الإسلام > القضاء والشهادة > شروط من تقبل شهادته > تعريف العدالة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةلكانَ عَدلُه على وَجهٍ آخَرَ، وبهذا يُمكنُ الحُكمُ بينَ الناسِ، وإلا لو اعتُبِرَ في شُهودِ كلِّ طائِفةٍ، ألَّا يَشهدَ عليهم إلا مَنْ يَكونُ قائِمًا بأَداءِ الواجِباتِ، وتَركِ المُحرَّماتِ، كما كانَ الصَّحابةُ، لبطَلَت الشَّهاداتُ كلُّها، أو غالِبُها.
وقالَ: يَتوجَّهُ أنْ تُقبلَ شَهادةُ المَعروفينَ بالصِّدقِ، وإنْ لم يَكونوا مُلتزِمينَ للحُدودِ، عندَ الضَّرورةِ، مِثلَ الحَبسِ، وحَوادثِ البَدوِ، وأهلِ القَريةِ الذين لا يُوجدُ فيهم عَدلٌ، وله أُصولٌ، منها: شَهادةُ أهلِ الذِّمةِ، وشَهادةُ الصِّبيانِ والنِّساءِ، فيما لا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ، والشُّروطُ في القُرآنِ في التَّحمُّلِ لا الأَداءِ (١).
تَعريفُ العَدالةِ:
العَدالةُ عندَ عامةِ الفُقهاءِ تَكونُ في صَلاحِ الدِّينِ من أَداءِ الفَرائِضِ واجتِنابِ الكَبائرِ، والإِصرارِ على الصَّغائرِ واجتِنابِ خَوارمِ المُروءةِ، وهي الأُمورُ الدَّنيئةُ المُزريةُ مِنْ الأَفعالِ أو الأَقوالِ.
وليسَت العَدالةُ أنْ يُمحِّصَ الرَّجلُ الطاعةَ حتى لا يَشوبَها مَعصيةٌ إذ ذلك مُتعذَّرٌ لا يُقدَرُ عليه، لكنْ مَنْ كانَت الطاعةُ أكثَرَ حالِه وأغلَبَها وهو مُجتنِبٌ للكَبائرِ مُحافِظٌ على تَركِ الصَّغائرِ فهو العَدلُ.
قالَ الحَنفيةُ: تَفسيرُ العَدلِ: أنْ يَكونَ مُجتنِبًا للكَبائرِ ولا يَكونَ مُصرًّا على الصَّغائرِ، ويَكونَ صَلاحُه أكثَرَ من فَسادِه، وصَوابُه أكثَرَ من خَطئِه.
فتُقبلُ شَهادةُ مَنْ كانَت حَسناتُه أغلَبَ من سَيِّئاتِه إذا كانَ ممَّن يَجتنِبُ
(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٦٤١، ٦٤٢).
الكَبائرَ، وإنْ ألَمَّ بمَعصيةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ من دونِ الأَنبياءِ عليهم السلام لا يَخلو من ارتِكابِ خَطيئةٍ، فلو وقَعَت الشَّهادةُ على مَنْ لا ذَنبَ له أَصلًا لتَعذَّرَ وُجودُ ذلك في الدُّنيا، فسُومِحَ في ذلك، واعتُبِر الأغلَبُ.
وهذا هو حَدُّ العَدالةِ المُعتبَرةِ؛ إذْ لا بدَّ من تَوقِّي الكَبائرِ كلِّها، وبعدَ تَوقِّيها يُعتبَرُ الغالِبُ، فمَن كَثُرت مَعاصِيه أثَّر ذلك في شَهادتِه، ومَن نَدَرت منه المَعصيةُ قُبلَت شَهادتُه؛ لأنَّ في اعتِبارِ اجتِنابِ الكلِّ سَدًّا لبابِ الشَّهادةِ، وهو مَفتوحٌ إِحياءً للحُقوقِ.
وحاصِلُه: أنَّ كلَّ مَنْ ارتكَبَ كَبيرةً أو أصَرَّ على صَغيرةٍ؛ فإنَّه تَسقطُ عَدالتُه (١).
وقالَ المالِكيةُ: العَدالةُ المُحافَظةُ الدِّينيةُ على اجتِنابِ الكَذبِ والكَبائرِ، وعلى تَوقِّي الصَّغائرِ وأَداءِ الأَمانةِ وحُسنِ المُعامَلةِ، وليسَ معها بِدعةٌ.
وليسَت العَدالةُ أنْ يُمحِّصَ الرَّجلُ الطاعةَ حتى لا يَشوبَها مَعصيةٌ إذْ ذلك مُتعذَّرٌ لا يَقدِرُ عليه إلا الأَولياءُ والصِّدِّيقونَ، لكنْ مَنْ كانَت الطاعةُ أكثَرَ حالِه وأغلَبَها وهو مُجتنِبٌ للكَبائرِ مُحافِظٌ على تَركِ الصَّغائرِ فهو العَدلُ (٢).
(١) «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٤٥، ١٦٩).
(٢) «جامع الأمهات» (٤٦٩)، و «مواهب الجليل» (٨/ ١٣٤)، و «التاج والإكليل» (٥/ ١٠٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٦١، ٦٢)، و «تحبير المختصر» (٥/ ١١٠).
وقالَ الشافِعيةُ: العَدالةُ هي اجتِنابُ كلِّ كَبيرةٍ من أَنواعِ الكَبائرِ، واجتِنابُ الإِصرارِ على صَغيرةٍ أو صَغائرَ من نَوعٍ واحِدٍ أو أَنواعٍ، وأنْ يَكونَ ذا مُروءةٍ، وهي التَّخلُّقُ بأَفعالِ أَمثالِه غيرِ المُزريةِ في زَمانِه ومَكانِه؛ لاختِلافِ الأُمورِ العُرفيةِ بذلك غالِبًا (١).
وعرَّفَ الحَنابِلةُ العَدالةَ بأنَّها: استِواءُ أَحوالِ الشَّخصِ في دِينِه واعتِدالُ أَقوالِه وأَفعالِه، ويُعتبَرُ لها شَيئانِ:
أَحدُهما: الصَّلاحُ في الدِّينِ، وهو نَوعانِ: أَداءُ الفَرائضِ من صَلاةٍ ورَواتبِها وزَكاةٍ وصَومٍ وحَجٍّ وغيرِها، ولا تُقبلُ ممَّن يُداوِمُ على تَركِ الرَّواتبِ.
والنَّوعُ الثانِي: باجتِنابِ المُحرمِ بألَّا يأتِيَ كَبيرةً ولا يُدمنَ صَغيرةً.
والكَبيرةُ ما فيه حَدٌّ في الدُّنيا كالزِّنا وشُربِ الخَمرِ، أو فيه وَعيدٌ في الآخِرةِ كأكلِ مالِ اليَتيمِ والرِّبا وشَهادةِ الزُّورِ وعُقوقِ الوالِدَينِ ونَحوِها.
والصَّغيرةُ ما دونَ ذلك مِنْ المُحرَّماتِ.
والشَّيءُ الثانِي ممَّا يُعتبَرُ للعَدالةِ: استِعمالُ المُروءةِ الإِنسانيةِ بفِعلِ ما يُجمِّلُه ويُزيِّنُه عادةً كحُسنِ الخُلقِ والسَّخاءِ وبَذلِ الجاهِ وحُسنِ الجِوارِ ونَحوِ ذلك، وتَركِ ما يُدنِّسُه ويَعيبُه عادةً من الأُمورِ الدَّنيئةِ المُزريةِ به (٢).
(١) «النجم الوهاج» (١٠/ ٢٨٧، ٢٨٩)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٣٧١)، و «الديباج» (٤/ ٤٩١، ٤٩٧).
(٢) «المغني» (١٠/ ١٦٩، ١٧٠)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٢٩، ٥٣١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦٦١، ٦٦٧)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٠١، ٥٠٢).
ارجع إلى شروط من تقبل شهادته للاطلاع على جميع المسائل.