الإسلام > القضاء والشهادة > شروط من تقبل شهادته > الحالة الثانية: أن يشهد الكفار بعضهم على بعض
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةالحالةُ الثانيةُ: أنْ يَشهدَ الكُفارُ بَعضُهم على بعضٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ قَبولِ شَهادةِ أهلِ الكِتابِ بعضِهم على بَعضٍ هل تَجوزُ أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تَجوزُ شَهادةُ أهلِ الكِتابِ بعضِهم على بعضٍ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فمنَعَت هذه الآيةُ من قَبولِ شَهادتِهم من وَجهَينِ:
أَحدُهما: أنَّهم غيرُ عُدولٍ.
والثانِي: أنَّهم ليسوا مِنَّا.
وقالَ تَعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجر: ٦] والكافِرُ فاسِقٌ، فوجَبَ أنْ يُتثبَّتَ في خَبَرِه، والشَّهادةُ أغلَظُ من الخَبَرِ، فأوجَبَت التَّوقُّفَ عن شَهادتِه.
ولقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، نَفى اللهُ ﷾ أنْ يَكونَ للكافِرينَ على المُؤمِنينَ سَبيلٌ، وفي قَبولِ شَهادةِ بَعضِهم على بعضٍ إِثباتُ السَّبيلِ للكافِرينَ على المُؤمِنينَ؛ لأنَّه يَجبُ على القاضِي القَضاءُ بشَهادتِهم وأنَّه مَنفيٌّ، ولأنَّ العَدالةَ شَرطُ قَبولِ الشَّهادةِ، ولأنَّ الفِسقَ مانِعٌ والكُفرَ رأسُ الفِسقِ، فكانَ أَولَى بالمَنعِ من القَبولِ.
ولمَا رَواه أَبو هُريرةَ مَرفوعًا: «لا تَجوزُ شَهادةُ مِلةٍ على مِلةٍ إلا شَهادةَ المُسلِمينَ؛ فإنَّها تَجوزُ على جَميعِ المِللِ» (١).
(١) ضَعِيفٌ: رواه البيهقي (٢٠٤٠٤).
ولأنَّ الفاسِقَ المُسلمَ أكمَلُ من الكافرِ العَدلِ، لصِحةِ العِباداتِ من الفاسِقِ، ولاستِحقاقِ المِيراثِ، وذلك لا يَصحُّ من الكافرِ، ولا يَستحِقُّ مِيراثَ مُسلمٍ، ثم كانَ الفِسقُ مانِعًا من قَبولِ الشَّهادةِ، فكانَ الكُفرُ أَولَى أنْ يَكونَ مانِعًا منها.
ويَتحرَّرُ لك من هذا الاستِدلالِ قِياسانِ:
أَحدُهما: أنَّ مَنْ لم تُقبَلْ شَهادتُه على المُسلمِ، لم تُقبَلْ شَهادتُه على غيرِ المُسلمِ كالفاسِقِ.
والثانِي: أنَّ مَنْ رُدَّت شَهادتُه بالفِسقِ رُدَّت شَهادتُه بالكُفرِ، كالشَّهادةِ على المُسلمِ، ولأنَّ الكَذبَ يَمنعُ من قَبولِ الشَّهادةِ، والكَذبُ على اللهِ تَعالى أعظَمُ من الكَذبِ على عِبادِه، ثم كانَت شَهادةُ مَنْ كذَبَ على الناسِ من المُسلِمينَ مَردودةً، والكافِرُ الكاذِبُ على اللهِ أَولَى أنْ تُردُّ شَهادتُه، وقد وصَفَ اللهُ تَعالى كَذِبَهم فقالَ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٣]. ويَتحرَّرُ من هذا الاستِدلالِ قِياسانِ:
أَحدُهما: أنَّ مَنْ كانَ مَوسومًا بالكَذبِ رُدَّت شَهادتُه، كالمُسلمِ.
والثانِي: أنَّ الكَذبَ إذا رُدَّت به شَهادةُ المُسلمِ، فأَولَى أنْ تُردَّ به شَهادةُ الكافِرِ، كالكَذبِ على الناسِ.
ولأنَّ نَقصَ الكُفرِ أغلَظُ من نَقصِ الرِّقِّ، لوَجهَينِ:
أَحدُهما: أنَّ نَقص الكُفرِ يَمنعُ من صِحةِ العِباداتِ، ولا يَمنعُ منها نَقصُ الرِّقِّ.
والثانِي: أنَّ نَقصَ الكُفرِ يَمنعُ من قَبولِ الخَبَرِ، ولا يَمنعُ منه نَقصُ الرِّقِّ، ثم ثبَتَ باتِّفاقِنا واتَّفاقِ أَبي حَنيفةَ أنَّ نَقصَ الرِّقِّ يَمنعُ من قَبولِ الشَّهادةِ، فكانَ أَولَى أنْ يَمنعَ من قَبولِها نَقصُ الكُفرِ، ولهذه المَعاني منَعَ أَبو حَنيفةَ من قَبولِ شَهادةِ عَبدةِ الأَوثانِ اعتِبارًا بنَقصِ الكُفرِ، فكذلك أهلُ الكِتابِ.
ويَتحرَّرُ من هذا الاستِدلالِ قِياسانِ:
أَحدُهما: أنَّها شَهادةٌ يُمنعُ منها الرِّقُّ، فوجَبَ أنْ يُمنعَ منها الكُفرُ، قِياسًا على شَهادةِ الوَثنيِّ.
والثانِي: أنَّها شَهادةٌ يَمنعُ منها كُفرُ الوَثنيِّ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ منها كُفرُ الكِتابيِّ كالشَّهادةِ على المُسلمِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ -وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القَيمِ- إلى أنَّه تُقبلُ شَهادةُ أهلِ الذِّمةِ بعضِهم على بعضٍ إذا كانوا عُدولًا في دِينِهم، وإنِ اختَلفَت مِللُهم، وهُم اليَهودُ والنَّصارى والمَجوسُ إذا ضُربَت عليهم الجِزيةُ وأُعطُوا الذِّمةَ، ولا تُقبلُ شَهادتُهم
(١) «المدونة الكبرى» (١٣/ ١٥٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٦٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ١٠٩)، و «الأم» (٦/ ١٤١، ١٤٢)، و «الحاوي الكبير» (١٧/ ٦١)، و «البيان» (١٣/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٣٧٠)، و «المغني» (١٠/ ١٨١، ١٨٢)، و «شرح الزَّركشيّ» (٣/ ١١٠)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٢٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦٥٩)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٦١٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٩٩، ٥٠٠).
على المُسلمِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فقد تَضمَّنَت هذه الآيةُ الدِّلالةَ على جَوازِ شَهادةِ أهلِ الذِّمةِ بعضِهم على بعضٍ، وذلك لأنَّها قد اقتَضَت جَوازَ شَهاداتِهم على المُسلِمينَ، وهي على أهلِ الذِّمةِ أشَدُّ جَوازًا، فقد دَلَّت الآيةُ على جَوازِ شَهادتِهم على أهلِ الذِّمةِ في الوَصيةِ في السَّفرِ، ولمَّا نُسخَ منها جَوازُها على المُسلِمينَ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بَقيَ بذلك جَوازُ شَهادةِ أهلِ الذِّمةِ عليهم، ونُسخَ بذلك قَولُه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] وبَقيَ حُكمُ دِلالَتِها في جَوازِها على أهلِ الذِّمةِ في الوَصيةِ في السَّفرِ، وإذا كانَ حُكمُها باقيًا في جَوازِها على أهلِ الذِّمةِ في الوَصيةِ في السَّفرِ، وفي مَنعِ جَوازِها على المُسلِمينَ اقتَضى ذلك جَوازَها عليهم في سائِرِ الحُقوقِ.
ولمَا رَواه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أجازَ شَهادةَ أهلِ الكِتابِ بعضِهم على بعضٍ» (١).
ورَوى أَبو داودَ بإِسنادِه عن جابِرٍ قالَ: «جاءَت اليَهودُ برَجلٍ منهم وامرَأةٍ زَنَيا فقالَ النَّبيُّ ﷺ ائتُونِي بأعلَمِ رَجلَينِ منكم، فأتَوْه بابنَيْ
(١) ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٣٧٤).
صُورِيا فنَشَدَهما كيف تَجِدانِ أمرَ هذَينِ في التَّوراةِ؟ قالا: نَجدُ في التَّوراةِ: إذا شهِدَ أربَعةٌ أنَّهم رأَوْا ذكَرَه في فَرجِها مِثلَ المِيلِ في المُكحَلةِ رُجِما، قالَ: فما يَمنَعُكم أنْ تَرجُموهما؟ قالا: ذهَبَ سُلطانُنا وكرِهنا القَتلَ، فدَعا رَسولُ اللهِ ﷺ بالشُّهودِ، فجاؤُوا أربَعةٌ فشهِدوا أنَّهم رأَوْا ذكَرَه في فَرجِها مِثلَ المِيلِ في المُكحَلةِ فأمَرَ النَّبيُّ ﷺ برَجمِهما» (١).
فدَلَّ على قَبولِ شَهادةِ أهلِ الذِّمةِ، بعضِهم على بعضٍ؛ لأنَّ الزانيَينِ لم يُقِرَّا ولم يَشهَدْ عليهما المُسلِمونَ؛ فإنَّهم لم يَحضُروا زِناهما والنَّبيُّ ﷺ في هذه القِصةِ دَعا بالشُّهودِ فجاؤُوا أربَعةٌ فشهِدوا أنَّهم رأَوْا ذكَرَه في فَرجِها مِثلَ المِيلِ في المُكحَلةِ.
وفي بعضِ طُرقِ هذا الحَديثِ: فجاءَ أربَعةٌ منهم، وفي بعضِها: فقالَ لليَهودِ: «ائتُوني بأربَعةٍ منكم».
ولأنَّهم إذا قبِلوا عَقدَ الذِّمةِ؛ فإنَّ لهم ما للمُسلِمينَ وعليهم ما على المُسلِمينَ، وللمُسلمِ على المُسلمِ شَهادةٌ، فكذا للذِّميِّ على الذِّميِّ، فظاهِرُه يَقتَضي أنْ يَكونَ للذِّميِّ على المُسلمِ شَهادةٌ كالمُسلمِ إلا أنَّ ذلك صارَ مَخصوصًا من عُمومِ النَّصِّ.
ولأنَّ الحاجةَ مسَّت إلى صِيانةِ حُقوقِ أهلِ الذِّمةِ ولا تَحصلُ الصِّيانةُ إلا أنْ يَكونَ لبَعضِهم على بعضٍ شَهادةٌ، ولا شَكَّ أنَّ الحاجةَ إلى صِيانةِ حُقوقِهم ماسَّةٌ؛ لأنَّهم إنَّما قبِلوا عَقدَ الذِّمةِ لتَكونَ دِماؤُهم كدِمائِنا وأَموالُهم كأَموالِنا.
(١) صَحِيحٌ: رواه أَبو داود (٤٤٥٢).
والدَّليلُ على أنَّ الصيانةَ لا تَحصلُ إلا أنْ يَكونَ لبعضِهم على بعضٍ شَهادةٌ؛ لأنَّ هذه المُعاملاتِ تَكثُرُ فيما بينَهم، ولأنَّ المُسلِمينَ لا يَحضُرونَ مُعاقَداتِهم ليَتحَمَّلوا حَوادِثَهم، فلو لم يَكنْ لبعضِهم على بعضٍ شَهادةٌ لضاعَت حُقوقُهم عندَ الجُحودِ والإِنكارِ فدَعَت الحاجةُ إلى الصِّيانةِ بالشَّهادةِ.
ولأنَّ الكُفرَ لا يُنافي الوِلايةَ؛ لأنَّ الكافِرَ يَلي على أَطفالِه وعلى نِكاحِ بَناتِه، فكانَ أَولَى ألَّا يُمنعَ من الشَّهادةِ؛ لأنَّها أخَفُّ شُروطًا من الوِلايةِ. ولأنَّ مَنْ كانَ عَدلًا من أهلِ دِينِه قُبلَت شَهادتُه كالمُسلِمينَ.
ولأنَّه فِسقٌ على وَجهِ التأويلِ، فلم يَمنَعْ من قَبولِ الشَّهادةِ كأهلِ البَغيِ.
وعن عُمرَ وعلِيٍّ رضي الله عنهما في ذِميَّينِ دِينًا قالا: «يُدفَعانِ إلى أهلِ دِينِهما ليَحكُمَ بينَهما» ومِن ضَرورةِ جَوازِ حُكمِ بعضِهم على بعضٍ، والسَّلفُ رحمهم الله كانوا مُجمِعينَ على هذا حتى قالَ يَحيَى بنُ أكثَمَ رحمة الله عليه: «تَتبَّعتُ أَقاويلَ السَّلفِ فلم أجِدْ أحَدًا منهم لم يُجوِّزْ شَهادةَ أهلِ الذِّمةِ بعضِهم على بعضٍ إلا أنِّي رأيتُ لرَبيعةَ فيه قَولَينِ».
والمَعنى فيه أنَّ الكافِرَ من أهلِ الوِلايةِ، فيَكونُ من أهلِ الشَّهادةِ كالمُسلمِ.
وبَيانُ الوَصفِ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، والمُرادُ منه الوِلايةُ دونَ المُوالاةِ؛ فإنَّه مَعطوفٌ على قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢].
والدَّليلُ عليه أنَّها تَصحُّ الأنكِحةُ فيما بينَهم، ولا نِكاحَ إلا بوَليٍّ، والمُسلمُ إذا خطَبَ إلى كِتابيٍّ ابنَتَه الصَّغيرةَ فزوَّجَها به جازَ النِّكاحُ، ولأنَّ الكافرَ من أهلِ الوِلايةِ على نَفسِه ومالِه على الإِطلاقِ، فيَكونُ من أهلِ الوِلايةِ على غيرِه عندَ وُجودِ شَرطِ تَعدِّي وِلايتِه إلى الغيرِ، والشَّهادةُ نَوعُ وِلايةٍ، فإذا ثبَتَت الأَهليةُ للوِلايةِ ثبَتَت الأَهليةُ للشَهادةِ، ثم المَقبولُ تَرجُّحُ جانِبِ الصِّدقِ، وذلك في انزِجارِه عمَّا يَعتقِدُه حَرامًا في دِينِه، والكافرُ مُنزجِرٌ عن ذلك، فتُقبَلُ شَهادتُه، واسمُ العَدالةِ والرِّضاءِ ثبَتَ في حَقِّ الكافرِ في المُعامَلاتِ بصِفةِ الأَمانةِ، فقد وصَفَه اللهُ تَعالى بذلك في قوله ﷿: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥]، ولا يُقالُ: إنَّهم أظهَروا الكُفرَ عِنادًا كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]؛ لأنَّ هذا كانَ في الأَحبارِ الذين كانوا على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ حتى تَواطَؤوا على كِتمانِ بَعثِ رَسولِ اللهِ ﷺ ونُبوَّتِه فلا شَهادةَ لأُولئك عندَنا، فأمَّا مَنْ سِواهم فيَعتَقِدونَ الكُفرَ؛ لأنَّ عندَهم أنَّ الحَقَّ ما هم عليه، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، وقالَ ٥: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وبهذا التَّحقيقِ يَتبيَّنُ أنَّ فِسقَهم فِسقُ اعتِقادٍ، وقد بَيَّنَّا أنَّ هذا لا يُمكِّنُ تُهمةَ الكَذبِ في الشَّهادةِ، وإنَّما لا تُقبلُ شَهادتُهم على المُسلِمينَ لانقِطاعِ وِلايتِهم عن المُسلِمينَ، وإنَّما لا تُقبلُ شَهادةُ العَبدِ والصَّبيِّ لانعِدامِ الأَهليةِ والوِلايةِ، وبه يَتبيَّنُ أنَّ أثَرَ الرِّقِّ فَوقَ تأثيرِ الكُفرِ في حُكمِ الوِلايةِ ثم هم يُعادونَ المُسلِمينَ بسَببٍ باطِلٍ فيَحمِلُهم ذلك على التَّقوِّي على المُسلِمينَ؛
فلهذا لا تُقبلُ شَهادتُهم على المُسلِمينَ، وأمَّا المُرتدُّ فلا وِلايةَ له على أحَدٍ.
قالَ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: ومِن أَصحابِنا رحمهم الله مَنْ يَقولُ: في قَبولِ شَهادةِ بعضِهم على بعضٍ ضَرورةٌ، ولأنَّ المُسلِمينَ قَلَّما يَحضُرونَ مُعامَلاتِ أهلِ الذِّمةِ -خُصوصًا الأَنكِحةَ والوَصايا-، فلو لم تَجزْ شَهادةُ بَعضِهم على بَعضٍ في ذلك أدَّى إلى إِبطالِ حُقوقِهم، وقد أُمِرنا بمُراعاةِ حُقوقِهم ودَفعِ ظُلمِ بعضِهم عن بعضٍ؛ فلهذه الضَّرورةِ قبِلْنا شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ كما قبِلنا شَهادةَ النِّساءِ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، ولا تَتحقَّقُ هذه الضَّرورةُ في شَهادَتِهم على المُسلِمينَ ولا في شَهادتِهم على شَهادةِ المُسلمِ أو على قَضاءِ قاضٍ مُسلمٍ (١).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وقد استدَلَّ مَنْ جوَّزَ شَهادةَ أهلِ الذِّمةِ بعضِهم على بعضٍ بهذه الآيةِ التى في سُورةِ المائِدةِ، وهي قَولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآيةَ، ثم قالَ مَنْ أخَذَ بظاهِرِ هذه الآيةِ من أهلِ الكُوفةِ: دَلَّت هذه الآيةُ على قَبولِ شَهادةِ أهلِ الذِّمةِ على المُسلِمينَ، فيَكونُ في ذلك تَنبيهٌ ودِلالةٌ على قَبولِ شَهادةِ بعضِهم على بعضٍ
(١) «المبسوط» (١٦/ ١٣٥، ١٣٦)، و «أحكام القرآن» (٤/ ١٦٣)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٨٠، ٢٨١)، و «الهداية» (٣/ ١٢٤)، و «شرح فتح القدير» (٧/ ٤١٦)، و «الاختيار» (٢/ ١٧٩)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٦٨)، و «اللباب» (٢/ ٤٥٨)، و «العناية» (١٠/ ٤٥٤)، و «المغني» (١٠/ ١٨١)، و «المحرر في الفقه» (٢/ ٢٨١)، و «المبدع» (١٠/ ٢١٧).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسم، رحمه الله تعالى: (ولا يولى قاض حتى يكون بالغا، عاقلا، مسلما،
القريبِ وَجْهَيْنِ. وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتفاضةِ. ولم يفصلوا بينَ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَّى عليًّا ومُعاذًا قَضاءَ اليمنِ وهو بعيدٌ، مِن غيرِ إشْهادٍ ، ووَلَّى الوُلاةَ في البلادِ البعيدةِ وَفوَّضَ إليهم الوِلايةَ والقضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه. ولم يُنقلْ عنهم الإشْهادُ على تَوْلِيَةِ القَضاءِ، مع بُعْدِ بُلدانِهم. ولَنا، أنَّ القضاءَ لا يَثْبتُ إلَّا بأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقد تعذَّرَتِ الاسْتفاضةُ في البلدِ البعيدِ؛ لِعَدَمِ وُصولِها إليه، فتعَيَّن الإشْهادُ، ولا نُسلِّمُ أنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَتِه، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يَبْعَثْ واليًا إلَّا ومعه جماعةٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أشْهدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عدمُ فِعْلِه، وقد قامَ دليلُه، فتعَيَّن وُجودُه.
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا ، مُسْلِمًا، حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، فَقِيهًا، وَرِعًا)
ارجع إلى شروط من تقبل شهادته للاطلاع على جميع المسائل.