شهادة الصبيان بعضهم على بعض

الإسلام > القضاء والشهادة > شروط من تقبل شهادته > شهادة الصبيان بعضهم على بعض

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 36 دقيقة قراءة

شهادة الصبيان بعضهم على بعض - الأقوال والأدلة

شَهادةُ الصِّبيانِ بعضِهم على بعضٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ شَهادةِ الصِّبيانِ بعضِهم على بعضٍ هل تَجوزُ أو لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ والإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه تَجوزُ شَهادةُ الصِّبيانِ بعضِهم على بعضٍ في الجِراحِ والشِّجاجِ، ولا تَجوزُ على غيرِهم وإنَّما تَجوزُ فيما بينَهم من الجِراحِ وَحدَها قبلَ أنْ يَتفرَّقوا أو يُخبَّبوا أو يُعلَّموا، فإذا افتَرَقوا فلا شَهادةَ لهم إلا أنْ يَكونَ أشهَدَ على شهادَتِهم العُدولُ قبلَ أنْ يَتفرَّقوا غيرَهم، وإنَّما تَجوزُ شَهادةُ الأَحرارِ الذُّكورِ منهم، ولا تَجوزُ شَهادةُ الجَوارِي مِنْ الصِّبيانِ.

ولا تَجوزُ شَهادةُ الأَحرارِ الذُّكورِ منهم إلا حيثُ لا يَحضُرُها البالِغونَ؛ لأنَّه لا ضَرورةَ إليهم إذا حضَرَها الرِّجالُ، وإنَّما تَجوزُ شَهادتُهم في الجِراحِ والشِّجاجِ ما لم يَفتَرِقوا أو يُخبَّبوا أو تَختلِفَ أَقوالُهم، مِثلَ أنْ يَشهدَ منهم صِبيانٌ على صَبيٍّ أنَّه شَجَّ صَبيًّا، ويَشهدَ آخَرانِ أنَّ غيرَه من الصِّبيانِ شَجَّه تلك الشَّجةَ بعينِها، وإنِ افتَرَقوا لم تُقبَلْ لهم شَهادةٌ إلا أنْ يشهدَ الرِّجالُ العُدولُ على شَهادَتِهم قبلَ أنْ يَفتَرِقوا.

ولا تُقبلُ شَهادَتُهم على رَجلٍ أنَّه شَجَّ صَبيًّا، ولا على صَبيٍّ أنَّه شَجَّ رَجلًا، ولو اجتمَعَ سِتةُ صِبيانٍ فأغرَقوا صَبيًّا منهم في الماءِ فماتَ فشهِدَ منهم اثنانِ على ثَلاثةٍ أنَّهم أغرَقوه، وشهِدَ الثَّلاثةُ على الاثنَينِ أنَّهما أغرَقاه، كانَت الدِّيةُ على عَواقِلِهم أَخماسًا، فكانَ خُمسُ الدِّيةِ على عاقِلةِ كلِّ صَبيٍّ منهم؛ لأنَّه يَدرَأُ عن نَفسِه، ولا تُقبلُ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ.

ولا خِلافَ أنَّه لا يُحلَفُ معَ شَهادةِ الصَّبيِّ الواحِدِ في شَيءٍ من جِراحِ الخَطأِ ولا قَتلِ الخَطأِ.

والدَّليلُ على قَبولِ شَهادتِهم إِجماعُ الصَّحابةِ؛ لأنَّه مَرويٌّ عن علِيٍّ، وابنِ الزُّبَيرِ، ومُعاويةَ، ولا مُخالِفَ لهم، ورُويَ أنَّ عليًّا رضي الله عنه كانَ يَأخذُ بأولِ شَهادةِ الصِّبيانِ، ورُويَ عن ابنِ الزُّبَيرِ مِثلُه، وعن مُعاويةَ أنَّه كانَ يُجيزُ شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ ما لم يَدخُلوا البُيوتَ فيُعلَّموا.

عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي مُلَيكةَ قالَ: أرسَلتُ إلى ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما أسألُه عن شَهادةِ الصِّبيانِ، فقالَ: قالَ اللهُ ﷿: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليسوا ممَّن نَرضَى، قالَ: فأرسَلتُ إلى ابنِ الزُّبَيرِ أسألُه فقالَ: بالحَريِّ إنْ سُئِلوا أنْ يُصدَّقوا، قالَ: فما رأيتُ القَضاءَ إلا على ما قالَ ابنُ الزُّبَيرِ» (١). فكانَ إِجماعًا، ولأنَّ الشَّهادةَ مُعتبَرةٌ بحالِ الضَّرورةِ، كما أُجيزَت شَهادةُ النِّساءِ المُنفرِداتِ في الوِلادةِ؛ لأنَّها حالةٌ لا يَحضُرُها الرِّجالُ، كذلك اجتِماعُ الصِّبيانِ في لَعِبِهم، وما يَتعاطَونَ مِنْ رَميِهم لا يَكادُ يَحضُرُهم الرِّجالُ، فجازَ للضَّرورةِ أنْ تُقبلَ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ قبلَ افتِراقِهم، لانتِفاءِ التُّهمةِ عنهم، ولم يَجزْ بعدَ افتِراقِهم لتَوجُّهِ التُّهمةِ إليهم.

فالضَّرورةُ تَدعو إلى قَبولِها؛ لأنَّا لو لم نَقبَلْها لأدَّى إلى أُمورٍ مَمنوعةٍ، إمَّا أنْ نَمنعَهم ما نُدِبْنا إلى تَعليمِهم إياه وتَدريبِهم عليه مِنْ الحَربِ والصِّراعِ، وما جَرى مَجرى ذلك؛ لأنَّهم لا بدَّ أنْ يَخلوا بأنفُسِهم لمَا

(١) رواه الحاكم في «المستدرك» (٣١٣١)، وقالَ: صَحيحُ الإِسنادِ على شرطِ الشَّيخينِ ولَم يُخرِّجاه.

يَتعاطَوْنه مِنْ ذلك، وقد يَكونُ بينَهم الجِراحُ، وذلك غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ أحدًا لا يَمنعُه؛ أو أنْ يُجيزَه فتَنهدِرَ دِماؤُهم، فذلك أيضًا غيرُ صَحيحٍ، وأنْ يَحضُرَ معهم رِجالٌ يَحفَظونَهم، وفي ذلك ضيقٌ ومَشقةٌ، وأنْ يُؤخَذوا بأنْ يَفعَلوا مِنْ ذلك ما لا يُؤدِّي إلى جِراحٍ ولا قَتلٍ، فذلك ما لا يَنضبِطُ للبالِغينَ فَضلًا على الصِّبيانِ، فلمَّا بطَلَ كلُّ هذا وجَبَ قَبولُ شَهادتِهم، ولا يَلزمُ على هذا تَخريقُ الثِّيابِ ولا غيرُه؛ لأنَّ الأَموالَ أخفَضُ رُتبةً مِنْ الدِّماءِ، كما لم يُحكَمْ فيها بالقَسامةِ معَ اللَّوثِ، ولأنَّه إذا تَفرَّقوا خُبِّبوا ولُقِّنوا وتَعلَّموا الكَذبَ (١).

ورَوى الإِمامُ مالِكٌ عن هِشامِ بنِ عُروةَ «أنَّ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ كانَ يَقضي بشَهادةِ الصِّبيانِ فيما بينَهم من الجِراحِ».

قالَ مالِكٌ: الأمْرُ المُجمَعُ عليه عندَنا أنَّ شَهادةَ الصِّبيانِ تَجوزُ فيما بينَهم من الجِراحِ، ولا تَجوزُ على غيرِهم، وإنَّما تَجوزُ شَهادَتُهم فيما بينَهم من الجِراحِ وَحدَها، ولا تَجوزُ في غيرِ ذلك إذا كانَ ذلك قبلَ أنْ يَتفرَّقوا أو يُخبَّبوا أو يُعلَّموا؛ فإنِ افتَرَقوا فلا شَهادةَ لهم، إلا أنْ يَكونوا قد أشهَدوا العُدولَ على شَهادَتِهم قبلَ أنْ يَفتَرِقوا (٢).

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٤١، ٤٣)، رقم (١٨٠٧)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٥١، ٥٢)، و «الكافي» ص (٤٧٠، ٤٧١)، و «الاستذكار» (٧/ ١٢٤، ١٢٦)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٦، ٣٤٧)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٩١)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٠٢)، و «الكافي» (٤/ ٥٢١)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٩٩).
(٢) «الموطأ» (٢/ ٧٦٢).

وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: قُلتُ: أرأيتَ قَولَ مالِكٍ: يَجوزُ شَهادةُ الصِّبيانِ بعضِهم على بعضٍ ما لم يَتفرَّقوا أو يَدخُلْ بينَهم كَبيرٌ أو يُخبَّبوا في أيِّ شَيءٍ كانَ ذلك؟ (فقالَ) في الجِراحاتِ والقَتلِ: إذا شهِدَ فيه اثنانِ فصاعِدًا قبلَ أنْ يَتفرَّقا، وكانَ ذلك صِبيانٌ كلُّهم، ولا تَجوزُ فيه شَهادةُ واحِدٍ، ولا تَجوزُ شَهادةُ الإِناثِ أيضًا من الصِّبيانِ في الجِراحاتِ فيما بينَهم، ولا تَجوزُ شَهادةُ الصِّبيانِ لكَبيرٍ إنْ كانوا شَهِدوا له على صَبيٍّ أو على كَبيرٍ، وليسَ في الصِّبيانِ قَسامةٌ فيما بينَهم من بعضِهم لبعضٍ إلا أنْ يَقتلَ رَجلٌ كَبيرٌ صَبيًّا ويَشهدَ رَجلٌ على قَتلِه فتَكونَ القَسامةُ على ما يَشهدُ به الشاهِدُ من عَمدٍ أو خَطإٍ.

(قالَ سحنُونٌ): وقد قالَ غيرُ واحِدٍ من كِبارِ أَصحابِ مالِكٍ أنَّه لا تَجوزُ شَهادتُهم في القَتلِ ولا تَجوزُ شَهادةُ الإِناثِ، وقد قالَ كَبيرٌ من أَصحابِ مالِكٍ، وهو المَخزوميُّ أنَّ الإِناثَ يُجَزْنَ، وأنَّ شَهادةَ الصِّبيانِ في القَتلِ جائِزةٌ.

(قالَ سحنُونٌ): قالَ ابنُ نافِعٍ وغيرُه في الصَّبيِّ يَشهدُ عليه صِبيانٌ أنَّه ضرَبَ صَبيًّا أو جرَحَه ثم نَزا في جُرحِه فماتَ، فإنَّ أَولياءَ الدَّمِ يُقسِمونَ: لمِن ضَربِه ماتَ ويَستحِقُّونَ الدِّيةَ (وذكَرَ ابنُ وَهبٍ) أنَّ علِيَّ بنَ أَبي طالِبٍ وشُرَيحًا وعبدَ اللهِ وعُروةَ بنَ الزُّبَيرِ وابنَ قُسَيطٍ وأَبا بَكرِ بنَ حَزمٍ ورَبيعةَ كانوا يُجيزونَ شَهادةَ الصِّبيانِ فيما بينَهم ما لم يَتفرَّقوا ويَنقَلِبوا إلى أَهليهم أو يَختَلِفوا، ويُؤخَذُ بأولِ أَقوالِهم (١).

(١) «المدونة الكبرى» (١٣/ ١٦٣).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ البُلوغَ شَرطٌ في صِحةِ الشَّهادةِ، فلا تَجوزُ شَهادةُ الصِّبيانِ بحالٍ من الأَحوالِ لا في مالٍ ولا في جِراحٍ، واستدَلُّوا على عَدمِ جَوازِها بما يَلي:

بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وذلك خِطابٌ للرِّجالِ البالِغينَ؛ لأنَّ الصِّبيانَ لا يَملِكونَ عُقودَ المُدايَناتِ، وكذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، لم يَدخُلْ فيه الصَّبيُّ؛ لأنَّ إِقرارَه لا يَجوزُ، وكذلك بقَولِه : ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، لا يَصحُّ أنْ يَكونَ خِطابًا للصَّبيِّ؛ لأنَّه ليسَ من أهلِ التَّكليفِ ليَلحَقَه الوَعيدُ، ثم بقَولِه : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليسَ الصِّبيانُ من رِجالِنا، ولمَّا كانَ ابتِداءُ الخِطابِ بذِكرِ البالِغينَ كانَ قَولُه : ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] عائِدًا عليهم، ثم إنَّ قَولَه : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يَمنعُ أيضًا جَوازَ شَهادةِ الصَّبيِّ، وكذلك قَولُه : ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، هو نَهيٌ، وللصَّبيِّ أنْ يَأبى إِقامةَ الشَّهادةِ، وليسَ للمُدَّعي إِحضارُه لها، ثم إنَّ قَولَه : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، غيرُ جائِزٍ أنْ يَكونَ خِطابًا للصِّغارِ، فلا يَلحَقُهم المَأثَمُ بكِتمانِها.

ولمَّا لم يَجزْ أنْ يَلحقَه ضَمانٌ بالرُّجوعِ دَلَّ على أنَّه ليسَ من أهلِ الشَّهادةِ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ صَحَّت شَهادتُه لزِمَه الضَّمانُ عندَ الرُّجوعِ.

وأمَّا إِجازةُ شَهادتِهم في الجِراحِ خاصَّةً، وقبلَ أنْ يَتفرَّقوا ويَجيئُوا؛ فإنَّه

تَحكُّمٌ بلا دِلالةٍ، وتَفرقةٌ بينَ مَنْ لا فَرقَ فيه في أثَرٍ ولا نَظرٍ؛ لأنَّ في الأُصولِ أنَّ كلَّ من جازَت شهادَتُه في الجِراحِ جازَت في غيرِها.

وأمَّا اعتِبارُ حالِهم قبلَ أنْ يَتفرَّقوا ويَجيئُوا؛ فإنَّه لا مَعنى له؛ لأنَّه جائِزٌ أنْ يَكونَ هؤلاءِ الشُّهودُ هُمْ الجُناةَ ويَكونَ الذي حمَلَهم على الشَّهادةِ الخَوفَ من أنْ يُؤخَذوا به، وهذا مَعلومٌ من عادةِ الصِّبيانِ إذا كانَ منهم جِنايةٌ يُحيلُها الصَّبيُّ على غيرِه خَوفًا من أنْ يُؤخَذَ بها.

وأيضًا شرَطَ اللهُ في الشَّهادةِ العَدالةَ وأوعَدَ شاهِدَ الزُّورِ ما أوعَدَه به، ومنَعَ من قَبولِ شَهادةِ الفُساقِ ومَن لا يَزعُ عن الكَذبِ احتِياطًا لأمرِ الشَّهادةِ، فكيف تَجوزُ شَهادةُ مَنْ هو غيرُ مَأخوذٍ بكَذبِه وليسَ له حاجِزٌ يَحجِزُه عن الكَذبِ، ولا حَياءٌ يَردَعُه، ولا مُروءةٌ تَمنعُه، وقد يَضرِبُ الناسُ المَثلَ بكَذبِ الصِّبيانِ فيَقولونَ: هذا أكذَبُ من صَبيٍّ، فكيف يَجوزُ قَبولُ شَهادةِ مَنْ هذا حالُه؛ فإنْ كانَ إنَّما اعتُبِرَ حالُهم قبلَ تَفرُّقِهم وقبلَ أنْ يُعلِّمَهم غيرُهم؛ لأنَّه لا يَتعمَّدُ الكَذبَ دونَ تَلقينِ غيرِه فليسَ ذلك كما ظُنَّ؛ لأنَّهم يَتعمَّدونَ الكَذبَ من غيرِ مانِعٍ يَمنعُهم، وهم يَعرِفونَ الكَذبَ كما يَعرِفونَ الصِّدقَ إذا كانوا قد بَلَغوا الحَدَّ الذي يَقومونَ فيه بمَعنى الشَّهادةِ والعِبارةِ عما شهِدوا، وقد يَتعمَّدونَ الكَذبَ لأَسبابٍ عارِضةٍ، منها خَوفُهم مِنْ أنْ تُنسَبَ إليهم الجِنايةُ أو القَصدُ للمَشهودِ عليه بالمَكروهِ، ولمَعانٍ غيرِ ذلك مَعلومةٍ من أَحوالِهم، فليسَ لأحَدٍ أنْ يَحكُمَ لهم بصِدقِ الشَّهادةِ قبلَ أنْ يَتفرَّقوا، كما لا يُحكمُ لهم بذلك بعدَ التَّفرُّقِ، وعلى أنَّه لو كانَ كذلك وكانَ العِلمُ حاصِلًا بأنَّهم لا يَكذِبونَ ولا يَتعمَّدونَ شَهادةَ الزُّورِ فيَنبَغي أنْ تُقبلَ

شَهادةُ الإِناثِ كما تُقبلُ شَهادةُ الذُّكورِ وأنْ تُقبلَ شَهادةُ الواحِدِ كما تُقبلُ شَهادةُ الجَماعةِ، فإذا اعتُبِرَ العَددُ في ذلك وما يَجبُ اعتِبارُه في الشَّهادةِ مِنْ اختِصاصِها في الجِراحِ بالذُّكورِ دونَ الإِناثِ فواجِبٌ أنْ يُستَوفَى لها سائِرُ شُروطِها من البُلوغِ والعَدالةِ، ومن حيثُ أَجازوا شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ فواجِبٌ إِجازتُها على الرِّجالِ؛ لأنَّ شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ ليسَت بآكَدَ منها على الرِّجالِ؛ إذ هُمْ في حُكمِ المُسلِمينَ عندَ قائِلِ هذا القَولِ.

ولأنَّ اللهَ أمَرَنا بأنْ نَقبَلَ شَهادةَ مَنْ نَرضَى من الشُّهداءِ، وهؤلاءِ ليسوا ممَّن نَرضَى مِنْ الشُّهداءِ وإنَّما أمَرَنا اللهُ ﷿ بأنْ نَقبلَ شَهادةَ مَنْ نَرضَى، ومَن قبِلْنا شَهادتَه قبِلْناها حين يَشهَدُ بها في المَوقفِ الذي يَشهدُ بها فيه، وبعدَه وفي كلِّ حالٍ.

ولأنَّ النَّبيَّ قالَ: «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ، عن الصَّبيِّ حتى يَحتلِمَ، وعن النائِمِ حتى يَنتبِهَ، وعن المَجنونِ حتى يُفيقَ» (١). فلمَّا كانَ القَلمُ مَرفوعًا عنه في حَقِّ نَفسِه إذا أقَرَّ، كانَ أَولَى أنْ يُرفَعَ في حَقِّ غيرِه، إذا شهِدَ.

ولأنَّ الشَّهادةَ في الأَموالِ أخَفُّ منها في الدِّماءِ، وهي غيرُ مَقبولةٍ منهم في الأَموالِ، فأَولَى ألَّا تُقبلَ في الدِّماءِ.

ولأنَّه لو جازَ لأجْلِ اعتِزالِهم عن الرِّجالِ أنْ تُقبلَ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ، لجازَ لأجْلِ اجتِماعِ النِّساءِ في الحَمَّاماتِ والأَعراسِ، أنْ تُقبلَ شَهادةُ بعضِهِنَّ على بعضٍ، وهي لا تُقبلُ معَ الضَّرورةِ معَ جَوازِ قَبولِهنَّ معَ الرِّجالِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.

في الأَموالِ، فالصِّبيانُ الذين لا تُقبلُ شَهادتُهم معَ الرِّجالِ أَولَى ألَّا تُقبَلَ في الانفِرادِ، وبه يَبطُلُ استِدلالُهم. وقَضاءُ ابنِ الزُّبَيرِ معَ خِلافِ ابنِ عَباسٍ يَمنعُ من انعِقادِ الإِجماعِ.

والقياسُ معَ ابنِ عَباسٍ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ لم تُقبَلْ شَهادتُه في الأَموالِ لم تُقبَلْ في الجِراحِ، كالفَسقةِ (١).

قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا تُقبلُ شَهادةُ صَبيٍّ لم يَبلُغْ بحالٍ، يُروَى هذا عن ابنِ عَباسٍ، وبه قالَ القاسِمُ وسالِمٌ وعَطاءٌ ومَكحولٌ وابنُ أَبي لَيلَى والأَوزاعيُّ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وإِسحاقُ وأَبو عُبَيدةَ وأَبو ثَورٍ وأَبو حَنيفةَ وأَصحابُه.

وعن أَحمدَ رحمة الله عليه رِوايةٌ أُخرى أنَّ شَهادتَهم تُقبلُ في الجِراحِ إذا شهِدوا قبلَ الافتِراقِ عن الحالةِ التي تَجارَحوا عليها، وهذا قَولُ مالِكٍ؛ لأنَّ الظاهِرَ صِدقُهم وضَبطُهم؛ فإنْ تَفرَّقوا لم تُقبَلْ شَهادتُهم؛ لأنَّه يَحتمِلُ أنْ يُلقَّنوا، قالَ ابنُ الزُّبَيرِ: «إنْ أُخِذوا عندَ مُصابِ ذلك فبالحَريِّ أنْ يَعقِلوا ويَحفَظوا» وعن الزُّهريِّ أنَّ شهادَتَهم جائِزةٌ ويُستحلَفُ أَولياءُ المَشجوجِ، وذكَرَه عن مَروانَ.

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٣/ ٣٣٧، ٣٣٨)، و «المبسوط» (١٦/ ١٣٥، ١٣٦)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٦٧)، و «الأم» (٧/ ٤٨)، و «الحاوي الكبير» (١٧/ ٥٩، ٦٠)، و «المهذب» (٢/ ٣٢٤)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٢٨٥، ٢٨٦)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٣٧١)، و «المغني» (١٠/ ١٦٦، ١٦٧)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٢٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦٥٧)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٩٧، ٤٩٩).

ورُويَ عن أَحمدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ أنَّ شَهادتَه تُقبلُ إذا كانَ ابنَ عَشرٍ، قالَ ابنُ حامِدٍ: فعلى هذه الرِّوايةِ تُقبلُ شَهادتُهم في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، كالعَبيدِ، ورُويَ عن علِيٍّ رضي الله عنه أنَّ شَهادةَ بعضِهم تُقبلُ على بعضٍ، ورُويَ ذلك عن شُرَيحٍ والحَسنِ والنَّخَعيِّ، قالَ إِبراهيمُ: كانوا يُجيزونَ شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ فيما كانَ بينَهم، قالَ المُغيرةُ: وكانَ أَصحابُنا لا يُجيزونَ شَهادتَهم على رَجلٍ ولا على عَبدٍ.

ورَوى الإِمامُ أَحمدُ بإِسنادِه عن مَسروقٍ قالَ: «كُنا عندَ علِيٍّ فجاءَه خَمسةُ غِلمةٍ فقالوا: إنَّا كُنَّا سِتةَ غِلمةٍ نَتغاطُّ، فغرِقَ منا غُلامٌ، فشهِدَ الثَّلاثةُ على الاثنَينِ أنَّهما غَرَّقاه، وشهِدَ الاثنانِ على الثَّلاثةِ أنَّهم غَرَّقوه، فجعَلَ على الاثنَينِ ثَلاثةَ أَخماسِ الدِّيةِ، وجعَلَ على الثَّلاثةِ خُمسَيْها» وقَضى بنَحوِ هذا مَسروقٌ.

والمَذهبُ أنَّ شَهادتَهم لا تُقبلُ في شَيءٍ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقالَ : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والصَّبيُّ ممَّن لا يُرضَى، وقالَ : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فأخبَرَ بأنَّ الشاهِدَ الكاتِمَ لشَهادتِه آثِمٌ، والصَّبيُّ لا يَأثمُ فيَدلُّ على أنَّه ليسَ بشاهِدٍ، ولأنَّ الصَّبيَّ لا يَخافُ من مَأثَمِ الكَذبِ، فهذا لا يَزعُه عنه، ولا يَمنعُه منه، فلا تَحصُلُ الثِّقةُ بقَولِه، ولأنَّ مَنْ لا يُقبلُ قَولُه على نَفسِه في الإِقرارِ لا تُقبلُ شَهادتُه على غيرِه كالمَجنونِ، يُحقِّقُ هذا أنَّ الإِقرارَ أوسَعُ؛ لأنَّه يُقبلُ من الكافرِ والفاسِقِ والمَرأةِ ولا تَصحُّ الشَّهادةُ

منهم، ولأنَّ من لا تُقبلُ شَهادتُه في المالِ لا تُقبلُ في الجِراحِ كالفاسِقِ، ومَن لا تُقبلُ شَهادتُه على مَنْ ليسَ بمِثلِه لا تُقبلُ على مِثلِه كالمَجنونِ (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فَصلٌ: الطَّريقُ الخامِسَ عَشرَ: الحُكمُ بشَهادةِ الصِّبيانِ المُميِّزينَ:

وهذا مَوضعٌ اختَلفَ فيه الناسُ، فرَدَّتها طائِفةٌ مُطلَقًا، وهذا قَولُ الشافِعيِّ وأَبي حَنيفةَ، وأَحمدَ في إِحدى الرِّواياتِ عنه، وعنه رِوايةٌ ثانيةٌ: أنَّ شَهادةَ الصَّبيِّ المُميِّزِ مَقبولةٌ إذا وُجدَت فيه بَقيةُ الشُّروطِ، وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنَّها تُقبلُ في جِراحِ بَعضِهم بعضًا، إذا أدَّوْها قبلَ تَفرُّقِهم، وهذا قَولُ مالِكٍ.

قالَ ابنُ حَزمٍ: صحَّ عن ابنِ الزُّبَيرِ، أنَّه قالَ: «إذا جِيءَ بهم عندَ المُصيبةِ جازَت شَهادَتُهم» قالَ ابنُ أَبي مُلَيكةَ: فأخَذَ القُضاةُ بقَولِ ابنِ الزُّبَيرِ.

وقالَ قَتادةُ عن الحَسنِ قالَ: قالَ علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ: «شَهادةُ الصَّبيِّ على الصَّبيِّ جائِزةٌ، وشَهادةُ العَبدِ على العَبدِ جائِزةٌ».

وقالَ مُعاويةُ: «شَهادةُ الصِّبيانِ على الصِّبيانِ جائِزةٌ، ما لم يَدخُلوا البُيوتَ فيُعلَّموا» وعن علِيٍّ مِثلُه أيضًا.

وقالَ ابنُ أَبي شَيبةَ: حَدَّثنا وَكيعٌ، حَدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ حَبيبِ بنِ أَبي ثابِتٍ، عن الشَّعبيِّ، عن مَسروقٍ: «أنَّ سِتةَ غِلمانٍ ذهَبوا يَسبَحونَ، فغرِقَ أَحدُهم، فشهِدَ ثَلاثةٌ على اثنَينِ أنَّهما أَغرَقاه، وشهِدَ اثنانِ على ثَلاثةٍ أنَّهم أَغرَقوه، فقَضى علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ على الثَّلاثةِ بخُمسَيِ الدِّيةِ، وعلى الاثنَينِ بثَلاثةِ أَخماسِها».

(١) «المغني» (١٠/ ١٦٦، ١٦٧).

وقالَ الثَّوريُّ: عن فِراسٍ، عن الشَّعبيِّ، عن مَسروقٍ: «أنَّ ثَلاثةَ غِلمانٍ شَهِدوا على أربَعةٍ، وشهِدَ الأربَعةُ على الثَّلاثةِ، فجعَلَ مَسروقٌ على الأربَعةِ ثَلاثةَ أَسباعِ الدِّيةِ، وعلى الثَّلاثةِ أربَعةَ أَسباعِ الدِّيةِ».

قالَ أَبو الزِّنادِ: «السُّنةُ أنْ يُؤخَذَ في شَهادةِ الصِّبيانِ بقَولِهم في الجِراحِ معَ أَيمانِ المُدَّعينَ».

وأَجازَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ شَهادةَ الصِّبيانِ بعضِهم على بعضٍ في الجِراحِ المُتقارِبةِ، فإذا بلَغَت النُّفوسُ قَضى بشَهادتِهم معَ أَيمانِ الطالِبينَ.

وقالَ رَبيعةُ: تُقبلُ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ، ما لم يَتفرَّقوا.

وقالَ شُريحٌ: تُقبلُ شَهادتُهم إذا اتَّفَقوا، ولا تُقبلُ إذا اختَلَفوا، وكذلك قالَ أَبو بَكرِ بنُ حَزمٍ، وسَعيدُ بنُ المُسيِّبِ، والزُّهريُّ.

وقالَ وَكيعٌ عن ابنِ جُرَيجٍ، عن أَبي مُلَيكةَ: سألتُ ابنَ عَباسٍ وابنَ الزُّبَيرِ عن شَهادةِ الصِّبيانِ، فقالَ ابنُ عَباسٍ: إنَّما قالَ اللهُ : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليسوا ممَّن نَرضَى.

وقالَ ابنُ الزُّبَيرِ: «هُمْ أحرَى إذا سُئِلوا عمَّا رَأوْا أنْ يَشهَدوا».

قالَ ابنُ أَبي مُلَيكةَ: ما رَأيتُ القُضاةَ أخَذوا إلا بقَولِ ابنِ الزُّبَيرِ.

قالَ المالِكيةُ: قد ندَبَ الشَّرعُ إلى تَعليمِ الصِّبيانِ الرَّميَ والثِّقافَ والصِّراعَ وسائِرَ ما يُدرِّبُهم على حَملِ السِّلاحِ والضَّربِ، والكَرِّ والفَرِّ، وتَصليبِ أَعضائِهم وتَقويةِ أَقدامِهم، وتَعليمِهم البَطشَ والحَميةَ والأَنَفةَ مِنْ العارِ ومِن الفِرارِ، ومَعلومٌ أنَّهم في غالِبِ أَحوالِهم يُخلَّوْنَ وأنفُسَهم في ذلك، وقد يَجني بعضُهم على بعضٍ، فلو لم نَقبَلْ قَولَ بعضِهم على بعضٍ لأُهدِرَت دِماؤُهم.

وقد احتاطَ الشارِعُ بحَقِّ الدِّماءِ، حتى قبِلَ فيها اللَّوثَ واليَمينَ، وإنْ كانَ لم يَقبَلْ ذلك في دِرهمٍ واحِدٍ، وعلى قَبولِ شَهادتِهم تَواطَأتْ مَذاهبُ السَّلفِ الصالِحِ، فقالَ به علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ ومُعاويةُ بنُ أَبي سُفيانَ وعبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ، ومِن التابِعينَ: سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ، وعُروةُ بنُ الزُّبَيرِ، وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ، والشَّعبيُّ، والنَّخَعيُّ، وشُريحٌ، وابنُ أَبي لَيلَى، وابنُ شِهابٍ، وابنُ أَبي مُلَيكةَ، قالَ: ما أدرَكتُ القُضاةَ إلا وهُم يَحكُمونَ بقَولِ ابنِ الزُّبَيرِ وأَبي الزِّنادِ، وقالَ: هي السُّنةُ.

قالوا: وشَرطُ قَبولِ شَهادتِهم في ذلك: كَونُهم يَعقِلونَ الشَّهادةَ، وأنْ يَكونوا ذُكورًا أَحرارًا، مَحكومًا لهم بحُكمِ الإِسلامِ، اثنَينِ فصاعِدًا، مُتَّفقينَ غيرَ مُختلِفينَ، وأنْ يَكونَ ذلك قبلَ تَفرُّقِهم وتَخبيرِهم، ويَكونَ ذلك لبعضِهم على بعضٍ، ويَكونَ في القَتلِ والجِراحِ خاصَّةً، ولا تُقبلُ شَهادتُهم على كَبيرٍ أنَّه قتَلَ صَغيرًا، ولا على صَغيرٍ أنَّه قتَلَ كَبيرًا.

قالوا: ولو شَهِدوا، ثم رَجَعوا عن شَهادتِهم أُخذَ بالشَّهادةِ الأُولى، ولم يُلتَفَت إلى ما رَجَعوا إليه، قالوا: ولا خِلافَ عندَنا أنَّه لا يُعتبَرُ فيهم تَعديلٌ ولا تَجريحٌ.

قالوا: واختَلفَ أَصحابُنا في العَداوةِ والقَرابةِ: هل تَقدحُ في شَهادتِهم؟ على قَولَينِ، واختَلَفوا في جَريانِ هذا الحُكمِ هل هو في إِناثِهم، أو هو مُختصٌّ بالذُّكورِ فلا تُقبلُ فيه شَهادةُ الإِناثِ؟ على قَولَينِ (١).

(١) «الطرق الحكمية» ص (٢٥٠، ٢٥٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشهادة
كتاب الرجوع عن الشهادة

كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ

الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَيَانُ حُكْمِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا - يَرْجِعُ إلَى مَالِ الشَّاهِدِ، وَالثَّانِي - يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَالِهِ فَهُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، أَمَّا الْأَوَّلُ - فَسَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي هَذَا الْبَابِ إتْلَافُ الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ بِالشَّهَادَةِ؛؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا يَجِبُ إمَّا بِالِالْتِزَامِ أَوْ بِالْإِتْلَافِ، وَلَمْ يُوجَدْ الِالْتِزَامُ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْلَافُ فِيهَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، فَإِنْ وَقَعَتْ إتْلَافًا انْعَقَدَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَإِلَّا فَلَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 36 - 47

ارجع إلى شروط من تقبل شهادته للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله