أنواع الفسق

الإسلام > القضاء والشهادة > شروط من تقبل شهادته > أنواع الفسق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

أنواع الفسق - الأقوال والأدلة

أَنواعُ الفِسقِ:

الفِسقُ نَوعانِ: فِسقٌ من جِهةِ الأَفعالِ وفِسقٌ من جِهةِ الاعتِقادِ.

النَّوعُ الأوَّلُ: فِسقٌ من جِهةِ الأَفعالِ:

اتَّفَق أهلُ العِلمِ كما تقدَّمَ على أنَّه يُشتَرطُ في الشاهدِ أنْ يَكونَ عَدلًا؛ فإنْ كانَ فاسِقًا بارتِكابِه كَبيرةً أو إِصرارِه على صَغيرةٍ أو كانَ يَلعَبُ بالنَّردِ أو الشِّطْرَنجِ على مالٍ أو يَفعَلُ غيرَ ذلك مِنْ كلِّ ما هو مُحرَّمٌ؛ فإنَّه لا تُقبلُ شَهادَتُه، قالَ ابنُ قُدامةَ: الفُسوقُ نَوعانِ: أَحدُهما من حيثُ الأَفعالُ، فلا نَعلمُ خِلافًا في رَدِّ شَهادتِه (١).

وللفُقهاءِ كَلامٌ كَثيرٌ في كلِّ مَذهبٍ فيما يُعدُّ من الأَشياءِ حَرامًا، والضابِطُ في هذا أنَّ كلَّ مَنْ ارتكَبَ كَبيرةً ولم يَتبْ منها أو أصَرَّ على صَغيرةٍ من قَولٍ أو فِعلٍ فهو مَردودُ الشَّهادةِ.

النَّوعُ الثانِي: الفِسقُ من جِهةِ الاعتِقادِ (قَبولُ شَهادةِ أهلِ البِدعِ):

اختَلفَ الفُقهاءُ في الفِسقِ من جِهةِ الاعتِقادِ، وهُم أهلُ الأَهواءِ مِنْ المُبتدِعةِ هل تُقبلُ شَهادتُهم أو لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ أهلِ الأَهواءِ مُطلقًا.

قالَ المالِكيةُ: لا تُقبلُ شَهادةُ مُبتدعٍ كالخارِجيِّ والقَدَريِّ ولو كانَ عن تَأويلٍ غلِطَ فيه فلا فَرقَ بينَ المُتأوِّلِ والجاهِلِ الذي يُقلِّدُ غيرَه في ذلك، ولا يُعذَرُ بجَهلٍ (٢).

(١) «المغني» (١٠/ ١٦٨)، وينظر: المصادر السابقة.
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٥٨٨، ٥٨٩)، و «التاج والإكليل» (٥/ ١٠٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٦١٤)، و «تحبير المختصر» (٥/ ١١٠).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا تُقبلُ شَهادةُ فاسِقٍ من جِهةِ الاعتِقادِ، وهُم أهلُ البِدعِ، ولو اعتقَدَ أنَّه دِينُ حَقٍّ، فتُردُّ شَهادتُهم؛ لأنَّ ذلك أحدُ نَوعَيِ الفِسقِ فتُردُّ به الشَّهادةُ كالنَّوعِ الآخَرِ، ولأنَّ المُبتدِعَ فاسِقٌ فتُردُّ شَهادتُه للآيةِ، والمَعنى: فلو قلَّدَ في القَولِ بخَلقِ القُرآنِ أو نَفيِ رُؤيةِ اللهِ تَعالى في الآخِرةِ أو الرَّفضِ أو التَّجهُّمِ ونَحوِه كالتَّجسيمِ وخَلقِ العَبدِ أَفعالَه فسَقَ، ويُكفَّرُ مُجتهِدُهم الداعيةُ، قالَ المَجدُ: الصَّحيحُ أنَّ كلَّ بِدعةٍ كَفَّرنا فيها الداعيةَ فإنَّا نُفسِّقُ المُقلِّدَ فيها كمَن يَقولُ بخَلقِ القُرآنِ أو بأنَّ ألفاظَنا به مَخلوقةٌ أو أنَّ عِلمَ اللهِ مَخلوقٌ، أو أنَّ أَسماءَه مَخلوقةٌ أو أنَّه لا يُرَى في الآخِرةِ، أو يَسُبُّ الصَّحابةَ تَديُّنًا، أو أنَّ الإِيمانَ مُجردُ الاعتِقادِ، وما أشبَهَ ذلك، فمَن كانَ عالِمًا في شَيءٍ من هذه البِدعِ يَدعو إليه ويُناظِرُ عليه فهو مَحكومٌ بكُفرِه، نَصَّ أَحمدُ على ذلك في مَواضِعَ.

واختارَ المُوفَّقُ: لا يُكفَّرُ مُجتهِدُهم الدَّاعيةُ لقَولِ أَحمدَ للمُعتصِمِ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى قَبولِ شَهادةِ أهلِ الأَهواءِ من أهلِ البِدعِ إذا كانوا مُجتنِبينَ للكَذبِ إلا الخَطابيةَ مِنْ الرافِضةِ؛ فإنَّهم يُصدِّقونَ مَنْ حلَفَ عندَهم بأنَّ له على فُلانٍ كذا، فيَشهَدونَ بذلك، يَعتقِدونَ بأنَّه صادِقٌ في دَعواه، نُسِبوا إلى ابنِ الخَطابِ، وهو رَجلٌ بالكُوفةِ يَعتقِدُ أنَّ عليًّا هو

(١) «المغني» (١٠/ ١٦٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٣١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦٦٣).

الإِلهُ الأكبَرُ، وجَعفَرًا الصادِقَ الإِلهُ الأصغَرُ، وقد قتَلَه الأميرُ عيسى بنُ موسى وصلَبَه.

ووَجهُ قَولِ قَبولِ شَهادتِهم أنَّه اختِلافٌ لم يُخرِجْهم عن الإِسلامِ، أشبَهَ الاختِلافَ في الفُروعِ، ولأنَّ فِسقَهم لا يَدلُّ على كَذِبِهم لكَونِهم ذَهَبوا إلى ذلك تَديُّنًا واعتِقادًا أنَّه الحَقُّ، ولم يَرتكِبوه عالِمينَ بتَحريمِه بخِلافِ فِسقِ الأَفعالِ (١).

قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ذهَبَ الناسُ مِنْ تَأويلِ القُرآنِ والأَحاديثِ، أو مَنْ ذهَبَ منهم، إلى أُمورٍ اختَلَفوا فيها، فتَبايَنوا فيها تَباينًا شَديدًا، واستحَلَّ فيها بعضُهم مِنْ بعضٍ ما تَطولُ حِكايتُه، وكانَ ذلك منهم مُتقادِمًا منه ما كانَ في عَهدِ السَّلفِ وبعدَهم إلى اليَومِ، فلم نَعلَمْ أحَدًا مِنْ سَلفِ هذه الأُمةِ يُقتَدى به ولا مِنْ التابِعينَ بعدَهم رَدَّ شَهادةَ أحَدٍ بتَأويلٍ، وإنْ خَطَّأه وضلَّلَه ورآه استحَلَّ فيه ما حُرِّمَ عليه، ولا رَدَّ شَهادةَ أحدٍ بشَيءٍ من التَّأويلِ كانَ له وَجهٌ يَحتمِلُه، وإنْ بلَغَ فيه استِحلالَ الدَّمِ والمالِ، أو ردَّ المُفرطَ من القَولِ، وذلك أنَّا وجَدنا الدِّماءَ أعظَمَ ما يُعصَى اللهُ تَعالى به بعدَ الشِّركِ ووَجَدنا مُتأوِّلينَ يَستحلُّونَها بوُجوهٍ، وقد رغَّبَ لهم نُظراؤُهم عنها

(١) «اختلاف العُلماء» (١/ ٢٨٦، ٢٨٧)، و «مختصر اختلاف العُلماء» (٣/ ٣٣٤، ٣٣٥)، و «أحكام القرآن» (٢/ ٢٣٤)، و «المبسوط» (١٦/ ١٣٢، ١٣٣)، و «الهداية» (٣/ ١٢٣)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٦٨)، و «اللباب» (٢/ ٤٥٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٧/ ١٠٨)، و «الحاوي الكبير» (١٧/ ١٦٨، ١٧٦)، و «البيان» (١٣/ ٢٨٠، ٢٨١)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٢١)، و «شرح صحيح مسلم» (٧/ ١٦٠)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٣٢٢، ٣٢٣)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٣٨٦).

وخالَفوهم فيها، ولم يَردُّوا شَهادتَهم بما رَأَوْا من خِلافِهم، فكلُّ مُستحِلٍّ بتَأويلٍ من قَولٍ أو غيرِه فشَهادتُه ماضيةٌ لا تُردُّ من خَطأٍ في تَأويلِه، وذلك أنَّه قد يَستحِلُّ مَنْ خالَفَه الخَطَأَ، إلا أنْ يَكونَ منهم من يُعرفُ باستِحلالِ شَهادةِ الزُّورِ على الرَّجلِ؛ لأنَّه يَراه حَلالَ الدَّمِ أو حَلالَ المالِ فتُردُّ شَهادتُه بالزُّورِ أو يَكونُ منهم مَنْ يَستحِلُّ أو يَرى الشَّهادةَ للرَّجلِ إذا وثِقَ به فيَحلِفُ له على حَقِّه ويَشهَدُ له بالبَتِّ ولم يَحضُرْه ولم يَسمَعْه، فتُردُّ شَهادتُه من قبَلِ استِحلالِه الشَّهادةَ بالزُّورِ، أو يَكونُ منهم مَنْ يُبايِنُ الرَّجلَ المُخالِفَ له مُبايَنةَ العَداوةِ له فتُردُّ شَهادتُه من جِهةِ العَداوةِ، فأيَّ هذا كانَ فيهم أو في غيرِهم ممَّن لا يُنسَبُ إلى هَوًى رَدَدتُ شَهادتَه، وأيُّهم سلِمَ من هذا أجَزتُ شَهادتَه.

وشَهادةُ مَنْ يَرى الكَذبَ شِركًا باللهِ، أو مَعصيةً له، يُوجِبُ عليها النارَ، أَولَى أنْ تَطيبَ النَّفسُ عليها مِنْ شَهادةِ مَنْ يُخفِّفُ المَأثمَ عليها، وكذلك إذا كانوا ممَّن يَشتِمُ قَومًا على وَجهِ تَأويلٍ في شَتمِهم لا على وَجهِ العَداوةِ، وذلك أنَّا إذا أجَزْنا شَهادتَهم على استِحلالِ الدِّماءِ كانَت شَهادتُهم بشَتمِ الرِّجالِ أَولَى ألَّا تُردَّ؛ لأنَّه مُتأوَّلٌ في الوَجهَينِ، والشَّتمُ أخَفُّ من القَتلِ (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: الفاسِقُ باعتِقادِه إذا كانَ مُتحفِّظًا في دِينِه؛ فإنَّ شَهادتَه مَقبولةٌ، وإنْ حكَمْنا بفِسقِه، كأهلِ البِدعِ والأَهواءِ الذين لا نُكفِّرُهم، كالرافِضةِ والخَوارجِ والمُعتزِلةِ ونَحوِهم، هذا مَنصوصُ الأئِمةِ.

(١) «الأم» (٦/ ٢٠٥، ٢٠٦).

قالَ الشافِعيُّ: أَقبلُ شَهادةَ أهلِ الأَهواءِ بعضِهم على بعضٍ إلا الخَطابيةَ؛ فإنَّهم يَتديَّنونَ بالشَّهادةِ لمُوافِقيهم على مُخالِفيهم.

ولا رَيبَ أنَّ شَهادةَ مَنْ يَكفرُ بالذَّنبِ ويَعدُّ الكَذبَ ذَنبًا أَولَى بالقَبولِ ممَّن ليسَ كذلك، ولم يَزلِ السَّلفُ والخَلفُ على قَبولِ شَهادةِ هؤلاءِ ورِوايتِهم.

وإنَّما منَعَ الأئِمةُ -كالإِمامِ أَحمدَ بنِ حَنبَلٍ وأَمثالِه- قَبولَ رِوايةِ الداعي المُعلِنِ بِدعتَه وشَهادتِه، ومَنَعوا الصَّلاةَ خَلفَه هَجرًا له وزَجرًا ليَنكَفَّ ضَررُ بِدعتِه عن المُسلِمينَ، ففي قَبولِ شَهادتِه ورِوايتِه والصَّلاةِ خَلفَه واستِقضائِه وتَنفيذِ أَحكامِه رِضًا ببِدعتِه وإِقرارٌ له عليها وتَعريضٌ لقَبولِها منه.

قالَ حَربٌ: قالَ أَحمدُ: لا تَجوزُ شَهادةُ القَدَريةِ والرافِضةِ وكلِّ مَنْ دَعا إلى بِدعةٍ ويُخاصِمُ عليها.

وقالَ المَيمونِيُّ: قالَ أَبو عبدِ اللهِ في الرافِضةِ: لعَنَهم اللهُ، لا تُقبلُ شَهادتُهم ولا كَرامةَ لهم.

وقالَ إِسحاقُ بنُ مَنصورٍ: قُلتُ لأَحمدَ: كانَ ابنُ أَبي لَيلَى يُجيزُ شَهادةَ كلِّ صاحِبِ بِدعةٍ إذا كانَ عَدلًا فيهم، لا يَستحِلُّ شَهادةَ الزُّورِ.

قالَ أَحمدُ: ما تُعجِبُني شَهادةُ الجَهميةِ والرافِضةِ والقَدَريةِ والمُعلِنةِ.

وقالَ المَيمونِيُّ: سمِعتُ أَبا عبدِ اللهِ يَقولُ: مَنْ أخافُ عليه الكُفرَ -مِثلَ الرَّوافِضِ والجَهميةِ- لا تُقبلُ شَهادتُهم ولا كَرامةَ لهم.

وقالَ في رِوايةِ يَعقوبَ بنِ بَختانَ: إذا كانَ القاضِي جَهميًّا لا نَشهَدُ عندَه.

وقالَ أَحمدُ بنُ الحَسنِ التِّرمذيُّ: قدِمتُ على أَبي عبدِ اللهِ فقالَ: ما حالُ قاضِيكم؟ لقد مُدَّ له في عُمرِه، فقُلتُ له: إنَّ للناسِ عِندي شَهاداتٍ صِرتُ إلى البِلادِ لا آمَنُ إذْ أشهَدُ عندَه أنْ يَفضَحَني. قالَ: لا تَشهَدْ عندَه. قُلتُ: يَسألُني مَنْ له عِندي شَهادةٌ. قالَ: لكَ ألَّا تَشهدَ عندَه.

قُلتُ: مَنْ كفَرَ بمَذهبِه كمَن يُنْكِرُ حُدوثَ العالَمِ وحَشرَ الأَجسادِ وعِلمَ الرَّبِّ تَعالى بجَميعِ الكائِناتِ وأنَّه فاعِلٌ بمَشيئتِه وإِرادتِه، فلا تُقبلُ شَهادتُه؛ لأنَّه على غيرِ الإِسلامِ، فأمَّا أهلُ البِدعِ المُوافِقونَ لأهلِ الإِسلامِ ولكنَّهم مُخالِفونَ في بعضِ الأُصولِ كالرافِضةِ والقَدريةِ والجَهميةِ وغُلاةِ المُرجِئةِ ونَحوِهم، فهؤلاءِ أَقسامٌ:

أَحدُها: الجاهِلُ المُقلِّدُ الذي لا بَصيرةَ له، فهذا لا يُكفَّرُ ولا يُفسَّقُ ولا تُردُّ شَهادتُه إذا لم يَكنْ قادِرًا على تَعلُّمِ الهُدى، وحُكمُه حُكمُ المُستَضعَفينَ من الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلدانِ الذين لا يَستَطيعونَ حِيلةً ولا يَهتَدونَ سَبيلًا، فأُولئكَ عَسى اللهُ أنْ يَعفوَ عنهم، وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفورًا.

القِسمُ الثانِي: المُتمكِّنُ من السُّؤالِ وطَلبِ الهِدايةِ ومَعرفةِ الحَقِّ ولكنْ يَتركُ ذلك اشتِغالًا بدُنياه ورياستِه ولَذَّتِه ومَعاشِه وغيرِ ذلك، فهذا مُفرِّطٌ مُستحِقٌّ للوَعيدِ آثِمٌ بتَركِ ما وجَبَ عليه من تَقوَى اللهِ بحَسَبِ استِطاعتِه، فهذا حُكمُه حُكمُ أَمثالِه من تارِكي بَعضِ الواجِباتِ؛ فإنْ غلَبَ ما فيه من البِدعةِ والهَوى على ما فيه من السُّنةِ والهُدى رُدَّت شَهادتُه، وإنْ غلَبَ ما فيه من السُّنةِ والهُدى قُبلَت شَهادتُه.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 56 - 61

ارجع إلى شروط من تقبل شهادته للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله