الإسلام > الطهارة > الوضوء > مسح ما نزل من شعر الرأس
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوأمَّا الشافِعيةُ فقالوا: إنَّ الواجِبَ أنْ يَمسحَ ما يَقعُ عليه اسمُ المَسحِ، ولو قَلَّ، فلا يَتقدَّرُ وُجوبُه بشَيءٍ، بل يَكفي فيه ما يُمكنُ.
واحتَجَّ من قالَ بمَسحِ بعضِ الرأسِ بحَديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «تَوضَّأَ فمسَحَ بناصِيَتِه وعلى العِمامةِ» (١).
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هذا مما احتَجَّ به أَصحابُنا على أنَّ مَسحَ بعضِ الرأسِ يَكفي ولا يُشترطُ الجَميعُ؛ لأنَّه لو وجَبَ الجَميعُ لمَا اكتَفَى بالعِمامةِ على الباقي؛ فإنَّ الجَمعَ بينَ الأصلِ والبَدلِ في عُضوٍ واحِدٍ لا يَجوزُ، كما لو مسَحَ على خُفٍّ واحِدٍ وغسَلَ الرِّجلَ الأُخرى (٢).
مَسحُ ما نزَلَ من شَعرِ الرأسِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الشَّعرِ المُسترسِلِ هل يَجبُ مَسحُه أو لا يَجبُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى عَدمِ وُجوبِ مَسحِ ما نزَلَ عن الرأسِ من الشَّعرِ لعَدمِ مُشاركتِه الرأسَ في التَّرؤُسِ ولا يُجزئُ مَسحُه عن الرأسِ، سَواءٌ رَدَّه فعقَدَه فوقَ رأسِه أو لم يَردَّه.
(١) رواه مسلم (٢٧٤).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٤٢)، و «رد المحتار» (١/ ٢١٣)، و «بدائع الصنائع» (١/ ٢١)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ١٤٣)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٢)، و «الاستذكار» (١/ ١٣٠، ١٣٢)، و «مواهب الجليل» (١/ ٢٠٢)، و «روضة الطالبين» (١/ ١٩٩)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٥٩)، و «كفاية الأخيار» ص (٦٥)، و «أسنى المطالب» (١/ ٣٣)، و «المغني» (١/ ١٥٦، ١٥٧).
وإنْ نزَلَ الشَّعرُ عن مَنبَتِه ولم يَنزلْ عن مَحلِّ الفَرضِ فمسَحَ عليه أجزَأَه ولو كانَ الذي تحتَ النازِلِ مَحلوقًا، كما لو كانَ بعضُ شَعرِه فوقَ بَعضِه (١).
أمَّا المالِكيةُ فقد نَصُّوا على وُجوبِ مَسحِ ما استَرخَى من الشَّعرِ.
قالَ الدَّرديرُ: ولو طالَ جِدًّا؛ لأنَّه من شَعرِ الرأسِ (٢).
قالَ الشَّيخُ أحمدُ الصاويُّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: [تَنبيهٌ] يَنفعُ النِّساءَ في الوُضوءِ تَقليدُ الشافِعيِّ أو أبي حَنيفةَ، وفي الغُسلِ تَقليدُ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّه يَكتَفي في الغُسلِ بوُصولِ الماءِ للبَشرةِ، وإنْ لم يَعُمَّ المُسترخيَ من الشَّعرِ، بل ولو كانَ المُستَرخي جافًّا عندَه، كما ذكَرَه في الدُّرِّ المُختارِ (٣).
حَلقُ شَعرِ الرأسِ بعدَ الوُضوءِ:
ذهَبَ جَماهيرُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ حَلقَ شَعرِ الرأسِ بعدَ الوُضوءِ لا يُؤثِّرُ في الوُضوءِ.
قالَ في «الدُّرِّ المُختارِ»: ولا يُعادُ الوُضوءُ بحَلقِ رأسِه (٤).
(١) «الفتاوى الهندية» (١/ ٥)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٥٩، ١٦٠)، و «كشاف القناع» (١/ ٩٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٥٦)، و «المبدع» (١/ ١٢٤).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١/ ١٤٤).
(٣) «بلغة السالك على الشرح الصغير» (١/ ٧٦).
(٤) «الدر المختار» (١/ ٢١٦).
قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: لأنَّ المَسحَ على شَعرِ الرأسِ ليسَ بَدلًا عن المَسحِ على البَشرةِ؛ لأنَّه يَجوزُ مع القُدرةِ على مَسحِ البَشرةِ ولو كانَ بَدلًا لم يَجزْ، ولا يُعادُ، بل المَحلُّ بذلك (١).
وقالَ القَرافِيُّ -نَقلًا عن صاحِبِ «الطِّراز» من المالِكيةِ-: لا يُعرفُ في هذه المَسألةِ مُخالِفٌ إلا ابنَ جَريرٍ الطَّبريَّ حيثُ ألحَقَه بخَلعِ الخُفِّ بعدَ مَسحِه، قالَ: لأنَّ الفَرضَ قد سقَطَ أولًا، فزَوالُ الشَّعرِ لا يُوجبُه، كما إذا غسَلَ وَجهَه أو تَيمَّمَ ثم قطَعَ أنفَه؛ ولأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم كانوا يَحلِقونَ بمِنًى ثم يَنزِلونَ لطَوافِ الإفاضةِ ولم يُنقَلْ عن أحدٍ منهم إعادةُ مَسحِ رأسِه؛ ولأنَّه لا يُعادُ الغُسلُ للجَنابةِ وهي أَولى؛ لأنَّ مَنابِتَ الشَّعرِ لم تُغسَلْ قبلَ الحَلقِ، وهي من البَشرةِ المَأمورِ بغَسلِها، والفَرقُ بينَ الخُفَّينِ ومَسحِ الرأسِ أنَّ الشَّعرَ أصلٌ والخُفَّ فَرعٌ فإذا زالَ رجَعَ إلى الأصلِ (٢).
وقد حَكى الدُّسوقيُّ قَولًا عندَ المالِكيةِ بوُجوبِ إعادةِ مَسحِ الرأسِ بعدَ الحَلقِ، قالَ الدُّسوقيُّ: وهو ضَعيفٌ (٣).
ونقَلَ البُهوتيُّ عن ابنِ رَجبٍ أنَّ الإمامَ أحمدَ استحَبَّ أنَّه إذا حلَقَ رأسَه أنْ يَمسَّه بالماءِ، ولم يُوجِبْه (٤).
(١) «البحر الرائق» (١/ ١٦).
(٢) «الذخيرة» (١/ ٢٦٣)، و «منح الجليل» (١/ ٨٢).
(٣) «حاشية الدسوقي» (١/ ١٤٥، ١٤٦).
(٤) «كشاف القناع» (١/ ١٠٠)، وينظر: «مغني المحتاج» (١/ ١٦٠).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب فرض الطهارة
باب فَرْض الطَّهارَةِ
٢٣ - مسألة؛ قال: (وفَرْضُ الطَّهَارَةِ ماءٌ طاهِرٌ، وإزَالَةُ الحَدَثِ)
أرادَ بالطَّاهِرِ: الطَّهُورَ. وقد ذكرنا فيما مضى أنَّ الطَّهَارَةَ لا تَصِحُّ إلَّا بالماءِ الطَّهُورِ. وعَنَى بإزَالَةِ الحَدَثِ الاسْتِنْجاءَ بالماءِ أو بالأَحْجارِ، ويَنْبَغِى أن يَتَقَيَّدَ ذلك بحالةِ وجُودِ الحَدَثِ، كما تَقَيَّدَ اشْتِرَاطُ الطَّهارةِ بحالةِ وُجُودِهِ. وسَمَّى هَذين فَرْضَيْنِ لأنَّهُما مِن شَرائِطِ الوُضُوءِ، وشَرَائِطُ الشَّىءِ وَاجِبةٌ له، والواجبُ هو الفَرْضُ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ: اشْتِراطُ الاسْتِنْجاءِ لِصِحَّةِ الوُضُوءِ، فلو تَوَضَّأَ قَبْلَ الاسْتِنْجاءِ لَمْ يَصِحّ كالتَّيَمُّمِ. والرِّوايةُ الثانيةُ: يَصِحُّ الوُضُوءُ قبلَ الاسْتِنْجاءِ، ويَسْتَجْمِرُ بعد ذلك بالأحْجَارِ، أو يَغْسِل فَرْجَه بحائِلٍ بَيْنَه وبَيْنَ يَدَيْهِ ولا يَمَسّ الفَرْجَ. وهذه الرِّواية أصَحّ، وهى مَذْهَبُ الشَّافِعِىّ؛ لأنها إزَالَةُ نَجاسَةٍ، فلم تُشْتَرَطْ لِصِحَّة الطَّهَارةِ، كما لو كانت علَى غَيْرِ الفَرْجِ.
ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.