرِ ذلك، والشافِعيُّ مُحتجٌّ بأنَّ المُرادَ به المَخرجُ لا الخارِجُ باتِّفاقِهم على إِيجابِ الوُضوءِ من الرِّيحِ التي تَخرجُ من أسفَلَ، وعلى عَدمِ إِيجابِ الوُضوءِ منه إذا خرَجَ من فوقُ، وكِلاهما ذاتٌ واحِدةٌ، والفَرقُ بينَهما اختِلافُ المَخرَجَين، فكان هذا تَنبيهًا على أنَّ الحُكمَ للمَخرجِ وهو ضَعيفٌ؛ لأنَّ الرِّيحَينِ مُختلِفانِ في الصِّفةِ والرائِحةِ، وأبو حَنيفةَ يَحتجُّ؛ لأنَّ المَقصودَ بذلك هو الخارِجُ النَّجسُ لكَونِ النَّجاسةِ مُؤثِّرةً في الطَّهارةِ، وهذه الطَّهارةُ -وإنْ كانَت طَهارةً حُكميةً- فيها شَبهٌ بالطَّهارةِ المَعنويةِ، أعني طَهارةَ النَّجسِ، وبحَديثِ ثَوبانَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ قاءَ فأفطَرَ فتَوضَّأَ» وبما رُويَ عن عُمرَ وابنِ عُمرَ من إِيجابِ الوُضوءِ من الرُّعافِ، وبما رُويَ من أمرِه المُستحاضةَ بالوُضوءِ لكلِّ صَلاةٍ، فكانَ المَفهومُ من هذا كلِّه عندَ أبي حَنيفةَ الخارِجَ النَّجسَ، وإنَّما اتَّفَق الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ على إِيجابِ الوُضوءِ من الأَحداثِ المُتَّفقِ عليها، وإنْ خرَجَت على جِهةِ المَرضِ لأمرِه بالوُضوءِ عندَ كلِّ صَلاةٍ المُستحاضةَ، والاستِحاضةُ مَرضٌ.

وأمَّا مالِكٌ فرأى أنَّ المَرضَ له ههنا تأثيرٌ في الرُّخصةِ قياسًا أيضًا على ما رُويَ أيضًا من أنَّ المُستحاضةَ لم تُؤمَرْ بالغُسلِ فقط، وذلك أنَّ حَديثَ فاطِمةَ بِنتَ أبي حُبَيشٍ هذا مُتَّفقٌ على صِحتِه، ويُختلَفُ في هذه الزِّيادةِ فيه، أعني الأمرَ بالوُضوءِ لكلِّ صَلاةٍ، ولكنْ صحَّحَها أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ،

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب الاستطابة والحدث

بابُ الاسْتِطابةِ والحَدَثِ

الاسْتِطابةُ: هي الاسْتِنْجاءُ بالماءِ أو بالأَحْجارِ، يقال: اسْتَطابَ، وأَطَابَ: إذا اسْتَنْجَى؛ سُمِّىَ اسْتِطابةً لأنَّه يُطَيِّبُ جَسَدَه بإزالةِ الخَبَثِ عنه، قال الشاعر، يَهْجُو رَجُلا :

يارَخَمًا قَاظَ علَى عُرْقُوبِ

يُعْجِلُ كَفَّ الْخَارِىءِ الْمُطِيبِ

والاسْتِنْجاءُ: اسْتِفْعالٌ مِن نَجَوْتُ الشَّجرةَ، أي: قَطَعْتُها، فكَأَنَّه قَطَعَ الأَذَى عنه، وقال ابنُ قُتَيْبَة: هو مَأْخوذٌ من النَّجْوَةِ، وهى ما ارْتَفَعَ من الأرض، لأنَّ مَنْ أرادَ قَضاءَ الحاجةِ اسْتَتَرَ بها. والاسْتِجْمارُ: اسْتِفْعالٌ من الجِمَارِ، وهي الحِجارَةُ الصّغَارُ؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُها في اسْتِجْمارهِ.

٣٥ - مسألة؛ قال: (وليس عَلَى مَنْ نامَ أو خَرَجتْ منه رِيحٌ اسْتِنْجاءٌ)

لا نَعْلمُ في هذا خِلافا. قال أبو عبد اللَّه: ليس في الرِّيحِ اسْتِنْجاءٌ؛ في كتابِ اللهِ، ولا في سُنَّةِ رَسُولهِ، إنَّما عليه الوُضُوءُ، وقد رُوِىَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال : "من اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فليس مِنَّا" . رَوَاه الطَّبَرَانِيُّ في "مُعْجَمِه الصَّغِير " ، وعن زَيْدِ بنِ أَسْلَم في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} . إذَا قُمْتُمْ

مِن النَّومَ، ولم يأْمُرْ بغيره، فدَلَّ علَى أنه لا يَجِبُ؛ ولأنَّ الوُجُوبَ من الشَّرْعِ، ولم يَرِدْ بالاسْتِنْجاءِ هُنَا نَصٌّ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه؛ لأنَّ الاسْتِنْجاءَ إنَّما شُرِعَ لإِزَالةِ النَّجاسةِ، ولا نَجَاسةَ ههُنا.

٣٦ - مسألة؛ قال: (والاسْتِنْجاءُ لِمَا خرَجَ من السَّبِيلَيْنِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 394 - 398

ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله