اشتراط لفظ الشهادة

الإسلام > القضاء والشهادة > مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به > اشتراط لفظ الشهادة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

اشتراط لفظ الشهادة - الأقوال والأدلة

العَدالةُ، وهذا مَوجودٌ فيما إذا انفَرَدتا، وإنَّما يُخشَى من سُوءِ ضَبطِ المَرأةِ وَحدَها وسُوءِ حِفظِها، فقُوِّيَت بامرَأةٍ أُخرى (١).

اشتِراطُ لَفظِ الشَّهادةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ اشتِراطِ لَفظِ الشَّهادةِ هل يُشتَرطُ في الشاهِدِ أنْ يَقولَ: «أشهَدُ»، أو لا يُشتَرطُ ويَكونُ المَدارُ على ما يَدلُّ على حُصولِ عِلمِ الشاهِدِ بما شهِدَ، ك «رأيتُ كذا وسمِعتُ كذا»؟

ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تُقبلُ الشَّهادةُ إلا بلَفظِ الشَّهادةِ، فلا تُقبلُ بغَيرِها من الأَلفاظِ كلَفظِ الإِخبارِ والإِعلامِ ونَحوِهما، وإنْ كانَ يُؤدِّي مَعنى الشَّهادةِ تَعبُّدًا غيرَ مَعقولِ المَعنى.

فيَقولُ «أشهَدُ» أو «شهِدتُ»، فلا يَكفي «أنا شاهِدٌ» بكذا؛ لأنَّه إِخبارٌ عما اتَّصَفَ به، كقَولِه: «أنا مُتحمِّلٌ شَهادةً على فُلانٍ بكذا».

أو «لا أعلَمُ» أو «أتحقَّقُ» أو «أعرِفُ» أو «أتيَقَّنُ»؛ لأنَّه لم يأتِ بالفِعلِ المُشتَقِّ من لَفظِ الشَّهادةِ.

أو «أشهَدُ بما وَضَعتُ به خَطِّي» لما فيه من الإِجمالِ، والإِبهامِ، وفي «النُّكت»: القَولُ بالصِّحةِ أوْلَى.

لكنْ لو قالَ مَنْ تَقدَّمَه غَيرُه بالشَّهادةِ: «بذلك أشهَدُ، أو كذلك أشهَدُ» صحَّ لاتِّضاحِ مَعناه (٢).

(١) «الطرق الحكمية» ص (١٣٥)، و «إعلام الموقعين» (١/ ١٩٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٧٣)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٣٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٦٠)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٣٣٩)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٤١٣)، و «زاد المعاد» (٣/ ٤٩٢، ٤٩٣)، و «الإنصاف» (١٢/ ١٠٨، ١٠٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٧٠٧)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٦٤٩)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٢١).

قال الإمامُ الرَّمليُّ رحمة الله عليه: إنَّما تَعيَّنَ في أداءِ الشَّهادةِ لَفظُ «أشهَدُ» دونَ غَيرِه من الأَلفاظِ الدالةِ على تَحقيقِ الشَّيءِ لمُوافَقتِه الكِتابَ والسُّنةَ، فكانَ كالإِجماعِ على تَعيُّنِه، ولأنَّ الشَّهادةَ اسمٌ من المُشاهَدةِ وهي الاطِّلاعُ على الشَّيءِ عِيانًا وإنَّما تَعيَّنَ المُضارِعُ؛ لأنَّه مَوضوعٌ للإِخبارِ في الحالِ، ولأنَّه قد استُعمِلَ في القَسمِ نَحوَ: «أشهَدُ باللهِ لقد كانَ كذا»، أي أُقسِمُ، فتَضمَّنَ لَفظُ «أشهَدُ» مَعنى المُشاهَدةِ والقَسمِ والإِخبارِ في الحالِ، فكأنَّ الشاهِدَ قالَ: «أُقسِمُ باللهِ وأنا الآنَ أُخبِرُ به» وهذه المَعاني مَفقودةٌ في غَيرِه من الأَلفاظِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ، وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القَيمِ، إلى أنَّه لا يُشتَرطُ لَفظُ «أشهَدُ»، وإنَّما المَدارُ على ما يَدلُّ على حُصولِ عِلمِ الشاهِدِ بما شهِدَ، ك «رأيتُ كذا، وسمِعتُ كذا، أو أتحَقَّقُ أنَّ لهذا عندَ هذا كذا»، فلا يُشتَرطُ لأدائِها صيغةٌ مُعيَّنةٌ؛ لأنَّه لا يُعرَفُ عن صَحابيٍّ، ولا تابِعيٍّ اشتِراطُ لَفظِ الشَّهادةِ، وفي الكِتابِ والسُّنةِ إِطلاقُ لَفظِ الشَّهادةِ على الخبَرِ المُجرَّدِ.

قالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: لا يُشتَرطُ في الشَّهادةِ التَّلفُّظُ بلَفظِ «أشهَدُ» وهذا أصَحُّ الرِّواياتِ عن أَحمدَ في الدَّليلِ، وإنْ كانَ الأشهَرُ عندَ

(١) «حاشية الرملي على أسنى المطالب شرح روض الطالب» (٤/ ٣٧٨).

أَصحابِه الاشتِراطَ، وهو مَذهبُ مالِكٍ، قالَ شَيخُنا: ولا يُعرَفُ عن أحَدٍ من الصَّحابةِ والتابِعينَ اشتِراطُ لَفظِ الشَّهادةِ، وقد قالَ ابنُ عَباسٍ: شهِدَ عِندي رِجالٌ مَرضيُّونَ وأَرضاهم عِندي عُمرُ أنَّ رَسولَ اللهِ نَهى عن الصَّلاةِ بعدَ العَصرِ وبعدَ الصُّبحِ، ومَعلومٌ أنَّهم لم يَتلَفَّظوا له بلَفظِ «أشهَدُ»، إنَّما كانَ مُجرَّدَ إِخبارٍ، وفي حَديثِ ماعِزٍ: فلمَّا شهِدَ على نَفسِه أربَعَ شَهاداتٍ رجَمَه، وإنَّما كانَ كَلامُه منه مُجرَّدَ إِخبارٍ عن نَفسِه، وهو إِقرارٌ، وكذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقَولُه: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)[الأنعام: ١٣٠]، وقَولُه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)[النساء: ١٦٦] وقَولُه: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)[آل عمران: ٨١]، وقَولُه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] إلى أَضعافِ ذلك ممَّا ورَدَ في القُرآنِ والسُّنةِ مِنْ إِطلاقِ لَفظِ الشَّهادةِ على الخَبَرِ المُجرَّدِ عن لَفظِ «أشهَدُ».

وقد تَنازَعَ الإمامُ أَحمدُ وعلِيُّ بنُ المَدينيِّ في الشَّهادةِ للعَشرةِ بالجَنةِ فقالَ علِيٌّ: أقولُ: هُمْ في الجَنةِ، ولا أقولُ: أشهَدُ إنَّهم في الجَنةِ، فقالَ الإمامُ أَحمدُ: مَتى قُلتَ: هُمْ في الجَنةِ، فقد شَهِدتَ، وهذا تَصريحٌ منه بأنَّه لا يُشتَرطُ في الشَّهادةِ لَفظُ «أشهَدُ»، وحَديثُ أَبي قَتادةَ مِنْ أبيَنِ الحُجَجِ في ذلك (١).

(١) «زاد المعاد» (٣/ ٤٩٢، ٤٩٣)، و «الإنصاف» (١٢/ ١٠٨، ١٠٩)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٢١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشهادة
فصل في بيان ما يلزم الشاهد بتحمل الشهادة

بِالْإِشْهَادِ بِخِلَافِ سَائِرِ الشَّهَادَاتِ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الشَّاهِدِ فِي سَائِرِهَا بِطَرِيقِ الْإِحَالَةِ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ، فَيَصِحُّ التَّحَمُّلُ فِيهَا بِطَرِيقِ الْمُعَايَنَةِ.

وَمِنْهَا الْإِشْهَادُ عَلَى شَهَادَتِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ: " أَشْهَدُ بِمِثْلِ مَا شَهِدْتُ " ، أَوْ " كَمَا شَهِدْت " ، أَوْ " عَلَى مَا شَهِدْتُ " لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مَا لَمْ يَقُلْ " عَلَى شَهَادَتِي " ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّحَمُّلِ وَالْإِنَابَةِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ عَلَى شَهَادَتِهِ.

وَمِنْهَا عَدَدُ التَّحَمُّلِ، وَهُوَ أَنْ يَتَحَمَّلَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ اثْنَانِ، حَتَّى لَوْ تَحَمَّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَاحِدٌ، وَتَحَمَّلَ مِنْ الْآخَرِ وَاحِدٌ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الشَّاهِدِ، وَالْحُقُوقُ الثَّابِتَةُ فِي الذِّمَمِ لَا يَنْقُلُهَا إلَى الْقَاضِي إلَّا شَاهِدَانِ، وَلَوْ تَحَمَّلَ اثْنَانِ مِنْ أَحَدِهِمَا شَهَادَتَهُ، ثُمَّ تَحَمَّلَا مِنْ الْآخَرِ شَهَادَتَهُ جَازَ التَّحَمُّلُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَى التَّحَمُّلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَانِ، فَأَمَّا الذُّكُورَةُ فِي تَحَمُّلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتَّى يَصِحَّ التَّحَمُّلُ فِيهَا مِنْ النِّسَاءِ.

(وَأَمَّا) صُورَةُ أَدَاءِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَلَهَا لَفْظَانِ أَيْضًا: مُخْتَصَرٌ، وَمُطَوَّلٌ فَالْمُخْتَصَرُ أَنْ يَقُولَ: " شَهِدَ فُلَانٌ عِنْدِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ فَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ " .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 131 - 133

ارجع إلى مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله