الإسلام > القضاء والشهادة > الحكم إذا تداعيا عينا > الضرب الثالث: ألا يكون مع واحد منهما بينة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةالضَّربُ الثالِثُ: ألَّا يَكونَ معَ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَداعَيا عَينًا بيَدِ ثالِثٍ أو ليسَت بيَدِ أحَدٍ وليسَ معَ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ هل يُقرَعُ بينَهما فمَن خرَجَت قُرعتُه حلَفَ لصاحِبِه وسُلِّمَت إليه، أم تُقسَّمُ بينَهما؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ العَينَ تُقسَّمُ بينَهما كما لو كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّه يُقرَعُ بينَهما فمَن خرَجَت له القُرعةُ حلَفَ أنَّها له وسُلِّمَت إليه؛ لما رَوى أَبو هُرَيرةَ رضي الله عنه أنَّ رَجلَينِ اختَصَما في مَتاعٍ إلى النَّبيِّ ﷺ ليسَ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ، فقالَ النَّبيُّ: ﷺ «استَهِما على اليَمينِ ما كانَ، أحَبَّا ذلك أو كَرِها» (٢).
ولأنَّهما تَساوَيا ولا بيِّنةَ لهما فيُقرَعُ بينَهما كالزَّوجتَينِ إذا أرادَ الزَّوجُ السَّفرَ بإِحداهُما (٣).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَدَّعيا عَينًا في يَدِ أحَدِهما:
إذا ادَّعَى رَجلانِ عَينًا وهي في يَدِ أحَدِهما فهذا لا يَخلو من صُورتَينِ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ يُقيمَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً:
اختَلفَ الفُقهاءُ في العَينِ إذا كانَت في يَدِ أحَدِهما وادَّعاها شَخصٌ آخَرُ وأقامَ بيِّنةً أنَّها له، وأقامَ من هي في يَدِه بيِّنةً أنَّها له، لمَن تَكونُ؟ هل لصاحِبِ اليَدِ ويُسمَّى الداخِلَ، أو للخارِجِ وهي من ليسَت في يَدِه؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ العَينَ إذا كانَت في يَدِ شَخصٍ ثم ادَّعاها شَخصٌ آخَرُ
(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٤/ ٢٢٥)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٣١٥، ٣١٦)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٠٠)، و «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٣٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أَبو داود (٣٦١٦)، وابن ماجه (٢٣٤٦)، وأحمد (١٠٣٥٢).
(٣) «الكافي» (٤/ ٤٨٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦١٠).
وأتى كلُّ واحِدٍ منهما ببَيِّنةٍ قُدِّمَت بيِّنةُ مَنْ هي في يَدِه ويُسمَّى الداخِلَ؛ لما رَواه الإمامُ الشافِعيُّ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه «أنَّ رَجلَينِ تَداعَيا دابَّةً فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما البَيِّنةَ أنَّها دابَّتُه نَتَجَها فقَضى بها رَسولُ اللهِ ﷺ للذي هي في يَده» (١)؛ لأنَّهما استَوَيا في إِقامةِ البَيِّنةِ وتَرجَّحَت بيِّنتُه بيَدِه فقُدِّمَت، والسِّرُّ في ذلك أنَّ الحُجَّتَينِ لمَّا تَعارَضَتا تَساقَطَتا فبَقيَ المَتاعُ في يَدِ صاحِبِ القَبضِ لعَدمِ ما يَقتَضي رَدَّه، أو نَقولُ: اعتضَدَت إِحدى البَيِّنتَينِ بالدَّليلِ الظاهِرِ، وهو القَبضُ، فرجَحَت (٢).
قالَ الدَّميريُّ رحمة الله عليه: وبه قَضى شُرَيحٌ وإليه ذهَبَ أكثَرُ العُلماءِ.
وقيلَ: لا يَقضي له إلا أنْ يَحلِفَ؛ لأنَّ البَيِّنتينِ تَعارَضَتا فسقَطَتا وبَقيَت اليَدُ، وهي لا يُقضَى بها من غيرِ يَمينٍ … ولا يُشتَرطُ في بيِّنةِ صاحِبِ اليَدِ أنْ يُبيِّنَ سبَبَ المِلكِ من شِراءٍ أو إرثٍ أو نَحوِه ولا يُشتَرطُ أنْ يَحلِفَ معَ بيِّنتِه (٣).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وإذا تَنازَعَ الرَّجلانِ المالَ فانظُرْ أيَّهما كانَ أَقوى سَببًا فيما يَتنازَعانِ فيه فاجعَلْه له، فإذا استَوى سَبَباهُما فليسَ واحِدٌ
(١) رواه الإمام الشافعي في «مسنده» ص (٣٣٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢١٠١٢).
(٢) «حجة الله البالغة» (١/ ٧٨١).
(٣) «النجم الوهاج» (١٠/ ٤٣٣)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٤٥٦).
منهما بأحَقَّ به من الآخَرِ، وهُما فيه سَواءٌ، فإذا تَنازَعا المالَ فهما مُستَويانِ في الدَّعوى؛ فإنْ كانَ ما يَتنازَعانِ فيه في يَدِ أحَدِهما فللذي هو في يَدَيه سَببٌ أقوى من سَببِ الذي ليسَ هو في يدَيه، فهو له معَ يَمينِه إذا لم تَقمْ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ؛ فإنْ أقامَ الذي ليسَ في يدَيه بيِّنةً بدَعواه قيلَ للذي هو في يدَيه البَيِّنةُ العادِلةُ التي لا تَجُرُّ إلى نَفسِها بشَهادَتِها ولا تَدفَعُ عنها إذا كانَت للمُدَّعي أقوَى من كَينونةِ الشَّيءِ في يَدِكَ من قِبَلِ أنَّ كَينونَتَه في يَدِكَ قد تَكونُ وأنتَ غيرُ مالِكٍ فهو للذي أقامَ البَيِّنةَ بفَضلِ قُوةِ سَببِه على سَببِك؛ فإنْ أقاما معًا البَيِّنةَ عليه قيلَ: قد استَوَيتُما في الدَّعوى واستَوَيتُما في البَيِّنةِ وللذي هو في يدَيه سبَبٌ بكَينونَتِه في يَدِه هو أَقوى من سَببِك فهو له بفَضلِ قُوةِ سَببِه، وهذا مُعتدِلٌ على أصلِ القياسِ، لو لم يَكنْ فيه سُنةٌ وفيه سُنةٌ بمِثلِ ما قُلنا.
(أخبَرَنا الرَّبيعُ) قالَ: أخبَرَنا الشافِعيُّ قالَ: أخبَرَنا ابنُ أَبي يَحيى عن إِسحاقَ بنِ أَبي فَروةَ عن عُمرَ بنِ الحَكَمِ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ «أنَّ رَجلَينِ تَداعَيا دابَّةً فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما البَيِّنةَ أنَّها دابَّتُه نَتَجَها، فقَضى بها رَسولُ اللهِ ﷺ للذي هي في يَدِه»، وهذا قَولُ كلِّ مَنْ حفِظتُ عنه ممَّن لَقيتُ في النِّتاجِ وفيما لا يَكونُ إلا مَرةً (١).
وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: وإنِ ادَّعَيا عَينًا في يَدِ أحَدِهما، وأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً حُكمَ بها لصاحِبِ اليَدِ. وبه قالَ شُرَيحٌ، والنَّخَعيُّ، والحَكمُ، ومالِكٌ، وأَبو ثَورٍ.
(١) «الأم» (٦/ ٢٣٦، ٢٣٧).
وقالَ أَبو حَنيفةَ: (إذا أقامَ المُدَّعي البَيَّنةَ، ثم أرادَ المُدَّعى عليه أنْ يُقيمَ البَيِّنةَ في مُقابَلتِه نُظِرَت: فإنْ كانَت تَشهَدُ بمِلكٍ مُطلَقٍ أو بمِلكٍ مُضافٍ إلى سَببٍ يَتكرَّرُ ذلك السَّببُ؛ مِثلَ أنْ تَكونَ الدَّعوَى في آنيةٍ تُسبَكُ وتُصاغُ ثانيًا وثالِثًا، أو في ثَوبِ كَتَّانٍ أو صُوفٍ يُنقَضُ ثم يُنسَجُ لم تُسمَعْ بيِّنتُه. وإنْ كانَت بيِّنتُه تَشهَدُ بمِلكٍ مُضافٍ إلى سَببٍ لا يَتكرَّرُ؛ مِثلَ أنْ تَكونَ الدَّعوَى في الدابَّةِ وشهِدَت بيِّنةُ المُدَّعي أنَّ الدابَّةَ له نَتَجَت في مِلكِه، وشهِدَت بيِّنةُ المُدَّعى عليه أنَّها له نتَجَت في مِلكِه فههنا بيِّنةُ الذي لا يَدَ له عليها أَولَى من بيِّنةِ صاحِبِ اليَدِ). وقالَ أَحمدُ: (بَيِّنةُ مَنْ لا يَدَ له أَولَى بكلِّ حالٍ).
دَليلُنا: ما رُويَ: «أنَّ رَجلَينِ اختَصَما إلى النَّبيِّ ﷺ في دابَّةٍ، وأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً أنَّها له نتَجَت في مِلكِه، فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ الدابةَ لمَن هي في يَدِه». ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما معَه بيِّنةٌ، ومع أحَدِهما تَرجيحٌ باليَدِ قُدِّمَت بيِّنتُه، كالخَبَرينِ إذا تَعارَضا ومع أحَدِهما تَرجيحٌ (١).
وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: في الرَّجلَينِ يَدَّعيانِ السِّلعةَ وهي في يَدِ أحَدِهما ويُقيمانِ جَميعًا البَيِّنةَ:
(قُلتُ): أرأيتَ لو أنَّ سِلعةً في يَدِ رَجلٍ ادَّعى رَجلٌ أنَّها له، وأقامَ البَيِّنةَ وادَّعَى الذي هي في يَدِه أنَّها له، وأقامَ البَيِّنةَ، لمَن هي؟ (قالَ): للذي هي في يَدِه عندَ مالِكٍ إذا تَكافأت البَيِّنتانِ في العَدالةِ (قال ابنُ القاسِمِ): وعليه اليَمينُ (٢).
(١) «البيان» (١٣/ ١٦٢، ١٦٣).
(٢) «المدونة الكبرى» (١٣/ ١٨٦، ١٨٧).
وقالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: (دابةٌ في يَدِ رَجلٍ ادَّعاها آخَرُ أنَّها دابَّتُه نتَجَها عندَه وأقامَ البَيِّنةَ على ذلك وأقامَ ذو اليَدِ البَيِّنةَ على مِثلِ ذلك قُضيَ بها لذي اليَدِ استِحسانًا) وفي القياسِ يُقضى بها للخارِجِ وهو قَولُ ابنِ أَبي لَيلى رحمة الله عليه، ووَجهُه أنَّ مَقصودَ كلِّ واحِدٍ منهما إِثباتُ المِلكِ حتى لا يَصيرَ خَصمًا إلا بدَعوى المِلكِ لنَفسِه، وفيما هو المَقصودُ ب «بَيِّنةُ ذي اليَدِ لا تُعارِضُ بيِّنةَ الخارجِ» كما بَيَّنَّا في دَعوى المِلكِ المُطلَقِ ولا فَرقَ بينَهما؛ فإنَّ إِقامةَ البَيِّنةِ على المِلكِ المُطلَقِ تُوجِبُ الاستِحقاقَ من الأصلِ، كإِقامةِ البَيِّنةِ على النِّتاجِ، إلا أنَّا استَحسَنَّا للأثَرِ، وهو ما رَواه أَبو حَنيفةَ رحمة الله عليه عن الهَيثَمِ عن رَجُلٍ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه «أنَّ رَجلًا ادَّعَى ناقةً بينَ يدَي رَسولِ اللهِ ﷺ على رَجلٍ وأقامَ البَيِّنةَ أنَّها ناقَتُه نَتَجَها وأقامَ ذو اليَدِ البَيِّنةَ أنَّها دابَّتُه نَتَجَها فقَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بها للذي هي في يَدِه».
ولأنَّ يَدَ ذي البَيِّنةِ لا تَدلُّ على أولَويةِ المِلكِ؛ فهو يُثبِتُ ببَيِّنتِه ما ليسَ بثابِتٍ، فوجَبَ بظاهِرِ يَدِه فوجَبَ قَبولُ البَيِّنةِ ثم تَترجَّحُ بيَدِه بخِلافِ المِلكِ المُطلَقِ؛ فإنَّ هناك لا يَثبُتُ ببَيِّنتِه إلا ما هو ثابِتٌ له بظاهِرِ يدِه فوجَبَ قَبولُ بيِّنتِه (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ العَينَ إذا كانَت بيَدِ أحَدِهما وكانَ لكلٍّ منهما بيِّنةٌ سُمعَت بيِّنةُ المُدَّعي وهو الخارِجُ، وحُكمَ له بها لحَديثِ:
(١) «المبسوط» (١٧/ ٦٤)، و «اللباب» (٢/ ٤٢٢، ٤٢٣).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وإذا قسم، طرحت السهام، فيصير لكل واحد ما وقع سهمه عليه، إلا أن يتراضيا
ولو كانتِ الأرضُ لاثْنَينِ، فأرادا قِسْمةَ البئرِ والشَّجرةِ دونَ الأرضِ، لم تكنْ قِسْمةَ إجبارٍ، وهكذا الأرضُ ذاتُ الشَّجَرِ، إذا اقْتُسِمَ الشجرُ دونَ الأرضِ، لم تكُنْ قِسْمةَ إجْبارٍ. ولو اقْتَسماها بشَجرِها، كانت قِسْمةَ إجْبارٍ؛ لأنَّ الشجرَ يَدْخُلُ تَبَعًا للأرضِ، فيَصِيرُ الجميعُ كالشىءِ الواحدِ، ولهذا تجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بيعَ شىءٌ من الأرضِ بشَجَرهِ. وإذا قُسِمَ ذلك دونَ الأرضِ، صارَ أصْلًا فى القِسْمةِ، ليس بتابعٍ لشىءٍ واحدٍ، فيَصِيرُ كأعْيانٍ مُفْرَدةٍ من الدُّورِ والدَّكَاكينِ المُتفرِّقةِ، ولهذا لا تَجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بِيعَ مُفْرَدًا. وكلُّ قِسْمةٍ غيرِ واجبةٍ، إذا تَراضَيا بها، فهى بَيْعٌ، حُكمُها حُكْمُ البَيْعِ.
١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قُسِمَ، طُرِحَتِ السِّهَامُ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ، إِلَّا أنْ يَتَرَاضَيَا، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا رَضِىَ بِهِ)
ارجع إلى الحكم إذا تداعيا عينا للاطلاع على جميع المسائل.