الإسلام > القضاء والشهادة > شروط من تقبل شهادته > الشرط الثاني: الحرية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةبطَريقِ الأَولَى، ثم نَسخُ الظاهِرِ لا يُوجِبُ نَسخَ الفَحوَى والتَّنبيهِ، وهذه الآيةُ هي الدَّليلُ في نُصوصِ الإِمامِ أَحمدَ وغيرِه من أئِمةِ الحَديثِ المُوافِقينَ للسَّلفِ في العَملِ بهذه الآيةِ وما يُوافِقُها من الحَديثِ أَوجَهُ وأقوَى؛ فإنَّ مَذهبَه قَبولُ شَهادةِ أهلِ الذِّمةِ على المُسلِمينَ في الوَصيةِ في السَّفرِ؛ لأنَّه مَوضعُ ضَرورةٍ، فإذا جازَت شَهادَتُهم لغيرِهم فعلى بعضِهم أشَدُّ جَوازًا.
ولهذا يَجوزُ في الشَّهادةِ للضَّرورةِ ما لا يَجوزُ في غيرِها كما تُقبلُ شَهادةُ النِّساءِ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ حتى نَصَّ أَحمدُ على قَبولِ شَهادَتَينِ في الحُدودِ التى تَكونُ في مَجامعِهنَّ الخاصةِ مِثلَ الحَماماتِ والعَرصاتِ ونَحوِ ذلك، فالكُفارُ الذين لا يَختلِطُ بهم المُسلِمونَ أَولَى أنْ تُقبَلَ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ إذا حَكَمنا بينَهم واللهُ أمَرَنا أنْ نَحكُمَ بينَهم، والنَّبيُّ ﷺ رجَمَ الزانيَينِ من اليَهودِ من غيرِ سَماعِ إِقرارٍ منهما، ولا شَهادةِ مُسلمٍ عليهما، ولولا قَبولُ شَهادةِ بعضِهم على بعضٍ لم يَجزْ ذلك، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
الشَّرطُ الثانِي: الحُريةُ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ شَهادةَ العَبيدِ في الحُدودِ غيرُ جائِزةٍ، واختَلَفوا في غيرِ الحُدودِ هل تُقبلُ أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّها لا تُقبلُ مُطلَقًا؛ لقوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ﴾
(١) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٢٩٩)، و «زاد المعاد» (٥/ ٣٦).
[البقرة: ٢٨٢]، ثم عطَفَ عليه قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] دَلَّ ذلك على أنَّه يُشتَرطُ الحُريةُ، وذلك لمَا في فَحوَى الخِطابِ من الدِّلالةِ من وَجهَينِ، أَحدُهما قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَولِه تَعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وذلك في الأَحرارِ دونَ العَبيدِ، والدَّليلُ عليه أنَّ العَبدَ لا يَملِكُ عُقودَ المُدايَناتِ، وإذا أقَرَّ بشَيءٍ لم يَجزْ إِقرارُه إلا بإِذنِ مَولاه، والخِطابُ إنَّما تَوجَّهَ إلى مَنْ يَملِكُ ذلك على الإِطلاقِ من غيرِ إِذنِ الغيرِ، فدَلَّ ذلك على أنَّ مِنْ شَرطِ هذه الشَّهادةِ الحُريةَ.
والمَعنى الآخَرُ من دِلالةِ الخِطابِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فظاهِرُ هذا اللَّفظِ يَقتَضي الأَحرارَ، كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] يَعني الأَحرارَ، ألَا تَرى أنَّه عطَفَ عليه قَولَه تَعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فلم يَدخُلِ العَبيدُ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وفي ذلك دَليلٌ على أنَّ مِنْ شَرطِ هذه الشَّهادةِ الحُريةَ، وأنَّ شَهادةَ العَبدِ غيرُ جائِزةٍ؛ لأنَّ أوامِرَ اللهِ تَعالى على الوُجوبِ، وقد أمَرَ باستِشهادِ الأَحرارِ، فلا يَجوزُ غيرُهم، فغيرُ جائِزٍ لأحَدٍ إِسقاطُ شَرطِ الحُريةِ؛ لأنَّه لو جازَ ذلك لجازَ إِسقاطُ العَددِ، وفي ذلك دَليلٌ على أنَّ الآيةَ قد تضَمَّنت بُطلانَ شَهادةِ العَبيدِ (١).
(١) «اختلاف العُلماء» (١/ ٢٨١، ٢٨٢)، و «مختصر اختلاف العُلماء» (٣/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و «أحكام القرآن» (٢/ ٢٢١، ٢٢٢)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٣٦)، و «التاج والإكليل» (٥/ ١٠٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٦٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ١٠٩)، و «الحاوي الكبير» (١٧/ ٥٨، ٥٩)، و «البيان» (١٣/ ٢٧٦، ٢٧٧)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٢٨٥)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٣٧٠).
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ شَهادةَ العَبيدِ تُقبلُ في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ شَهادةَ العَبيدِ لا تَصحُّ على الإِطلاقِ إلا أَحمدَ؛ فإنَّه أجازَها فيما عَدا الحُدودَ والقِصاصَ على المَشهورِ من مَذهبِه (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا الحُريةُ؛ فإنَّ جُمهورَ فُقهاءِ الأَمصارِ على اشتِراطِها في قَبولِ الشَّهادةِ، وقالَ أهلُ الظاهِرِ: تَجوزُ شَهادةُ العَبدِ؛ لأنَّ الأصلَ إنَّما هو اشتِراطُ العَدالةِ، والعُبوديةُ ليسَ لها تَأثيرٌ في الرَّدِّ إلا أنْ يَثبُتَ ذلك من كِتابِ اللهِ ﷾ أو سُنةٍ أو إِجماعٍ، وكأنَّ الجُمهورَ رأَوْا أنَّ العُبوديةَ أثَرٌ من أثَرِ الكُفرِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ لها تأثيرٌ في رَدِّ الشَّهادةِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: وتَجوزُ شَهادةُ العَبدِ في كلِّ شَيءٍ إلا في الحُدودِ، وتَجوزُ شَهادةُ الأَمةِ فيما تَجوزُ فيه شَهادةُ النِّساءِ.
الكَلامُ في هذه المَسألةِ في فُصولٍ ثَلاثةٍ:
أَحدُها: في قَبولِ شَهادةِ العَبدِ فيما عَدا الحُدودَ والقِصاصَ، فالمَذهبُ أنَّها مَقبولةٌ، رُويَ ذلك عن علِيٍّ وأنَسٍ رضي الله عنهما.
قالَ أنَسٌ: «ما علِمتُ أنَّ أحَدًا رَدَّ شَهادةَ العَبدِ» وبه قالَ عُروةُ وشُرَيحٌ وإِياسٌ وابنُ سِيرينَ والبَتِّيُّ وأَبو ثَورٍ وداودُ وابنُ المُنذرِ.
(١) «الإفصاح» (٢/ ٤١٥).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٧).
وقالَ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ والحَسنُ ومالِكٌ والأَوزاعيُّ والثَّوريُّ وأَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَبو عُبَيدٍ: لا تُقبلُ شَهادتُه؛ لأنَّه غيرُ ذي مُروءةٍ، ولأنَّها مَبنيةٌ على الكَمالِ لا تَتبعَّضُ، فلم يَدخُلْ فيها العَبدُ، كالمِيراثِ.
وقالَ الشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والحَكمُ: تُقبلُ في الشَّيءِ اليَسيرِ.
ولنا: عُمومُ آياتِ الشَّهادةِ وهو داخِلٌ فيها؛ فإنَّه مِنْ رِجالِنا، وهو عَدلٌ تُقبلُ رِوايتُه وفُتياه وأَخبارُه الدِّينيةُ.
ورَوى عُقبةُ بنُ الحارِثِ قالَ: تزوَّجتُ أُمَّ يَحيى بِنتَ أَبي إِهابٍ فجاءَت أَمةٌ سَوداءُ فقالَت: قد أرضَعتُكما، فذَكَرتُ ذلك لرَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: «وكيف وقد زعَمَتْ ذلك؟» مُتَّفقٌ عليه، وفي رِوايةِ أَبي داودَ: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّها لكاذِبةٌ، قالَ: «وما يُدريك وقد قالَت ما قالَت؟ دَعْها عنك»، ولأنَّه عَدلٌ غيرُ مُتَّهمٍ تُقبلُ شَهادتُه كالحُرِّ.
ولا نُسلِّمُ بأنَّه غيرُ ذي مُروءةٍ؛ فإنَّه كالحُرِّ يَنقسِمُ إلى مَنْ له مُروءةٌ ومَن لا مُروءةَ له، وقد يَكونُ منهم الأُمراءُ والعُلماءُ والصالِحونَ والأَتقياءُ.
سُئلَ إِياسُ بنُ مُعاويةَ عن شَهادةِ العَبيدِ فقالَ: أنا أرُدُّ شَهادةَ عبدِ العَزيزِ بنِ صُهَيبٍ، وكانَ منهم زِيادُ بنُ أَبي زيادٍ مَولى ابنِ عَباسٍ من العُلماءِ الزُّهادِ، وكانَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ يَرفَعُ قَدرَه ويُكرِمُه، ومنهم عِكرِمةُ مَولى ابنِ عَباسٍ، أحدُ العُلماءِ الثِّقاتِ، وكَثيرٌ من العُلماءِ المَوالي كانوا عَبيدًا أو أَبناءَ عَبيدٍ لم يَحدُثْ فيهم بالإِعتاقِ إلا الحُريةُ، والحُريةُ لا تُغيرُ طَبعًا ولا تُحدِثُ عِلمًا ولا مُروءةً، ولا يُقبلُ منهم إلا مَنْ كانَ ذا مُروءةٍ، ولا يَصحُّ
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٩ - مسألة؛ قال: (وإذا شهد عنده من لا يعرفه، سأل عنه، فإن عدله اثنان، قبل شهادته)
أنكَرَ لم يُسْتَحْلَفا؛ لأنَّ إحْلافَهما يُطَرِّقُ عليهما الدَّعاوَى فى الشَّهادةِ والامْتهان، ورُبَّما مَنَعَ ذلك إقامَةَ الشَّهادةِ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
١٨٦٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، سَأَلَ عَنْهُ، فَإنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُ)
ارجع إلى شروط من تقبل شهادته للاطلاع على جميع المسائل.