الإسلام > الطهارة > الوضوء > سادسا: مسح الأذنين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةسادِسًا: مَسحُ الأُذنَينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَسحِ الأُذنَينِ في الوُضوءِ هل هو سُنةٌ أو واجِبٌ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ إلى أنَّ مَسحَ الأُذنَينِ سُنةٌ من سُننِ الوُضوءِ فلو ترَكَ المُتوضِّئُ مَسحَ الأُذنَينِ جازَ؛ لمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ للأعرابيِّ: «تَوضَّأْ كما أمَرَك اللهُ» (١).
وليس فيما أمَرَ اللهُ ﷾ مَسحُ الأُذنَينِ، ويُستحبُّ أنْ يَمسحَ أُذُنَيه ظاهِرَهما وباطِنَهما، فظاهِرُهما ما يَلي الرأسَ، وباطِنُهما ما يَلي الوَجهَ لمَا رَوى المِقدامُ بنُ مَعديكَرِبَ رضي الله عنه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مسَحَ برَأسِه وأُذنَيه ظاهِرِهما وباطِنِهما، وأدخَلَ إِصبَعَيه في صِماخِ أُذنَيه» (٢).
وذهَبَ الحَنابِلةُ وابنُ مَسلمةَ والأبَهريُّ من المالِكيةِ إلى وُجوبِ مَسحِ الأُذنَينِ ظاهِرِهما وباطِنِهما؛ لأنَّهما من الرأسِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «الأُذنانِ من الرَّأسِ» (٣).
ثم إنَّ المالِكيةَ والشافِعيةَ والحَنابِلةَ وأبا حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه قالوا: يُسنُّ أنْ يأخُذَ لأُذُنَيه ماءً جَديدًا غيرَ الذي مسَحَ به رأسَه؛ لحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ رضي الله عنه أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ: «يَتوضَّأُ فأخَذَ لأُذُنَيه ماءً خِلافَ
(١) سبَق تَخريجُه.
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٢١)، وابن الجارود في «المنتقى» (٧٤).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٣٤)، وابن ماجه (٤٤٣، ٤٤٤، ٤٤٥).
الماءِ الذي أخَذَ لرَأسِه» (١)؛ ولأنَّه عُضوٌ يَتميَّزُ عن الرأسِ في الاسمِ والخِلقةِ فلا يَتبَعُه في الطَّهارةِ كسائِرِ الأَعضاءِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ السُّنةَ عندَهم أنْ يَمسحَ الأُذنَينِ بماءِ الرأسِ؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ: «الأُذنانِ من الرَّأسِ» ومَعلومٌ أنَّه ما أرادَ بَيانَ الخِلقةِ، بل أرادَ بَيانَ الحُكمِ، فواجِبٌ إذا كانَ كذلك أنْ تُمسَحا معه بماءٍ واحِدٍ كما يُمسحُ سائِرُ أَبعاضِ الرأسِ، إلا أنَّه لا يَنوبُ المَسحُ عليهما عن مَسحِ الرأسِ؛ لأنَّ دَليلَ مَسحِ الرأسِ ثبَتَ بدَليلٍ مَقطوعٍ به.
قالَ ابنُ عابِدينَ رحمة الله عليه نَقلًا عن «الخُلاصة»: ولو أخَذَ لأُذنَيه ماءً جَديدًا فهو حَسنٌ، وذكَرَه رِوايةً عن أبي حَنيفةَ.
قالَ في «البَحرِ»: فاستُفيدَ منه أنَّ الخِلافَ بينَنا وبينَ الشافِعيِّ في أنَّه إذا لم يَأخذْ ماءً جَديدًا ومسَحَ بالبَلَّةِ الباقيةِ هل يَكونُ مُقيمًا للسُّنةِ؟ فعندَنا نَعمْ، وعندَه لا. أمَّا لو أخَذَ ماءً جَديدًا مع بَقاءِ البَلَّةِ؛ فإنَّه يَكونُ مُقيمًا للسُّنةِ اتِّفاقًا (٢).
(١) رواه الحاكم (١/ ٢٥٢، ٢٥٣)، والبيهقي (٣١٣)، وقالَ: إسناده صحيح، وحسنه النووي في «المجموع» (١/ ٣٦٨)، ولكنْ أعَلَّ الشَّيخُ الألبانِيُّ هذه اللَّفظةَ، ألا وهي: «فأخَذَ لأُذُنَيه ماءً خِلافَ الماءِ الذي أخَذَ لرَأسِه» بالشُّذوذِ، والصَّوابُ: ومسَحَ برأسِه بماءٍ غيرِ فَضلِ يَدَيه كما في الضَّعيفةِ (٢/ ٤٩٤)، (٣/ ٤٥).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٢٤٣)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٣٦١)، و «بدائع الصنائع» (١/ ٩٧)، و «البحر الرائق» (١/ ٢٨)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٥)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ١٥٩)، و «الأوسط» (١/ ٤٠٥)، و «مواهب الجليل» (١/ ٢٤٨)، و «المجموع» (١/ ٤٦٨، ٤٧٠)، و «كفاية الأخيار» ص (٦٨)، و «المغني» (١/ ١٣٠)، و «كشاف القناع» (١/ ١٠٠)، و «منار السبيل» (١/ ٣٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل المسح على الخفين
بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْيِيرِ بَاطِلٌ عِنْدَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَعِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ أَصْلًا، وَرَأْسًا لَا يُخَيَّرُ أَيْضًا، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ثُمَّ الْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَدْخُلَانِ، وَالْكَلَامُ فِي الْكَعْبَيْنِ عَلَى نَحْوِ الْكَلَامِ فِي الْمِرْفَقَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
، وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي أَسْفَلِ السَّاقِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ لِأَنَّ الْكَعْبَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا عَلَا وَارْتَفَعَ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ كَعْبَةً، وَأَصْلُهُ مِنْ كَعْبِ الْقَنَاةِ، وَهُوَ أُنْبُوبُهَا سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفَاعِهِ.
وَتُسَمَّى الْجَارِيَةُ النَّاهِدَةُ الثَّدْيَيْنِ كَاعِبًا لِارْتِفَاعِ ثَدْيَيْهَا، وَكَذَا فِي الْعُرْفِ يُفْهَمُ مِنْهُ النَّاتِئُ، يُقَالُ ضَرَبَ كَعْبَ فُلَانٍ، وَفِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ: «أَلْصِقُوا الْكِعَابَ بِالْكِعَابِ» وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ إلَّا فِي النَّاتِئِ، وَمَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْمِفْصَلُ الَّذِي عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، إنَّمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، أَنَّهُ يَقْطَعُ الْخُفَّ أَسْفَلَ الْكَعْبِ، فَقَالَ: إنَّ الْكَعْبَ هَهُنَا الَّذِي فِي مِفْصَلِ الْقَدَمِ فَنَقَلَ هِشَامٌ ذَلِكَ إلَى الطَّهَارَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب المسح على الخفين
بابُ المَسْحِ على الخُفَّيْنِ
المَسْحُ على الخُفَّيْنِ جَائِزٌ عندَ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. حَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ المُباركِ قال: ليس في المَسْحِ على الخُفَّيْنِ اخْتِلَافٌ أنَّه جائِزٌ. وعن الحسنِ قال: حَدَّثَنِى سَبْعُونَ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. ورَوَى البُخَارِيُّ، عن سَعْدِ بنِ مالِكٍ، والمُغِيرَةِ، وعَمْرِو بنِ أُمَيَّة . أنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. ورَوَى أبو داود، عن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّه
تَوَضَّأَ، ومَسَحَ على الخُفَّيْنِ، فقِيلَ له: أتَفْعَلُ هذا؟ قال: مَا يَمْنَعُنِى أنْ أمْسَحَ، وقد رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَمْسَحُ! فقِيلَ له: قَبْلَ نُزُولِ المائِدَةِ أو بَعْدَهُ؟ فقال: ما أسْلَمْتُ إلَّا بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ. وفي رِوَايةٍ، أنَّه قال: إنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَالَ، ثم تَوَضَّأَ، ومَسَحَ على خُفَّيْه. قال إبراهيمُ : فكان يُعْجِبُهُم هذا؛ لأنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كان بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ. مُتَّفَقٌ عليه. ورَوَاهُ حُذَيْفَة ، والمُغِيرَة ، عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مُتَّفَقٌ عليهما. قال أحمدُ: ليس في قَلْبِي مِن المَسْحِ شَيءٌ، فيه أرْبَعُونَ حَدِيثًا عن أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مَا رفعُوا إلى النَّبِيِّ، ومَا وقَفُوا.
فصل: ورُوِيَ عن أحمدَ، أَنَّه قال: المَسْحُ أفْضَلُ. يَعْنِى مِن الغَسْلِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحَابَه إنَّما طَلَبُوا الفَضْلَ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، والحَكَمِ، وإسْحَاق؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ" . وما
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب المسح على الخفين)
(باب المسح على الخفين)
قال الشافعي: " أخبرنا الثقفي يعني عبد الوهاب عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي مخلدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أيامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْوُضُوءِ جَائِزٌ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ النَّاسِ وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) {المائدة: ٦) فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُوجِبَةً لِتَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى حَالٍ دُونَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْأَمْرِ بِهَا، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا وضوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ ".
ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.