الإسلام > القضاء والشهادة > شروط من تقبل شهادته > الحكم إذا كان أغلب الناس فساقا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةالقِسمُ الثالِثُ: أنْ يَسألَ ويَطلُبَ ويَتبيَّنَ له الهُدى ويَتركَه تَقليدًا وتَعصُّبًا أو بُغضًا أو مُعاداةً لأَصحابِه، فهذا أقَلُّ دَرجاتِه أنْ يَكونَ فاسِقًا، وتَكفيرُه مَحلُّ اجتِهادٍ وتَفصيلٍ؛ فإنْ كانَ مُعلِنًا داعيةً رُدَّت شَهادتُه وفتاويه وأَحكامُه معَ القُدرةِ على ذلك، ولم تُقبَلْ له شَهادةٌ ولا فَتوى ولا حُكمٌ إلا عندَ الضَّرورةِ كحالِ غَلبةِ هؤلاءِ واستِيلائِهم وكَونِ القُضاةِ والمُفتينَ والشُّهودِ منهم، ففي رَدِّ شَهادتِهم وأَحكامِهم إذْ ذاك فَسادٌ كَثيرٌ ولا يُمكنُ ذلك، فتُقبلُ للضَّرورةِ.
وقد نَصَّ مالِكٌ رحمة الله عليه على أنَّ شَهادةَ أهلِ البِدعِ كالقَدَريةِ والرافِضةِ ونَحوِهم لا تُقبلُ وإنْ صَلَّوْا صَلاتَنا واستَقبَلوا قِبلَتَنا.
قالَ اللَّخميُّ، وذلك لفِسقِهم، قالَ: ولو كانَ ذلك عن تَأويلٍ غلِطوا فيه.
فإذا كانَ هذا رَدَّهم لشَهادةِ القَدريةِ -وغَلطُهم إنَّما هو مِنْ تأويلِ القُرآنِ كالخَوارجِ- فما الظَّنُّ بالجَهميةِ الذين أخرَجَهم كَثيرٌ من السَّلفِ من الثِّنتَينِ والسَّبعينَ فِرقةً (١).
الحُكمُ إذا كانَ أغلَبُ الناسِ فُسَّاقًا:
قالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: وعلى هذا فإذا كانَ الناسُ فُساقًا كلُّهم إلا القَليلَ النادِرَ قُبلَت شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ، ويُحكمُ بشَهادةِ الأمثَلِ من الفُساقِ فالأمثَلِ، هذا هو الصَّوابُ الذي عليه العَملُ، وإنْ أنكَرَه كَثيرٌ من الفُقهاءِ بألسِنتِهم كما أنَّ العَملَ على صِحةِ وِلايةِ الفاسِقِ ونُفوذِ أَحكامِه وإنْ
(١) «الطرق الحكمية» ص (٢٥٣، ٢٥٦).
أنكَروه بألسِنتِهم، وكذلك العَملُ على صِحةِ كَونِ الفاسِقِ وَليًّا في النِّكاحِ ووَصيًّا في المالِ.
والعَجبُ ممَّن يَسلبُه ذلك ويَردُّ الوِلايةَ إلى فاسِقٍ مِثلِه أو أفسَقَ منه.
فإنَّ العَدلَ الذي تَنتقِلُ إليه الوِلايةُ قد تَعذَّرَ وُجودُه وامتازَ الفاسِقُ القَريبُ بشَفقةِ القَرابةِ، والوَصيُّ باختيارِ المُوصي، وإِيثارِه على غيرِه، ففاسِقٌ عَيَّنه المُوصي أو امتازَ بالقَرابةِ أَولَى من فاسِقٍ ليسَ كذلك، على أنَّه إذا غلَبَ على الظَّنِّ صِدقُ الفاسِقِ قُبلَت شَهادتُه وحُكمَ بها، واللهُ سُبحانَه لم يَأمرْ برَدِّ خبَرِ الفاسِقِ فلا يَجوزُ رَدُّه مُطلَقًا بل يَتثبَّتُ فيه حتى يَتبيَّنَ هل هو صادِقٌ أو كاذِبٌ؛ فإنْ كانَ صادِقًا قُبلَ قَولُه وعُملَ به وفِسقُه عليه، وإنْ كانَ كاذِبًا رُدَّ خبَرُه ولم يُلتفَتْ إليه.
ولرَدِّ خَبَرِ الفاسِقِ وشَهادتِه مَأخَذانِ:
أَحدُهما: عَدمُ الوُثوقِ به؛ إذْ تَحمِلُه قِلةُ مُبالاتِه بدِينِه ونُقصانُ وَقارِ اللهِ في قَلبِه على تَعمُّدِ الكَذبِ.
الثانِي: هَجرُه على إِعلانِه بفِسقِه ومُجاهَرتِه به.
فقَبولُ شَهادتِه إِبطالٌ لهذا الغَرضِ المَطلوبِ شَرعًا.
فإذا عُلمَ صِدقُ لَهجةِ الفاسِقِ وأنَّه مِنْ أصدَقِ الناسِ وإنْ كانَ فِسقُه بغَيرِ الكَذبِ فلا وَجهَ لرَدِّ شَهادتِه، وقد استَأجرَ النَّبيُّ ﷺ هاديًا يَدلُّه على طَريقِ المَدينةِ وهو مُشرِكٌ على دِينِ قَومِه ولكنْ لمَّا وَثِقَ بقَولِه أمِنَه ودَفَع إليه راحِلتَه وقبِلَ دِلالَتَه.
وقد قالَ أصبَغُ بنُ الفَرجِ: إذا شهِدَ الفاسِقُ عندَ الحاكِمِ وجَبَ عليه التَّوقُّفُ في القَضيةِ وقد يُحتَجُّ له بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦].
وحَرفُ المَسألةِ أنَّ مَدارَ قَبولِ الشَّهادةِ ورَدِّها على غَلَبةِ ظَنِّ الصِّدقِ وعَدمِه.
والصَّوابُ المَقطوعُ به أنَّ العَدالةَ تَتبعَّضُ فيَكونُ الرَّجلُ عَدلًا في شَيءٍ، فاسِقًا في شَيءٍ، فإذا تَبيَّن للحاكِمِ أنَّه عَدلٌ فيما شهِدَ به قبِلَ شَهادَتَه ولم يَضرُّه فِسقُه في غَيرِه.
ومَن عرَفَ شُروطَ العَدالةِ وعرَفَ ما عليه الناسُ تبيَّنَ له الصَّوابُ في هذه المَسألةِ واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ورَدُّ شَهادةِ مَنْ عُرفَ بالكَذبِ، مُتَّفقٌ عليه بينَ الفُقهاءِ، وقالَ: والعَدلُ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، وطائِفةٍ، بحَسَبِها، فيَكونُ الشاهِدُ في كُلِّ قَومٍ، مَنْ كانَ ذا عَدلٍ منهم، وإنْ كانَ لو كانَ في غَيرِهم، لَكانَ عَدلُه على وَجهٍ آخَرَ، وبهذا يُمكِنُ الحُكمُ بينَ الناسِ، وإلا لو اعتُبِرَ في شُهودِ كلِّ طائِفةٍ، ألَّا يَشهَدَ عليهم إلا مَنْ يَكونُ قائِمًا بأداءِ الواجِباتِ، وتَركِ المُحرَّماتِ، كما كانَ الصَّحابةُ، لَبطَلَت الشهاداتُ كلُّها، أو غالِبُها … يَتوَجَّه أنْ تُقبَلَ شَهادةُ المَعروفينَ بالصِّدقِ، وإنْ لم يَكونوا مُلتَزِمينَ للحُدودِ، عندَ الضَّرورةِ، مِثلَ الحَبسِ، وحَوادِثِ البَدوِ، وأهلِ القَريةِ الذين لا يُوجدُ فيهم
(١) «الطرق الحكمية» ص (٢٥٦، ٢٥٨).
ارجع إلى شروط من تقبل شهادته للاطلاع على جميع المسائل.