الشرط الثالث: الجدية في الإقرار

الإسلام > القضاء والشهادة > الركن الثاني المقر له > الشرط الثالث: الجدية في الإقرار

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

الشرط الثالث: الجدية في الإقرار - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ الثّالِثُ: الجِدّيةُ في الإِقرارِ:

قالَ الحَنفيةُ: يُشتَرطُ في الإِقرارِ الجِدّيةُ، فلذلك فالإِقرارُ الواقِعُ بطَريقِ الاستِهزاءِ والاستِخفافِ غيرُ صَحيحٍ. مَثَلًا لو قالَ أحَدٌ لآخَرَ: «إنَّك مَدينٌ لي بعَشَرةِ دَنانيرَ»، فأجابَه مُستَهزِئًا: «نَعَمْ»، أو قالَ: «خُطَّ كيسَكَ واقبِضْ» فلا يَكونُ مُقِرًّا.

كذلك لو قالَ أحَدٌ لآخَرَ: «أدِّ لي الدَّنانيرَ العَشرةَ التي في ذِمَّتِك»، فأجابَه الآخَرُ مُستَهزِئًا: «ستأخُذُها قَريبًا»، فلا يَكونُ إقرارًا، ولو قالَ شَخصٌ لآخَرَ: «لي عليك كذا»، فقالَ استِهزاءً: «نَعَم، أحسَنتَ»، فهو إِقرارٌ ويُؤاخَذُ به.

فإذا ادَّعَى المُقِرُّ بأنَّ إقرارَه استِهزاءٌ، وادَّعَى المُقَرَّ له بأنَّه كانَ جادًّا، واختَلَفا، لا يُصدَّقُ المُقِرُّ بادِّعاءِ الاستِهزاءِ بلا بيِّنةٍ، أي أنَّ مُجرَّدَ ادِّعاءِ الاستِهزاءِ غيرُ مَقبولٍ، وقَرينةُ هَزِّ الرَّأسِ غيرُ مُعتَبَرةٍ.

فإذا عَجَزَ المُقِرُّ عن إثباتِ الاستِهزاءِ يُصدَّقُ المُقَرُّ له بحَلِفِ اليَمينِ على عَدَمِ العِلمِ بكَونِ الإِقرارِ استِهزاءً (١).

الشَّرطُ الرّابِعُ: أهليةُ المُقَرِّ له لاستِحقاقِ المُقَرِّ به حِسًّا أو شَرعًا:

اتَّفَقَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشتَرطُ في المُقَرِّ له أنْ يَكونَ أهلًا لاستِحقاقِ المُقَرِّ به لأنَّه حينَئِذٍ يُصادِفُ مَحَلَّه، وصِدقُه مُحتمَلٌ، فلو قالَ لهذه الدّابةِ أو دابةِ فُلانٍ -أو لهذا الحَجرِ- علَيَّ كذا، فلَغوٌ، لأنَّها ليسَت

(١) «درر الحكام» (٤/ ٨١)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ١١٤).

أهلًا للاستِحقاقِ فإنَّها غيرُ قابِلةٍ للمِلكِ في الحالِ ولا في المَآلِ، ولا يُتَصوَّرُ منها تَعاطي السَّبَبِ كالبَيعِ ونَحوِه.

وهذا إذا كانَ في المالِكِ، أمَّا إذا أقَرَّ لخَيلٍ مُسبَّلةٍ أو لمَسجِدٍ فيَصِحُّ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ، ويُحمَلُ على أنَّه مِنْ غَلةِ وَقفٍ عليها أو وَصيةٍ لها (١).

قالَ الشافِعيةُ: وأمَّا إنْ قالَ: «عليَّ بسَبَبِها لمالِكِها كذا»، وَجَبَ لأنَّه أقَرَّ للمالِكِ لا لها، وهي السَّبَبُ: إمّا بجِنايةٍ عليها، وإمَّا باستيفاءِ مَنفَعَتِها بإجارةٍ أو غَصبٍ، ويَكونُ المُقَرُّ به مِلكًا لمالِكِها حينَ الإِقرارِ، فإنْ لم يَقُلْ: «لمالِكِها»، واقتَصَرَ على قَولِه: بسَبَبِها لم يَلزَمْ أنْ يَكونَ المُقَرُّ به لمالِكِها في الحالِ، بل يُسألُ ويُحكَمُ بمُوجِبِ بَيانِه إذ يَحتمِلُ أنْ يَكونَ المُقَرُّ به لغَيرِ مالِكِها، كأنْ تَكونَ أتَلَفَت شَيئًا على إنسانٍ وهي في يَدِ المُقِرِّ (٢).

وأمَّا الحَنابِلةُ فقالوا: إنْ أقَرَّ لبَهيمةٍ بشَيءٍ لم يَصِحَّ الإقرارُ، لأنَّها لا تَملِكُ، ولا لها أهليةُ المِلكِ، وإنْ قالَ: «علَيَّ ألفٌ بسَبَبِ هذه البَهيمةِ» لم يَكنْ مُقِرًّا لأحَدٍ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهَبِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ صِحةِ الإِقرارِ ذِكرَ المُقَرِّ له، وإنْ قالَ: «لمالِكِها أو لزَيدٍ عليَّ ألفٌ بسَبَبِها» صَحَّ.

(١) «المبسوط» للشيباني (٨/ ١٩٧)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٨٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٨٥، ٨٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٨٩، ٩٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٣١)، و «تحفة المحتاج» (٦/ ٥٨٦، ٥٨٨) «المغني» (٥/ ٨٩)، و «المبدع» (١٠/ ٣٠٨)، و «الإنصاف» (١٢/ ١٤٥، ١٤٦)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٨١).
(٢) «النجم الوهاج» (٥/ ٨٩، ٩٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٣١)، و «تحفة المحتاج» (٦/ ٥٨٦، ٥٨٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسم، رحمه الله تعالى: (ولا يولى قاض حتى يكون بالغا، عاقلا، مسلما،

القريبِ وَجْهَيْنِ. وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتفاضةِ. ولم يفصلوا بينَ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَّى عليًّا ومُعاذًا قَضاءَ اليمنِ وهو بعيدٌ، مِن غيرِ إشْهادٍ ، ووَلَّى الوُلاةَ في البلادِ البعيدةِ وَفوَّضَ إليهم الوِلايةَ والقضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه. ولم يُنقلْ عنهم الإشْهادُ على تَوْلِيَةِ القَضاءِ، مع بُعْدِ بُلدانِهم. ولَنا، أنَّ القضاءَ لا يَثْبتُ إلَّا بأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقد تعذَّرَتِ الاسْتفاضةُ في البلدِ البعيدِ؛ لِعَدَمِ وُصولِها إليه، فتعَيَّن الإشْهادُ، ولا نُسلِّمُ أنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَتِه، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يَبْعَثْ واليًا إلَّا ومعه جماعةٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أشْهدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عدمُ فِعْلِه، وقد قامَ دليلُه، فتعَيَّن وُجودُه.

١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا ، مُسْلِمًا، حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، فَقِيهًا، وَرِعًا)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 249 - 250

ارجع إلى الركن الثاني: المقر له للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله