الإسلام > الطهارة > الوضوء > خامسا: لمس النساء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 20 دقيقة قراءةخامِسًا: لَمسُ النِّساءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ لَمسِ النِّساءِ هل يَنقضُ الوُضوءَ مُطلقًا سَواءٌ كانَ لشَهوةٍ أو لغيرِ شَهوةٍ أو لا يَنقضُ مُطلقًا، سَواءٌ كانَ لشَهوةٍ أو لغيرِ شَهوةٍ أو يَنقضُ الوُضوءَ إذا كان لشَهوةٍ، ولا يَنقضُ إذا كان لغيرِ شَهوةٍ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ لأهلِ العِلمِ.
فذهَبَ الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ -وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنَّ لَمسَ النِّساءِ لا يَنقضُ الوُضوءَ مُطلقًا، إلا أنْ يُباشِرَها مُباشرةً بالِغةً ويَنتَهيَ إلى ما دونَ الإيلاجِ؛ لحَديثِ عائِشةَ رضي الله عنها قالَت: «كُنْتُ أنامُ بينَ يَدَيِ النَّبيِّ ﷺ ورِجلي في قِبلَتِه، فإذا أرادَ أنْ يَسجدَ غمَزَني فقَبَضت رِجلي فإذا قامَ بسَطتُها» (١).
وعنها أنَّه ﷺ: «قبَّلَ بعضَ نِسائِه ثم خرَجَ إلى الصَّلاةِ ولم يَتوضَّأْ» (٢).
ولمَا رَوى أبو أُمامةَ رضي الله عنه قالَ: بينَما رَسولُ اللهِ ﷺ في المَسجدِ، ونحنُ قُعودٌ معه، إذْ جاءَ رَجلٌ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أصَبتُ حَدًّا فأقِمْه علَيَّ، فسكَتَ عنه رَسولُ اللهِ ﷺ، ثم أعادَ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أصَبتُ حَدًّا فأقِمْه علَيَّ، فسكَتَ عنه، وأُقيمَت الصَّلاةُ، فلمَّا انصرَفَ
(١) رواه البخاري (٣٧٥)، ومسلم (٥١٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦)، والنسائي (١/ ١٠٤)، وابن ماجه (٥٠٢).
نَبيُّ اللهِ ﷺ قالَ أبو أُمامةَ: فاتَّبعَ الرَّجلُ رَسولَ اللهِ ﷺ حينَ انصرَفَ، واتَّبعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ أنظُرُ ما يَردُّ على الرَّجلِ، فلحِقَ الرَّجلُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أصَبتُ حَدًّا فأقِمْه علَيَّ، قالَ أبو أُمامةَ: فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: «أرأيتَ حين خرَجتَ من بَيتِك أليس قد تَوضَّأتَ فأحسَنتَ الوُضوءَ؟ قالَ: بَلى يا رَسولَ اللهِ. قالَ: ثم شَهِدتَ الصَّلاةَ معَنا؟ فقالَ: نَعمْ يا رَسولَ اللهِ. قالَ: فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: فإنَّ اللهَ قد غفَرَ لكَ حَدَّك، أو قالَ: ذَنبَك» (١)؛ وفي رِوايةٍ عن عبدِ اللهِ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي عالَجتُ امرأةً في أقصَى المَدينةِ وإنِّي أصَبتُ منها ما دونَ أنْ أمَسَّها، فأنا هذا فاقضِ فِيَّ ما شِئتَ، فقالَ له عُمرُ: لقد ستَرَك اللهُ لو ستَرتَ نَفسَك، قالَ: فلم يَردَّ النَّبيُّ ﷺ شَيئًا، فقامَ الرَّجلُ فانطلَقَ فأتْبَعَه النَّبيُّ ﷺ رَجلًا دَعاه وتَلا عليه هذه الآيةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]، فقالَ رَجلٌ من القَومِ: يا نَبيَّ اللهِ، هذا له خاصَّةً؟ قالَ: بل للناسِ كافَّةً (٢).
ولأنَّ اللَّمسَ ليسَ بحَدثٍ في نَفسِه، ولا بسَببٍ لوُجودِ الحَدثِ غالبًا، فأشبَهَ مَسَّ الرَّجلِ الرَّجلَ، والمَرأةِ المَرأةَ، ولأنَّ مَسَّ أحدِ الزَّوجَين صاحِبَه مما يَكثرُ وُجودُه، فلو جُعلَ حَدثًا لوقَعَ الناسُ في الحَرجِ.
(١) رواه مسلم (٢٧٦٥).
(٢) رواه مسلم (٢٧٦٣).
وأمَّا آيةُ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] فقد نُقلَ عن ابنِ عَباسٍ أنَّ المُرادَ من اللَّمسِ: هو الجِماعُ. وهو تَرجُمانُ القُرآنِ.
ولأنَّ الوُجوبَ من الشَّرعِ، ولم يَرِدْ بهذا شَرعٌ ولا هو في مَعنى ما ورَدَ الشَّرعُ به (١).
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وكذلك مَسُّ النِّساءِ لشَهوةٍ إذا قيلَ باستِحبابِه، فهذا يُتوجَّهُ، وأمَّا وُجوبُ ذلك فلا يَقومُ الدَّليلُ إلا على خِلافِه، ولا يَقدرُ أحدٌ قَطُّ على أنْ يَنقُلَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كانَ يأمُرُ أَصحابَه بالوُضوءِ من مَسِ النِّساءِ، ولا من النَّجاساتِ الخارِجةِ لعُمومِ البَلوى بذلك، وقَولُه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] المُرادُ به الجِماعُ، كما فسَّرَه بذلك ابنُ عَباسٍ وغيرُه لوُجوهٍ مُتعدِّدةٍ (٢).
ثم قالَ: والأظهَرُ أنَّه لا يَجبُ الوُضوءُ من مَسِّ الذَّكرِ ولا النِّساءِ، ولا من خُروجِ النَّجاساتِ من غيرِ السَّبيلَينِ ولا من القَهقَهةِ، ولا غُسلِ المَيتِ؛ فإنَّه ليسَ مع المُوجِبين دَليلٌ صَحيحٌ، بل الأدِلةُ الراجِحةُ تَدلُّ على عَدمِ الوُجوبِ، لكنَّ الاستِحبابَ مُتوجَّهٌ ظاهِرٌ فيُستحبُّ أنْ يَتوضَّأَ من مَسِّ النِّساءِ لشَهوةٍ (٣).
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ١١٩، ١٢١)، ورد المحتار (١/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «المغني» (١/ ٢٤٩).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٢٥).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٢٦، ٥٢٧).
وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا لمَسَ الرَّجلُ بَشرةَ المَرأةِ أو لمَسَت المَرأةُ بَشرةَ الرَّجلِ بلا حائِلٍ بينَهما انتُقضَ وُضوءُ اللَّامسِ والمَلموسِ بكلِّ حالٍ، سَواءٌ كان لشَهوةٍ أو لغيرِ شَهوةٍ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وقرأها ابنُ مَسعودٍ: ﴿أو لمستم النساء﴾، وحَقيقةُ اللَّمسِ مُلاقاةُ البَشرتَين، قالَ اللهُ تَعالى مُخبرًا عن الجِنِّ أنَّهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨]، وقالَ الشاعِرُ:
لمَستُ بكَفِّي كَفَّه أَبتَغي الغِنى
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ في مُسندِه: أخبَرَنا مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن سالِمٍ عن أبيه قالَ: «قُبلةُ الرَّجلِ امرَأتَه أو جَسُّها بيَدِه من المُلامَسةِ فمَن قبَّلَ امرَأتَه أو جسَّها بيَدِه فعليه الوُضوءُ» (١).
والمُرادُ بالمَرأةِ المَرأةُ الأجنَبيةُ التي يَجوزُ للإِنسانِ الزَّواجُ بها، وكذا الزَّوجةُ، أمَّا المُحرَّمةُ التي لا يَحلُّ له الزَّواجُ بها فلا يَنتقضُ الوُضوءُ بلَمسِها، وكذلك لا يَنتقضُ الوُضوءُ بلَمسِ الأجنَبيةِ الصَّغيرةِ التي لا تُشتَهى (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والإمامُ أحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّ اللَّمسَ إنْ كانَ لشَهوةٍ نقَضَ وإلا فلا.
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: في لَمسِ النِّساءِ هل يَنقضُ الوُضوءَ، أو لا؟
(١) «مسند الشافعي» (١/ ١١).
(٢) «المجموع» (٢/ ٣٠)، و «المهذب» (١/ ٢٣)، و «المغني» (١/ ٢٥٠).
الجَوابُ: الحَمدُ للهِ؛ أمَّا نَقضُ الوُضوءِ بلَمسِ النِّساءِ فللفُقهاءِ فيه ثَلاثةُ أَقوالٍ، طَرفانِ ووَسطٌ: أضعَفُها: أنَّه يُنقضُ باللَّمسِ، وإنْ لم يَكنْ لشَهوةٍ إذا كان المَلموسُ مَظِنَّةً للشَّهوةِ، وهو قَولُ الشافِعيِّ تَمسُّكًا بقَولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] وفي القِراءةِ الأُخرى: ﴿أو لمستم﴾.
القَولُ الثاني: أنَّ اللَّمسَ لا يَنقضُ بحالٍ، وإنْ كانَ لشَهوةٍ، كقَولِ أبي حَنيفةَ وغيرِه، وكلا القَولَينِ يُذكرُ رِوايةً عن أحمدَ، لكنَّ ظاهِرَ مَذهبِه كمَذهبِ مالِكٍ، والفُقهاءُ السَّبعةُ على أنَّ اللَّمسَ إنْ كانَ لشَهوةٍ نقَضَ، وإلا فلا، وليسَ في المَسألةِ قَولٌ مُتوجَّهٌ إلا هذا القَولَ أو الذي قبلَه.
فأمَّا تَعليقُ النَّقضِ بمُجردِ اللَّمسِ فهذا خِلافُ الأُصولِ، وخِلافُ إِجماعِ الصَّحابةِ، وخِلافُ الآثارِ، وليسَ مع قائِلِه نَصٌّ ولا قياسٌ؛ فإنْ كانَ اللَّمسُ في قَولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] إذا أُريدَ به اللَّمسُ باليَدِ والقُبلةُ ونَحوُ ذلك -كما قالَه ابنُ عُمرَ وغيرُه- فقد عُلمَ أنَّه حيثُ ذُكرَ مِثلُ ذلك في الكِتابِ والسُّنةِ؛ فإنَّما يُرادُ به ما كانَ لشَهوةٍ، مِثلَ قَولِه في آيةِ الاعتِكافِ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومُباشرةُ المُعتكِفِ لغيرِ شَهوةٍ لا تَحرمُ عليه بخِلافِ المُباشرةِ لشَهوةٍ.
وكذلك المُحرِمُ الذي هو أشَدُّ لو باشَرَ المَرأةَ لغيرِ شَهوةٍ لم يَحرُمْ عليه، ولم يَجبْ عليه به دَمٌ.
وكذلك قَولُه: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [لقمان: ٤٩] وقَولُه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ فإنَّه لو
مسَّها مَسيسًا خاليًا من غيرِ شَهوةٍ لم يَجبْ به عِدَّةٌ، ولا يَستقرُّ به مَهرٌ، ولا تَنتشِرُ به حُرمةُ المُصاهَرةِ باتِّفاقِ العُلماءِ، بخِلافِ ما لو مَسَّ المَرأةَ لشَهوةٍ ولم يَخلُ بها ولم يَطَأْها: ففي استِقرارِ المَهرِ بذلك نِزاعٌ مَعروفٌ بينَ العُلماءِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه.
فمَن زعَمَ أنَّ قَولَه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] يَتناوَلُ اللَّمسَ وإنْ لم يَكنْ لشَهوةٍ فقد خرَجَ عن اللُّغةِ التي جاءَ بها القُرآنُ، بل وعن لُغةِ الناسِ في عُرفِهم؛ فإنَّه إذا ذُكرَ المَسُّ الذي يُقرنُ فيه بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ عُلمَ أنَّه مَسُّ الشَّهوةِ، كما أنَّه إذا ذُكرَ الوَطءُ المَقرونُ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ عُلمَ أنَّه الوَطءُ بالفَرجِ لا بالقَدمِ.
وأيضًا: فإنَّه لا يَقولُ: إنَّ الحُكمَ مُعلَّقٌ بمَسِّ النِّساءِ مُطلقًا، بل بصِنفٍ من النِّساءِ، وهو ما كانَ مَظِنةَ الشَّهوةِ، فأمَّا مَسُّ مَنْ لا يَكونُ مَظِنةً كذَواتِ المَحارمِ والصَّغيرةِ فلا يُنقضُ بها، فقد ترَكَ ما ادَّعاه من الظاهِرِ واشتَرَط شَرطًا لا أصلَ له بنَصٍّ ولا قياسٍ؛ فإنَّ الأُصولَ المَنصوصةَ تُفرِّقُ بينَ اللَّمسِ لشَهوةٍ واللَّمسِ لغيرِ شَهوةٍ لا تُفرقُ بينَ أنْ يَكونَ المَلموسُ مَظِنةَ الشَّهوةِ أو لا يَكونُ، وهذا هو المَسُّ المُؤثِّرُ في العِباداتِ كلِّها، كالإِحرامِ والاعتِكافِ والصِّيامِ وغيرِ ذلك، وإذا كانَ هذا القَولُ لا يَدلُّ عليه ظاهِرُ اللَّفظِ، ولا يَدلُّ عليه القياسُ، لم يَكنْ له أصلٌ في الشَّرعِ.
وأمَّا مَنْ علَّقَ النَّقضَ بالشَّهوةِ فالظاهِرُ المَعروفُ في مِثلِ ذلك دَليلٌ له، وقياسُ أُصولِ الشَّريعةِ دَليلٌ.
ومَن لم يَجعَلِ اللَّمسَ ناقِضًا بحالٍ؛ فإنَّه يَجعلُ اللَّمسَ إنَّما أُريدَ به الجِماعُ، كما في قَولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ونَظائِرُه كَثيرةٌ، وفي السُّننِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «قبَّلَ بعضَ نِسائِه ثم صلَّى ولم يَتوضَّأْ» لكنْ تُكلِّمَ فيه.
وأيضًا: فمِن المَعلومِ أنَّ مَسَّ الناسِ نِساءَهم مما تَعُمُّ به البَلوى، ولا يَزالُ الرَّجلُ يَمسُّ امرأتَه؛ فلو كانَ هذا مما يَنقضُ الوُضوءَ لكانَ النَّبيُّ ﷺ بيَّنَه لأُمَّتِه؛ ولكانَ مَشهورًا بينَ الصَّحابةِ، ولم يَنقُلْ أحَدٌ أنَّ أحدًا من الصَّحابةِ كانَ يَتوضَّأُ بمُجردِ مُلاقاةِ يَدِه لامرأتِه أو غيرِها، ولا نقَلَ أحدٌ في ذلك حَديثًا عن النَّبيِّ ﷺ فعُلمَ أنَّ ذلك قَولٌ باطِلٌ، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: الذي ذهَبَ إليه مالِكٌ وأَصحابُه في اشتِراطِ اللَّذةِ ووُجودِ الشَّهوةِ عندَ المُلامَسةِ أصَحُّ إنْ شاءَ اللهُ ﷾؛ لأنَّ الصَّحابةَ لم يأتِ عنهم في مَعنى المُلامَسةِ إلا قَولانِ:
أحدُهما: الجِماعُ نَفسُه.
والآخَرُ: ما دونَ الجِماعِ من دَواعي الجِماعِ وما يُشبهُه.
ومَعلومٌ في قَولِ القائِلينَ أنَّه ما دونَ الجِماعِ أنَّهم أرادوا ما ليسَ بجِماعٍ ولم يُريدوا اللَّطمةَ ولا قُبلةَ الرَّجلِ ابنَتَه رَحمةً، ولا اللَّمسَ لغيرِ لَذةٍ.
(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٣٥).
ولمَّا لم يَجزْ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّمسَ أُريدَ به اللَّطمُ وما شاكَلَه لم يَبقَ إلا أنْ يَكونَ اللَّمسُ ما وقَعَ فيه اللَّذةُ والشَّهوةُ؛ لأنَّه لا خِلافَ فيمَن لطَمَ امرَأتَه أو داوَى جُرحَها، ولا في المَرأةِ تُرضعُ أولادَها أنَّه لا وُضوءَ على واحِدٍ من هؤلاء، فكذلك مَنْ قصَدَ إلى اللَّمسِ ولم يَلتَذَّ في حُكمِهم (١).
وذكَرَ المالِكيةُ تَفصيلًا في اللَّمسِ فقالوا: يَنتقضُ الوُضوءُ بمُلامَسةِ المُتوضِّئِ شَخصًا يُشتَهى عادةً، بيَدِه أو بجُزءٍ من بَدنِه، ولو كانَ بعُضوٍ زائِدٍ، أو كانَ اللَّمسُ لظُفرٍ أو شَعرٍ مُتصلٍ.
وذلك ضِمنَ شُروطٍ:
أ- شُروطُ اللَّامِسِ:
١ - أنْ يَكونَ اللَّامِسُ بالِغًا.
٢ - أنْ يَقصدَ اللَّامِسُ اللَّذةَ أو يَجدَها، (إلا إذا كانَ المَلموسُ من مَحارمِه ولم يَجدِ اللَّامسُ لذَّةً فلا يَنتقضُ الوُضوءُ)، وكذلك يُنقضُ الوُضوءُ إنْ وجَدَ اللَّذةَ حالَ اللَّمسِ، وإنْ لم يَكنْ قاصِدًا لها ابتِداءً؛ فإنِ انتَفى القَصدُ واللَّذةُ فلا نَقضَ.
أمَّا القُبلةُ في الفَمِ؛ فإنَّها تَنقضُ الوُضوءَ مُطلقًا، قصَدَ اللَّذةَ، أو وجَدَها، أو لم يَجِدْها؛ لأنَّها مَظِنةُ اللَّذةِ، وسَواءٌ في النَّقضِ المُقبِّلُ والمُقبَّلُ، إنْ كانا بالِغَين، أو البالِغُ منهما إنْ كانَ الآخَرُ ممَّن يُشتَهى عادةً، ولو وقَعَت القُبلةُ
(١) «الاستذكار» (١/ ٢٥٥).
ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.