سادسا: أكل لحوم الجزور، الإبل

الإسلام > الطهارة > الوضوء > سادسا: أكل لحوم الجزور، الإبل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

سادسا: أكل لحوم الجزور، الإبل - الأقوال والأدلة

وقد ثبَتَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى وهو حامِلٌ أُمامةَ بِنتَ أبي العاصِ فقد رَوى أبو قَتادةَ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ يُصلِّي وهو حامِلٌ أُمامةَ بِنتَ زَينبَ بِنتِ رَسولِ اللهِ ، ولأبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ، فإذا قامَ حمَلَها، وإذا سجَدَ وضَعَها» (١).

قالَ أبو بَكرٍ: في حَملِ رَسولِ اللهِ أُمامةَ بِنتَ أبي العاصِ دَليلٌ على صِحةِ قَولِ عَوامِّ أهلِ العِلمِ؛ إذْ مَعلومٌ مُتعارَفٌ أنَّ مَنْ حمَلَ صَبيةً صَغيرةً لا يَكادُ يَخلو أنْ يَمسَّ بَدنُه بَدنَها، واللهُ أعلَمُ، مع إِيجابِ الطَّهارةِ من ذلك فَرضٌ، والفَرائِضُ لا يَجوزُ إِيجابُها إلا بحُجةٍ، وما زالَ الناسُ في القَديمِ والحَديثِ يَتعارَفون أنَّ يُعانقَ الرَّجلُ أُمَّه وجَدَّتَه ويُقبِّلَ ابنَتَه في حالِ الصِّغرِ قُبلةَ الرَّحمةِ، ولا يَروْن ذلك يَنقضُ الطَّهارةَ ولا يُوجبُ وُضوءًا عندَهم، ولو كانَ ذلك حَدثًا يَنقضُ الطَّهارةَ ويُوجبُ الوُضوءَ لتَكلَّمَ فيه أهلُ العِلمِ كما تَكلَّموا في مُلامَسةِ الرَّجلِ امرأتَه وقُبلتِه إيَّاها (٢).

سادِسًا: أكلُ لُحومِ الجَزورِ، الإبِلِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ أكلَ لَحمَ جَزورٍ هل يَنتقضُ وُضوؤُه أو لا يَنتقضُ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ أكَلَ لَحمَ جَزورٍ لا يَجبُ عليه الوُضوءُ.

(١) رواه البخاري (٤٩٤)، ومسلم (٥٤٣).
(٢) «الأوسط» (١/ ١٣٠، ١٣١).

لحَديثِ جابِرٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «كانَ آخِرُ الأمرَينِ من رَسولِ اللهِ تَركُ الوُضوءِ مما مَسَّته النارُ» (١)، ولأنَّه إذا لم يُنقضُ الوُضوءُ بأكلِ الخِنزيرِ وهو حَرامٌ، فلَأنْ يَكونَ لا يُنتقضُ بغيرِه أَولى، ولأنَّه مَأكولٌ أشبَهَ المَأكولاتِ.

ولحَديثِ: «الوُضوءُ مما يَخرجُ وليسَ مما يَدخلُ» (٢).

قالَ الكاسانِيُّ: والمَعنى في المَسألةِ أنَّ الحَدثَ هو خُروجُ النَّجسِ حَقيقةً أو ما هو سَببُ الخُروجِ ولم يُوجدْ (٣).

وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ -وهو اختيارُ النَّوويِّ- والبَيهَقيُّ وابنُ المُنذرِ وابنُ خُزيمةَ من الشافِعيةِ إلى وُجوبِ الوُضوءِ من أكلِ لُحومِ الإبِلِ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٩٢)، والترمذي (٨٠)، والنسائي (١/ ١٠٨)، وابن ماجه (٤/ ٢٧٨)، وابن حبان في «صحيحه» (١١٢٤).
(٢) رواه الدارقطني (١/ ١٥١) مرفوعًا، ورواه البيهقي (١/ ٢٦١) مَوقوفًا عن ابنِ عَباسٍ، وفيه الفَضلُ بنُ المُختارِ، وهو ضَعيفٌ جِدًّا، وفيه شُعبةُ مَولَى ابنِ عَباسٍ، وهو ضَعيفٌ، قالَ ابنُ عَديٍّ: الأصلُ في هذا الحَديثِ أنَّه مَوقوفٌ. وقالَ البَيهَقيُّ: لا يَثبتُ مَرفوعًا. ورَواه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ من طَريقِ الأعمَشِ عن أبي ظَبيانَ عنه، ورَواه الطَّبَراني من حَديثِ أبي أُمامةَ قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ: وإسنادُه أضعَفُ من الأولِ. «تلخيص الحبير» (١٥٨).
(٣) «بدائع الصنائع» (١/ ١٣٠، ١٣١)، و «المجموع» (٢/ ٦٩، ٧٠)، و «المهذب» (١/ ٢٤)، و «روضة الطالبين» (١/ ٧٢)، و «كفاية الأخيار» ص (١/ ٣٦)، و «الإنصاف» (١/ ٢١٦).

قالَ النَّوويُّ: هذا هو القَويُّ أو الصَّحيحُ من حيثُ الدَّليلُ، وهو الذي أعتقِدُ رُجحانَه؛ فإنَّ فيه حَديثَينِ صَحيحَينِ ليسَ عنهما جَوابٌ شافٍ، وقد اختارَه جَماعةٌ من مُحقِّقي أَصحابِنا المُحدِّثينِ (١).

واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ جابِرِ بنِ سَمُرةَ أنَّ رَجلًا سألَ النَّبيَّ : «قالَ يا رَسولَ اللهِ: أنتَوضَّأُ من لُحومِ الإبِلِ؟ قالَ: نَعمْ» (٢).

وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ عن الوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ، فقالَ: «تَوضَّؤُوا منها»، وسُئلَ عن لُحومِ الغَنمِ، فقالَ: «لا تَوضَّؤوا منها» (٣).

قالَ الإمامُ أحمدُ وإِسحاقُ بنُ رَاهوَيهِ: فيه حَديثانِ صَحيحانِ عن النَّبيِّ : حَديثُ البَراءِ وحَديثُ جابِرِ بنِ سَمُرةَ.

(١) «المجموع» (٢/ ٧٠)، و «روضة الطالبين» (١/ ٧٢)، و «شرح صحيح مسلم» (٤/ ٤٥).
(٢) رواه مسلم (٣٦٠).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤)، وأحمد (٢٠٩٠٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٣/ ٣١٠).
قالَ أبو حاتِمِ بنُ حِبانَ بعدَ أنْ ذكَرَ حَديثَ البَراءِ هذا: في سُؤالِ السائِلِ عن الوُضوءِ من لُحومِ الإبلِ، وعن الصَّلاةِ في أعطانِها، وتَفريقُ النَّبيِّ بينَ الجَوابَين أَرى البَيانَ أنَّه أرادَ الوُضوءَ المَفروضَ للصَّلاةِ دونَ غَسلِ اليَدَين، ولو كانَ ذلك غَسلَ اليَدَين من الغَمَرِ لاستَوى فيه لُحومُ الإبِلِ والغَنمِ جَميعًا، وقد كانَ تَركُ الوُضوءِ مما مَسَّته النارُ، وبَقيَ المُسلِمونَ عليه مُدةً ثم نُسخَ ذلك وبَقيَ لُحومُ الإبِلِ مُستَثنًى من جُملةِ ما أُبيحَ بعدَ الحَظرِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ: وحَديثُهم عن ابنِ عَباسٍ لا أصلَ له، وإنَّما هو من قَولِ ابنِ عَباسٍ مَوقوفًا عليه، ولو صَحَّ لوجَبَ تَقديمُ حَديثِنا عليه؛ لكَونِه أصَحَّ منه وأخَصَّ، والخاصُّ يُقدَّمُ على العامِّ، وحَديثُ جابِرٍ لا يُعارِضُ حَديثَنا أيضًا لصِحتِه وخُصوصِه؛ فإنْ قيلَ: فحَديثُ جابِرٍ مُتأخِّرٌ، فيَكونُ ناسِخًا، قُلنا: لا يَصحُّ النَّسخُ به لوُجوهٍ أربَعةٍ:

أحدُها: أنَّ الأمرَ بالوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ مُتأخِّرٌ عن نَسخِ الوُضوءِ مما مَسَّت النارُ أو مُقارنٌ له، بدَليلِ أنَّه قرَنَ الأمرَ بالوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ بالنَّهيِ عن الوُضوءِ من لُحومِ الغَنمِ، وهي مما مَسَّت النارُ، فإمَّا أنْ يَكونَ النَّسخُ حصَلَ بهذا النَّهيِ وإمَّا أنْ يَكونَ بشَيءٍ قبلَه؛ فإنْ كانَ به، والأمرُ بالوُضوءِ من لُحومِ الإبِلِ مُقارِنٌ لنَسخِ الوُضوءِ مما غيَّرتِ النارُ، فكيفَ يَجوزُ أنْ يَكونَ مَنسوخًا به؟ ومِن شُروطِ النَّسخِ تأخُّرُ الناسِخِ، وإنْ كانَ الناسِخُ قبلَه، لم يَجزْ أنْ يُنسخَ بما قبلَه.

والثاني: أنَّ أكلَ لُحومِ الإبِلِ إنَّما نقَضَ لكَونِه من لُحومِ الإبِلِ، لا لكَونِه مما مَسَّت النارُ، ولهذا يَنقضُ، وإنْ كانَ نَيِّئًا، فنَسخُ إحدَى الجِهتَينِ لا يَثبُتُ به نَسخُ الجِهةِ الأُخرى، كما لو حُرِّمت المَرأةُ للرَّضاعِ، ولكَونِها رَبيبةً، فنَسخُ التَّحريمِ بالرَّضاعِ لم يَكنْ نَسخًا لتَحريمِ الرَّبيبةِ.

والثالِثُ: أنَّ خبَرَهم عامٌّ وخبَرَنا خاصٌّ، والعامُّ لا يُنسخُ به الخاصُّ؛ لأنَّ من شُروطِ النَّسخِ تَعذُّرَ الجَمعِ، والجَمعُ بينَ الخاصِّ والعامِّ مُمكنٌ بتَنزيلِ العامِّ على ما عَدا مَحلِّ التَّخصيصِ.

والرابِعُ: أنَّ خبَرَنا صَحيحٌ مُستَفيضٌ ثبَتَ له قُوةُ الصِّحةِ والاستِفاضةِ والخُصوصِ، وخبَرُهم ضَعيفٌ لعَدمِ هذه الوُجوهِ الثَّلاثةِ فيه، فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ ناسِخًا له.

فإنْ قيلَ: الأمرُ بالوُضوءِ في خَبَرُكم يَحتمِلُ الاستِحبابُ، فنَحمِلُه عليه، ويَحتملُ أنَّه أرادَ بالوُضوءِ قبلَ الطَّعامِ وبعدَه غَسلَ اليَدينِ؛ لأنَّ الوُضوءَ إذا أُضيفَ إلى الطَّعامِ اقتَضى غَسلَ اليَدِ، كما كانَ يأمُرُ بالوُضوءِ قبلَ الطَّعامِ وبعدَه، وخَصَّ ذلك بلَحمِ الإبِلِ؛ لأنَّ فيه من الحَرارةِ والزُّهومةِ ما ليسَ في غيرِه.

قُلنا: أمَّا الأولُ فمُخالِفٌ للظاهِرِ من ثَلاثةِ أوجُهٍ:

أحدُها: أنَّ مُقتَضى الأمرِ الوُجوبُ.

والثاني: أنَّ النَّبيَّ سُئِل عن حُكمِ هذا اللَّحمِ، فأجابَ بالأمرِ بالوُضوءِ منه، فلا يَجوزُ حَملُه على غيرِ الوُجوبِ؛ لأنَّه يَكونُ تَلبيسًا على السائِلِ لا جَوابًا.

والثالِثُ: أنَّه قرَنَه بالنَّهيِ عن الوُضوءِ من لُحومِ الغَنمِ، والمُرادُ بالنَّهيِ ههنا نَفيُ الإِيجابِ، ليسَ المُرادُ التَّحريمَ، فيَتعيَّنُ حَملُ الأمرِ على الإِيجابِ ليَحصُلَ الفَرقُ.

وأمَّا الثاني: فلا يَصحُّ لوُجوهٍ أربَعةٍ:

أحدُها: أنَّه يَلزمُ منه حَملُ الأمرِ على الاستِحبابِ؛ فإنَّ غَسلَ اليَدِ بمُفردِه غيرُ واجِبٍ، وقد بَيَّنَّا فَسادَه.

والثاني: أنَّ الوُضوءَ إذا جاءَ على لِسانِ الشارِعِ وجَبَ حَملُه على المَوضوعِ الشَّرعيِّ دونَ اللُّغويِّ؛ لأنَّ الظاهِرَ منه أنَّه إنَّما يَتكلَّمُ بمَوضعاتِه.

والثالِثُ: أنَّه خرَجَ جَوابًا لسُؤالِ السائِلِ عن حُكمِ الوُضوءِ من لُحومِها والصَّلاةِ في مَبارِكِها، فلا يُفهمُ من ذلك سِوى الوُضوءِ المُرادِ للصَّلاةِ.

والرابِعُ: أنَّه لو أرادَ غَسلَ اليَدِ لمَا فرَّقَ بينَه وبينَ لَحمِ الغَنمِ؛ فإنَّ غَسلَ اليَدِ منهما مُستحبٌّ، ولهذا قالَ: «مَنْ باتَ وفي يَدِه رِيحُ غَمَرٍ (١) فأصابَه شَيءٌ فلا يَلومَنَّ إلا نَفسَه» (٢). وما ذَكَروه من زيادةِ الزُّهومةِ فأمْرٌ يَسيرٌ لا يَقتَضي التَّفريقَ، واللهُ أعلَمُ.

ثم لا بدَّ من دَليلٍ نَصرفُ به اللَّفظَ عن ظاهِرِه، ويَجبُ أنْ يَكونَ الدَّليلُ له من القُوةِ بقَدرِ قُوةِ الظَّواهرِ المَتروكةِ وأَقوى منها، وليسَ لهم دَليلٌ، وقياسُهم فاسِدٌ؛ فإنَّه طَرديٌّ لا مَعنى فيه، وانتِفاءُ الحُكمِ في سائِرِ المَأكولاتِ لانتِفاءِ المُقتَضى لا لكَونِه مَأكولًا، فلا أثَرَ لكَونِه مَأكولًا، ووُجودُه كعَدمِه.

ومن العَجبِ أنَّ مُخالِفينا في هذه المَسألةِ أوجَبوا الوُضوءَ بأَحاديثَ ضَعيفةٍ تُخالِفُ الأُصولَ، فأبو حَنيفةَ أوجَبَه بالقَهقَهةِ في الصَّلاةِ دونَ خارِجِها بحَديثٍ من مَراسيلِ أبي العاليةِ، ومالِكٌ والشافِعيُّ أوجباه بمَسِّ الذَّكرِ بحَديثٍ مُختلَفٍ فيه، مُعارَضٌ بمِثلِه دونَ مَسِّ بَقيةِ الأَعضاءِ، وترَكوا

(١) قالَ ابن الأثير في «النهاية» (٣/ ٣١٧): الغَمَرُ بالتَّحريكِ: الدَّسمُ والزُّهومةُ من اللَّحمِ، كالوَضرِ من السَّمنِ.
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١٨٥٩، ١٨٦٠)، وابن ماجه (٣٢٩٧).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 425 - 430

ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله