الإسلام > القضاء والشهادة > الركن الثالث المقر به > الحالة الثالثة: إذا قال له: «علي مال عظيم»
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوخَمسٌ مِنْ الإبِلِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الإبِلِ، وثَلاثونَ مِنْ البَقَرِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ البَقَرِ، وأربَعونَ مِنْ الضَّأنِ أو المَعزِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الضَّأنِ أو المَعزِ، وخَمسةُ أوسُقٍ مِنْ الحَبِّ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الحَرثِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ ثالِثٍ إلى أنَّه يَلزَمُه أقَلُّ ما يُستَباحُ به البُضعُ والقَطعُ؛ لأنَّه إذا ثبَتَ التَّقديرُ بما ذكَرْناه وكانَ المالُ اسمًا لمِقدارٍ مِنْ الكَثرةِ يَزيدُ على القَليلِ النَّزرِ كانَ أقَلَّ تَقديرٍ يُمكِنُ حَملُه على ما ذكَرْناه؛ لقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقد ثبَتَ أنَّ أوَّلَ المُهورِ رُبعُ دِينارٍ، ولقَولِ عائِشةَ رضي الله عنها: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ لا يَقطَعُ في التافِهِ وكانَ يَقطَعُ في رُبعِ دِينارٍ» (٢) (٣).
الحالةُ الثالِثةُ: إذا قالَ له: «علَيَّ مالٌ عَظيمٌ»:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أقَرَّ له بمالٍ عَظيمٍ أو كَثيرٍ بأنْ قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ أو كَثيرٌ أو جَليلٌ أو نَفيسٌ، أو عَظيمٌ جِدًّا» هل يُقدَّرُ بمِقدارٍ مُعيَّنٍ أو لا يُقدَّرُ بمِقدارٍ ويُرجَعُ فيه إلى تَفسيرِه؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إنْ قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ» لم يُصدَّقْ في أقَلَّ مِنْ مِئتَي دِرهَمٍ؛ لأنَّه إِقرارٌ بمالٍ مَوصوفٍ فلا يَجوزُ إِلغاءُ الوَصفِ،
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٨٧، ٨٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٣٦)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٩٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٩٨).
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٠٧)، ومسلم (١٦٨٤) بلفظٍ قَريبٍ: «لا تُقطعُ يدُ السارِقِ إلا في ربعِ دِينارٍ فصاعِدًا».
(٣) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٨٧، ٨٨).
والنِّصابُ عَظيمٌ، حتى اعتُبِرَ صاحِبُه غَنيًّا به، والغَنيُّ عَظيمٌ عندَ الناسِ، وهذا إذا قالَ: «مالٌ عَظيمٌ مِنْ الدَّراهِمِ»، أمَّا إذا قالَ: «مِنْ الدَّنانيرِ»، فالتَّقديرُ بعِشرينَ مِثقالًا، وفي الإبِلِ بخَمسٍ وعِشرينَ؛ لأنَّه أَدنى نِصابٍ تَجِبُ فيه الزَّكاةُ مِنْ جِنسِه، وفي غيرِ مالِ الزَّكاةِ يُقدَّرُ بقيمةِ النِّصابِ، وكذا إذا قالَ: «مالٌ كَثيرٌ، أو جَليلٌ»، فهو كقَولِه: «عَظيمٌ»، وعَن أبي حَنيفةَ يُصدَّقُ في عَشَرةِ دَراهِمَ إذا قالَ: «مِنْ الدَّراهِمِ»؛ لأنَّه نِصابُ السَّرِقةِ، فهو عَظيمٌ حَيثُ تُقطَعُ به اليَدُ المُحتَرمةُ، قالَ السَّرخَسيُّ: والأصَحُّ أنَّه يُبنَى على حالِ المُقِرِّ في الفَقرِ، والغِنَى، فإنَّ القَليلَ عندَ الفَقيرِ عَظيمٌ، وكما أنَّ المِئتَينِ عَظيمةٌ في حُكمِ الزَّكاةِ، فالعَشرةٌ عَظيمةٌ في قَطعِ يَدِ السارِقِ وتَقديرِ المَهرِ، فيَتعارَضُ ويَكونُ المَرجِعُ فيه إلى حالِ الرَّجلِ.
وإنْ قالَ: «له مالٌ نَفيسٌ، أو خَطيرٌ أو كَثيرٌ»، لزِمَه عَشرةُ دَراهمَ عندَ أبي حَنيفةَ (١).
وأمَّا المالِكيةُ فعِندَهم خَمسةُ أقوالٍ في المَذهبِ إذا قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ»، الصَّحيحُ منها أنَّه يَلزَمُه أقَلُّ نِصابٍ مِنْ نِصاباتِ الزَّكاةِ مِنْ أَنواعِ أَموالِهم؛ لأنَّ المالَ له تَقديرٌ في اللُّغةِ والشَّريعةِ، أمَّا في اللُّغةِ فإنَّهم لا يَعقِلونَ مِنْ قَولِهم: «فُلانٌ مِنْ أَربابِ المالِ»، أنَّه يَملِكُ دانَقًا أو دِرهَمًا، وإنَّما يَعقِلونَ زِيادةً على ذلك ببَيِّنةٍ، وأمَّا الشَّرعُ فقد ثبَتَ أنَّ النِّصابَ مالٌ؛ لقَولِه ﷺ: «لا زَكاةَ في مالٍ حتى يَحولَ عليه الحَولُ» فلم يَثبُتْ لما دونَه هذا الاسمُ يُوجِبُ صَرفَ الكَلامِ إليه.
(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «اللباب» (١/ ٤٥٦، ٤٥٧).
فعلى هذا يَلزَمُه أقَلُّ ما يُسَمَّى نِصابًا مِنْ جِنسِ مالِ المُقِرِّ فيَلزَمُه عِشرونَ دِينارًا إنْ كانَ مِنْ أهلِ الذَّهَبِ، ومِئَتا دِرهَمٍ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الوَرِقِ، وخَمسٌ مِنْ الإبِلِ إن كانَ مِنْ أهلِ الإبِلِ، وثَلاثونَ مِنْ البَقَرِ إن كانَ مِنْ أهلِ البَقَرِ، وأربَعونَ مِنْ الضَّأنِ أو المَعزِ إن كانَ مِنْ أهلِ الضَّأنِ أو المَعزِ، وخَمسةُ أوسُقٍ مِنْ الحَبِّ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الحَرثِ (١).
والقَولُ الثانِي: أنَّه يَرجِعُ فيه إلى تَفسيرِه القَولَ لأنَّه لا حَدَّ في ذلك؛ لأنَّه لَفظٌ مُجمَلٌ، فوجَبَ أنْ يُرجَعَ في بَيانِه إليه، أصلُه قَولُه: «علَيَّ شَيءٌ أو حَقٌّ»، ولأنَّ أَلفاظَ صاحِبِ الشَّرعِ المُجمَلةِ لمَّا وَجَبَ في الرُّجوعِ في تَفسيرِها إليه، كذلك الإِقرارُ وكُلُّ مُجمَلٍ تَعلَّقَ به حُكمٌ، ولأنَّ العَظيمَ لا حَدَّ له في اللُّغةِ، ولا في الشَّريعةِ، ولا في العادةِ، فإذا لم يَثبُتْ تَقديرٌ مِنْ إِحدى هذه الجِهاتِ وجَبَ الرُّجوعُ فيه إلى المُقِرِّ، كما لو قالَ: «له علَيَّ مالٌ مَعلومٌ أو مَوصوفٌ».
والقَولُ الثالِثُ: أنَّه لا بدَّ مِنْ صِفةٍ زائِدةٍ، ويَكونُ زيادةً على أقَلِّ مالٍ، ويَرجِعُ في تَفسيرِه إليه؛ لأنَّه وَصَفه بالعَظيمِ والكَثيرِ، وذلك يَقتَضي زيادةَ صِفةٍ على إطلاقِ الاسمِ، كما أنَّ قَولَهم: رَجلٌ طَويلٌ وقَصيرٌ يَقتَضي إثباتَ صِفاتٍ زائِدةٍ على مُطلَقِ الاسمِ، وإذا قُلنا: إنَّه يَلزَمُه ما يَلزَمُه بقَولِه: «مالٌ»، فقط، ألغَينا الصِّفةَ، ولا سَبيلَ إلى ذلك، ولأنَّ القيراطَ والحَبةَ لا يَصِفُها أحَدٌ في لُغةٍ ولا شَرعٍ أنَّه عَظيمٌ ولا كَثيرٌ، فلم يَصِحَّ تَعلُّقُ الحُكمِ به، ولأنَّه لو قالَ: «له علَيَّ مالٌ حَقيرٌ أو قَليلٌ أو نَزرٌ»، ثم وصَفَه بالدانَقِ والقيراطِ،
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٨٧، ٨٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٣٦)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٩٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٩٨).
لقُبِلَ ذلك منه، وذلك يَقتَضي أنْ يَكونَ وَصفُه بالعَظيمِ والكَثيرِ بخِلافِ النَّزارةِ والقِلةِ.
ووَجهُ القَولِ أنَّه يُرجَعُ في تَفسيرِها له غايةً، وقد ثبَتَ وُجودُ زِيادةٍ على مُطلَقِ الاسمِ، ولم يَثبُتْ تَقديرٌ فيه، فوجَبَ الرُّجوعُ إليه في تَقديرِه.
القَولُ الرابِعُ: لا يُقبَلُ منه أقَلُّ مِنْ نِصابِ السَّرِقةِ.
القَولُ الخامِسُ: يَلزَمُه بقَدرِ الدِّيةِ؛ لأنَّ وَصفَه بالعَظيمِ يَقتَضي المُبالَغةَ فيه، فوجَبَ أنْ يَطلُبَ له مِنْ التَّقديرِ أعلَى ما في بابِه؛ لأنَّ ذلك عَظيمٌ مِنْ وَجهٍ، وقَليلٌ مِنْ وَجهٍ، والوَصفُ له بالعَظيمِ يَقتَضي تَخصيصَه بهذا المَعنى وانتِقاءَ غَيرِه عنه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إنْ قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ أو كَثيرٌ أو جَليلٌ أو نَفيسٌ أو عَظيمٌ، أو عَظيمٌ عَظيمٌ» لم يُقدَّرْ بشَيءٍ، وجازَ تَفسيرُه بالقَليلِ والكَثيرِ، كما لو قالَ: «مالٌ» ولم يَزِدْ عليه؛ لأنَّ العَظيمَ والكَثيرَ لا حدَّ له في الشَّرعِ ولا في اللُّغةِ ولا في العُرفِ، ويَختلِفُ الناسُ فيه فمنهم مَنْ يَستعظِمُ القَليلَ ومنهم مَنْ يَستعظِمُ الكَثيرَ، ومنهم مَنْ يَحتقِرُ الكَثيرَ فلم يَثبُتْ في ذلك حَدٌّ يُرجَعُ إلى تَفسيرِه به، ولأنَّه ما مِنْ مالٍ إلا وهو عَظيمٌ كَثيرٌ بالنِّسبةِ إلى ما دونَه، ويُحتمَلُ أنَّه أرادَ عَظيمًا عِندَه، لفَقرِ نَفسِه ودَناءَتِها (٢).
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٨٨، ٨٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٣٦)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٩٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٩٨).
(٢) «البيان» (١٣/ ٤٣٩، ٤٤٠)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٦٣، ٥٦٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٠٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٤٢)، و «تحفة المحتاج» (٦/ ٦١٨)، و «المغني» (٥/ ١١٠)، و «الكافي» (٤/ ٥٩١)، و «كشاف القناع» (٦/ ٦٠٦، ٦٠٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٧٥٦، ٧٥٧)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٤٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسم، رحمه الله تعالى: (ولا يولى قاض حتى يكون بالغا، عاقلا، مسلما،
القريبِ وَجْهَيْنِ. وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتفاضةِ. ولم يفصلوا بينَ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَّى عليًّا ومُعاذًا قَضاءَ اليمنِ وهو بعيدٌ، مِن غيرِ إشْهادٍ ، ووَلَّى الوُلاةَ في البلادِ البعيدةِ وَفوَّضَ إليهم الوِلايةَ والقضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه. ولم يُنقلْ عنهم الإشْهادُ على تَوْلِيَةِ القَضاءِ، مع بُعْدِ بُلدانِهم. ولَنا، أنَّ القضاءَ لا يَثْبتُ إلَّا بأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقد تعذَّرَتِ الاسْتفاضةُ في البلدِ البعيدِ؛ لِعَدَمِ وُصولِها إليه، فتعَيَّن الإشْهادُ، ولا نُسلِّمُ أنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَتِه، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يَبْعَثْ واليًا إلَّا ومعه جماعةٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أشْهدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عدمُ فِعْلِه، وقد قامَ دليلُه، فتعَيَّن وُجودُه.
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا ، مُسْلِمًا، حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، فَقِيهًا، وَرِعًا)
ارجع إلى الركن الثالث: المقر به للاطلاع على جميع المسائل.