حكم الختان

الإسلام > الطهارة > سنن الفطرة > حكم الختان

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

حكم الختان - الأقوال والأدلة

حُكمُ الخِتانِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على مَشروعيةِ الخِتانِ.

قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ ختَنَ ابنَه فقد أصابَ، واتَّفَقوا على إِباحةِ الخِتانِ للنِّساءِ (١).

وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفَقوا على أنَّ الخِتانَ في حَقِّ الرِّجالِ، والخِفاضَ في حَقِّ الأُنثى مَشروعانِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ رحمة الله عليه: وخِتانُ المَرأةِ مَشروعٌ بغيرِ خِلافٍ (٣).

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا هل هو واجِبٌ على الذَّكرِ والأُنثى أو واجِبٌ على الذَّكرِ، وسُنةٌ للأُنثى أو هو سُنةٌ للجَميعِ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:

القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ -وهو وَجهٌ شاذٌّ عندَ الشافِعيةِ، ورِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ اختارَها ابنُ أبي موسى- إلى أنَّ الخِتانَ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ في حَقِّ الرِّجالِ يأثَمُ تارِكُها، وهو من الفِطرةِ ومِن شعائِرِ الإِسلامِ وخَصائِصِه، فلو اجتمَعَ أهلُ بَلدٍ على تَركِه حارَبَهم الإمامُ، ولا يُتركُ إلا لضَرورةٍ (٤).

(١) «مراتب الإجماع» ص (١٥٧).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٣٤٢).
(٣) «فتح الباري في شرح صحيح البخاري» (١/ ٣٧٢).
(٤) «البحر الرائق» (٨/ ٥٥٤)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٤٩٠)، و «حاشية ابن عابدين» على «الدر المختار» (٦/ ٧٥١)، و «الاختيار» (٤/ ١٧٨)، و «تبين الحقائق» (٦/ ٢٢٦)، و «الذخيرة» (٤/ ٦٦٧)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٤٤٤)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٢٩)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٥٨)، و «الثمر الداني» (١/ ٤١٠، ٦٨٢)، و «الكافي» (١/ ٦١٢)، و «المجموع» (٢/ ٣١٤)، و «الإنصاف» (١/ ١٢٣، ١٢٤)، و «الإفصاح» (١/ ٣٤٢)، و «الفتح» (١٠/ ٣٥٣)، و «تحفة المولود» ص (١١٠، ١١١)، و «المغني» (١/ ١٠٧).

أمَّا في حَقِّ المَرأةِ فهو مَكرُمةٌ، أي: مُستحبٌّ، وإنَّما كانَ مَكرُمةً لأنَّه يَردُّ ماءَ الوَجهِ ويُطيِّبُ الجِماعَ، والمُرادُ برَدِّ ماءِ الوَجهِ أنَّه يَتسبَّبُ عنه رَونقُ الوَجهِ وبَريقُه ولَمعانُه.

وفي قَولٍ عندَ الحَنفيةِ: أنَّه سُنةٌ للنِّساءِ أيضًا، أي: مُؤكَّدةٌ (١).

وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفَقوا على أنَّ الخِتانَ في حَقِّ الرِّجالِ، والخِفاضَ في حَقِّ الأُنثى مَشروعانِ.

ثم اختَلَفوا في وُجوبِه، فقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: هو سُنةٌ في حَقِّها، وليسَ بواجِبٍ وُجوبَ فَرضٍ، ولكنْ يَأثمُ تارِكوه (٢).

واستدَلُّوا على ذلك من السُّنةِ بحَديثِ أبي هُرَيرةَ مَرفوعًا: «خَمسٌ من الفِطرةِ: الخِتانُ، والاستِحدادُ، ونَتفُ الإبطِ، وتَقليمُ الأَظفارِ، وقَصُّ الشارِبِ» (٣).

قالوا: فقد قرَنَ الخِتانَ في الحَديثِ بقَصِّ الشارِبِ وغيرِه وليسَ ذلك واجِبًا.

(١) المصادر السابقة.
(٢) «الإفصاح» (١/ ٣٤٢).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.

وبحَديثِ ابنِ عَباسٍ مَرفوعًا: «الخِتانُ سُنةٌ للرِّجالِ مَكرُمةٌ للنِّساءِ» (١).

القَول الثاني: ذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ إلى أنَّ الخِتانَ واجِبٌ في حَقِّ الرِّجالِ دونَ النِّساءِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ الإمامُ أحمدُ: الرَّجلُ أشَدُّ، وذلك أنَّ الرَّجلَ إذا لم يَختتِنْ فتلك الجِلدةُ مُدلاةٌ على الكُمَّرةِ ولا يُنَقَّى ما ثَمَّ، والمَرأةُ أهوَنُ.

قالَ أبو عبدِ اللهِ: وكانَ ابنُ عَباسٍ يُشدِّدُ في أمرِه، ورُويَ عنه أنَّه لا حَجَّ ولا صَلاةَ، يَعني إذا لم يَختتِنْ (٢).

القَولُ الثالِثُ: ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وهو قَولُ سُحنونٍ وابنِ العَربيِّ من المالِكيةِ -وحُكيَ هذا القَولُ عن أبي حَنيفةَ ومالِكٍ- أنَّ الخِتانَ واجِبٌ على الرِّجالِ والنِّساءِ جَميعًا (٣).

واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي:

١ - أنَّ الخِتانَ من مِلةِ إِبراهيمَ عليه السلام: وقد اختتَنَ إِبراهيمُ عليه السلام

(١) حَدِيثٌ ضعيف: وسيَأتي تَخريجُه.
(٢) «المغني» (١/ ١٠١)، و «الإنصاف» (١/ ١٢٤).
(٣) «المجموع» (٢/ ٣١٤)، و «التنبيه» (١/ ١٤)، و «مختصر خلافيات البيهقي» (٥/ ٣٣)، والروضة (١٠/ ١٨٠)، و «الإفصاح» (١/ ٣٤٢)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٢٩)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٥٦)، و «طرح التثريب» (٢/ ٧١، ٧٢)، و «فتح الباري» (١٠/ ٣٥٢، ٣٥٣)، و «تحفة المولود» ص (١١٠، ١١١).

ففي الصَّحيحَينِ من حَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «اختتَنَ إِبراهيمُ عليه السلام وهو ابنُ ثَمانينَ سَنةً بالقَدُّومِ» (١).

وقد قالَ ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] والخِتانُ من مِلتِه.

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: لا دِلالةَ في الآيةِ على وُجوبِ الخِتانِ؛ لأنَّا أُمِرنا بالتَّديُّنِ بدِينِه فما فعَلَه مُعتقِدًا وُجوبَه فعَلناه مُعتقِدين وُجوبَه.

وما فعَلَه نَدبًا فعَلناه نَدبًا، ولم نَعلمْ أنَّه كانَ يَعتقدُه واجِبًا.

فالجَوابُ: أنَّ الآيةَ صَريحةٌ في اتِّباعِه فيما فعَلَه، وهذا يَقتَضي إِيجابَ كلِّ فِعلٍ فعَلَه، إلا ما قامَ الدَّليلُ على أنَّه سُنةٌ في حَقِّنا كالسِّواكِ ونَحوِه، وقد نقَلَ الخَطابيُّ أنَّ خِصالَ الفِطرةِ كانَت واجِبةً على إِبراهيمَ (٢).

٢ - جاءَ رَجلٌ إلى النَّبيِّ فقالَ: قد أسلَمتُ، قالَ: «ألقِ عَنْكَ شَعَرَ الكُفرِ واختَتِنْ» (٣)، وحَملُه على النَّدبِ في إلقاءِ الشَّعرِ لا يَلزمُ منه حَملُه عليه في الآخَرِ (٤).

(١) البخاري (٣١٧٨)، ومسلم (٢٣٧٠).
(٢) «المجموع» (٢/ ٣١٣).
(٣) رواه أبو داود (٣٥٦)، والبيهقي (١/ ١٧٢)، وحسنه الألباني بشواهده. انظر: «الإرواء» (١/ ٧٩)، و «صحيح الجامع» (٨٥١، ١٢٥١)، وقد ضعفه النووي والشوكاني وابن المنذر والحافظ في «الفتح» (١٠/ ٣٥٤).
(٤) «تحفة المولود» ص (١١١).

٣ - ما قالَه ابنُ القَيمِ: أنَّ الخِتانَ من أظهَرِ الشَّعائِرِ التي يُفرَّقُ بها بينَ المُسلمِ والنَّصرانِيِّ، فوُجوبُه أظهَرُ من وُجوبِ الوِترِ، وزَكاةِ الخَيلِ ووُجوبِ الوُضوءِ على مَنْ قَهقَه في صَلاتِه، ووُجوبِ الوُضوءِ على مَنْ احتجَمَ أو تَقيَّأ أو رعَفَ، ووُجوبِ التَّيممِ إلى المِرفَقينِ ووُجوبِ الضَّربتَين على الأرضِ وغيرِ ذلك، أمَّا وُجوبُ الخِتانِ فأظهَرُ مِنْ وُجوبِه وأقوى، حتى إنَّ المُسلِمينَ لا يَكادون يَعدُّون الأقلَفَ منهم، ولهذا ذهَبَ طائِفةٌ من الفُقهاءِ إلى أنَّ الكَبيرَ يَجبُ عليه أنْ يَختتِنَ ولو أدَّى إلى تَلفِه (١).

٤ - ولأنَّه لو لم يَكنْ واجِبًا لَما كُشفَت له العَورةُ؛ لأنَّ كَشفَ العَورةِ مُحرمٌ، فلَمَّا كُشفَت له العَورةُ دلَّ على وُجوبِه (٢).

٥ - وأنَّه لا يَستَغني فيه عن تَركِ واجِبَينِ وارتِكابِ مَحظورَينِ:

أحدُهما: كَشفُ العَورةِ في جانِبِ المَختونِ، والنَّظرُ إلى عَورةِ الأجنَبيِّ في جانِبِ الخاتِنِ.

فلو لم يَكنْ واجِبًا لمَا كانَ قد تُركَ له واجِبان وارتُكبَ مَحظورانِ (٣).

٦ - أنَّه -وإنْ كانَ مَذكورًا في جُملةِ السُّننِ- عندَ كَثيرٍ من العُلماءِ على الوُجوبِ، وذلك أنَّه شِعارُ الدِّينِ، وبه يُعرفُ المُسلمُ من الكافِرِ،

(١) «تحفة المولود» ص (١١٢).
(٢) قاله الشيرازي. انظر: «المجموع» (٢/ ٣١٣).
(٣) «تحفة المولود» ص (١١٣).

وإذا وُجدَ المَختونُ بينَ جَماعةِ قَتلَى غيرِ مَختونينَ صُلِّي عليه ودُفنَ في مَقابِرِ المُسلِمينَ (١).

وأيضًا لا مانِعَ من جَمعِ مُختلِفي الحُكمِ بلَفظِ أمرٍ واحِدٍ كما في قَولِه تَعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فإيتاءُ الواجِبِ حَقٌّ والأكلُ مُباحٌ (٢).

٧ - ولأنَّ الوَليَّ يُؤلِمُ فيه الصَّبيَّ ويُعرِّضُه للتَّلفِ بالسِّرايةِ، ويُخرجُ من مالِه أُجرةَ الخاتِنِ وثمَنَ الدَّواءِ، ولا يَضمنُ سِرايتَه بالتَّلفِ، ولو لم يَكنْ واجِبًا لمَا جازَ ذلك؛ فإنَّه لا يَجوزُ إِضاعةُ مالِه وإيلامُه الألَمَ البالِغَ وتَعريضَه للتَّلفِ بفِعلِ ما لا يَجبُ فِعلُه (٣).

٨ - ولأنَّه لو لم يَكنْ واجِبًا لمَا جازَ للخاتِنِ الإِقدامُ عليه، وإنْ أذِنَ فيه المَختونُ أو وَليُّه؛ فإنَّه لا يَجوزُ له الإِقدامُ على قَطعِ عُضوٍ لم يأمُرِ اللهُ ورَسولُه بقَطعِه، ولا أوجَبا قَطعَه كما لو أُذنَ له في قَطعِ أُذنِه أو إِصبعِه؛ فإنَّه لا يَجوزُ له ذلك، ولا يَسقطُ الإثمُ عنه بالإذنِ، وفي سُقوطِ الضَّمانِ عنه نِزاعٌ (٤).

(١) «تحفة المولود» ص (١١٣).
(٢) «فتح الباري» (١٠/ ٣٥٣)
(٣) «تحفة المولود» ص (١١٣)، وقد بينت في كتابي «الجامع لأحكام الكفالة والضمانات» مسألة الضمان هذه في ضمان الختان في باب الإجارة وباب الجنايات.
(٤) انظر السابق.

٩ - قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: إنَّ المَقصودَ بخِتانِ الرَّجلِ تَطهيرُه من النَّجاسةِ المُحتقِنةِ في القُلفةِ، والمَقصودُ من خِتانِ المَرأةِ تَعديلُ شَهوتِها؛ فإنَّها إنْ كانَت قَلفاءَ كانَت مُغتلِمةً شَديدةَ الشَّهوةِ، ولهذا يُقالَ في المُشاتَمةِ: يا ابنَ القَلفاءِ -أي: يا ابنَ التي لم تَختتِنْ-؛ فإنَّ القَلفاءَ تَتطلَّعُ إلى الرِّجالِ أكثَرَ، ولهذا يُوجدُ من الفَواحِشِ في نِساءِ التَّتَرِ ونِساءِ الإفرِنجِ ما لا يُوجدُ في نِساءِ المُسلِمينَ (١).

١٠ - قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: هذا مع ما في الخِتانِ من الطَّهارةِ والنَّظافةِ وتَحسينِ الخِلقةِ وتَعديلِ الشَّهوةِ التي إذا أفرَطَت ألحَقَت الإِنسانَ بالحَيوانِ، وإنْ عُدمَت بالكُليةِ ألحَقَته بالجَماداتِ، فالخِتانُ يُعدِّلُها، ولهذا تَجدُ الأقلَفَ من الرِّجالِ والقَلفاءَ من النِّساءِ لا يَشبَعانِ من الجِماعِ.

ولهذا يُذمُّ الرَّجلُ ويُشتمُ ويُعيَّرُ بأنَّه ابنُ القَلفاءِ، إِشارةً إلى غُلمتِها، وأيُّ زينةٍ أحسَنُ من أخذِ ما طالَ وجاوَزَ الحَدَّ من جِلدةِ القُلفةِ وشَعرِ العانةِ وشَعرِ الإبطِ وشَعرِ الشارِبِ وما طالَ من الظُّفرِ؛ فإنَّ الشَّيطانَ يَختبئُ تحتَ ذلك كلِّه ويَألفُه ويَقطُنُ فيه، حتى إنَّه يَنفخُ في إحليلِ الأقلَفِ وفَرجِ القَلفاءِ ما لا يَنفخُ في المَختونِ ويَختبئُ في شَعرِ العانةِ وتحتَ الأَظفارِ، فالغُرلةُ الجُزءُ الزائِدُ من الجِلدِ الذي يُقطعُ أقبَحُ في مَوضِعها من الظُّفرِ الطَّويلِ، والشارِبِ الطَّويلِ والعانةِ فاحِشةِ الطُّولِ، ولا يَخفَى على ذي الحِسِّ السَّليمِ

(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١١٤).

قُبحُ الغُرلةِ وما في إِزالتِها من التَّحسينِ والتَّنظيفِ والتَّزيُّنِ، ولهذا لمَّا ابتَلى اللهُ خَليلَه إِبراهيمَ بإِزالةِ هذه الأُمورِ فأتَمَّهن، جعَلَه إمامًا للناس.

هذا مع ما فيه من بَهاءِ الوَجهِ وضيائِه وتَركِه من الكَسفةِ التي تُرى عليه.

ورَوى أبو داودَ عن أُمِّ عَطيةَ أنَّ رَسولَ اللهِ أمَرَ خاتِنةً تَختِنُ فقالَ: «إذا ختَنتِ فلا تَنهِكي؛ فإنَّ ذلك أحظَى للمَرأةِ، وأحَبُّ إلى البَعلِ» (١).

ومَعنى هذا أنَّ الخافِضةَ إذا استأصَلَت جِلدةَ الخِتانِ ضعُفَت شَهوةُ المَرأةِ فقَلَّت حَظوتُها عندَ زَوجِها، كما أنَّها إذا تركَتْها كما هي لم تأخُذْ منها شَيئًا ازدادَت غُلمتُها، فإذا أخذَت منها وأبقَت كانَ ذلك تَعديلًا للخِلقةِ والشَّهوةِ، هذا مع أنَّه لا يُنكَرُ أنْ يَكونَ قَطعُ هذه الجِلدةِ عَلَمًا على العُبوديةِ؛ فإنَّك تَجدُ قَطعَ طَرفِ الأُذنِ وكَيَّ الجَبهةِ ونَحوَ ذلك في كَثيرٍ من الرَّقيقِ عَلامةً لرِقِّهم وعُبوديَّتِهم، حتى إذا أبَقَ رُدَّ إلى مالِكِه بتلك العَلامةِ، فما يُنكرُ أنْ يَكونَ قَطعُ هذا الطَّرفِ عَلمًا على عُبوديةِ صاحِبِه للهِ سُبحانَه حتى يَعرفَ الناسُ أنَّ من كانَ كذلك فهو من عَبيدِ اللهِ الحُنفاءِ، فيَكونَ الخِتانُ عَلمًا لهذه السُّنةِ التي لا يُوجدُ أشرَفُ منها، مع ما فيه من الطَّهارةِ والنَّظافةِ والزِّينةِ وتَعديلِ الشَّهوةِ (٢).

(١) صَحِيحٌ بشواهده: رواه أبو داود (٥٢٧١).
(٢) «تحفة المولود» ص (١٢٧، ١٢٨).

وقد أَجابوا عن أدِلةِ المُسقِطين لوُجوبِه بما يَلي:

١ - أمَّا دَليلُهم الأولُ، وهو حَديثُ ابنِ عَباسٍ: «الخِتانُ سُنةٌ للرِّجالِ مَكرُمةٌ لِلنِّساءِ» (١) فقالَ عنه ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: هذا حَديثٌ يُروى عن ابنِ عَباسٍ بإِسنادٍ ضَعيفٍ، والصَّحيحُ أنَّه مَوقوفٌ عليه، ويُروى أيضًا عن الحَجاجِ بنِ أَرطاةَ وهو مما لا يُحتجُّ به عن أبي المُلَيحِ بنِ أُسامةَ عن أبيه عنه وعن مَكحولٍ عن أبي أيُّوبَ عن النَّبيِّ فذكَرَه، ذكَرَ ذلك كلَّه البَيهقيُّ، ثم ساقَ عن ابنِ عَباسٍ أنَّه لا تُؤكلُ ذَبيحةُ الأقلَفِ، ولا تُقبلُ صَلاتُه، ولا تَجوزُ شَهادتُه، ثم قالَ: وهذا يَدلُّ على أنَّه كانَ يُوجِبُه.

وإنَّ قَولَه: «الخِتانُ سُنةٌ» أرادَ به سُنةَ النَّبيِّ ، وأنَّ رَسولَ اللهِ سَنَّه وأمَرَ به، فيَكونُ واجِبًا.

والسُّنةُ هي الطَّريقةُ، يُقالُ: سَنَنتُ له كذا، أي: شرَعتُ، فقَولُه: «الخِتانُ سُنةٌ للرِّجالِ» أي: مَشروعٌ لهم، لا أنَّه نَدبٌ غَيرُ واجِبٍ، فالسُّنةُ هي الطَّريقةُ المُتبعةُ وُجوبًا واستِحبابًا؛ لقَولِه : «مَنْ رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي» وقَولِه : «عليكم بسُنَّتي وسُنةِ الخُلفاءِ الراشِدينَ مِنْ بَعدي»، وقالَ ابنُ عَباسٍ: «مَنْ خالَف السُّنةَ كفَرَ».

وتَخصيصُ السُّنةِ بما يَجوزُ تَركُه اصطِلاحٌ حادِثٌ، وإلا فالسُّنةُ ما سَنَّه

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢٠٧٣٨)، والبيهقي في «الكبرى» (١٧٣٤٣).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 270 - 278

ارجع إلى سنن الفطرة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 26 ربيع الأول
هلال متناقص اليوم 27.5 / 29.5
الإضاءة 5%
الهلال الجديد بعد 2 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل