الإسلام > القضاء والشهادة > مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به > خامسا: العدد في الشهادة على الرضاع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 34 دقيقة قراءةثم اختَلَفوا في العَددِ الذي يُعتبَرُ منهُنَّ. وقالَ أَبو حَنيفةَ وأَحمدُ: تُقبلُ شَهادةُ امرَأةٍ عَدلٍ فيه. وقالَ مالِكٌ: لا يُقبلُ أقَلُّ من شاهِدٍ عَدلٍ وامرأتَينِ تَتَّصِفانِ بالعَدلِ. وعن أَحمدَ مِثلُه. وقالَ الشافِعيُّ: لا يُقبلُ أقَلُّ من أربَعِ نِسوةٍ عَدلاتٍ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا شَهادةُ النِّساءِ مُفرَداتٍ -أعني النِّساءَ دونَ الرِّجالِ- فهي مَقبولةٌ عندَ الجُمهورِ في حُقوقِ الأَبدانِ التي لا يَطَّلِعُ عليها الرِّجالُ غالِبًا، مِثلَ الوِلادةِ والاستِهلالِ وعُيوبِ النِّساءِ، ولا خِلافَ في شَيءٍ من هذا إلا في الرَّضاعِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا نَعلَمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في قَبولِ شَهادةِ النِّساءِ المُفرَداتِ في الجُملةِ (٣).
خامِسًا: العَددُ في الشَّهادةِ على الرَّضاعِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على إثباتِ الرَّضاعِ بالشَّهادةِ، إلا أنَّهم اختَلَفوا في العَددِ الذي يُشتَرطُ في الشَّهادةِ بالرَّضاعِ، وهل للرِّجالِ مَدخَلٌ في هذه الشَّهادةِ أو لا؟ وهل تُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا تُقبلُ في الرَّضاعِ شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ من غيرِ أنْ يَكونَ معهُنَّ رَجلٌ، فلا تُقبلُ في الشَّهادةِ على الرَّضاعِ امرَأةٌ واحِدةٌ،
(١) «الإفصاح» (٢/ ٤١٢).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٨).
(٣) «المغني» (١٠/ ١٦١).
أجنَبيةً كانَت أو أُمَّ أحَدِ الزَّوجَينِ، ولا يُفرَّقُ بينَهما بقَولِها، ويَسعُه المُقامُ معها حتى يَشهَدَ على ذلك رَجلانِ أو رَجلٌ وامرَأتانِ عُدولٌ، ولا يُقبلُ على الرَّضاعِ أقَلُّ من ذلك، ولا شَهادةُ النِّساءِ بانفِرادِهنَّ؛ لأنَّ الرَّضاعَ ممَّا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ؛ لأنَّ ذا الرَّحِمِ المَحرَمِ يَنْظُرُ إلى الثَّديِ، وهو مَقبولُ الشَّهادةِ في ذلك، ولأنَّ الحُرمةَ كما تَحصُلُ بالإرِضاعِ من الثَّديِ تَحصُلُ بالإِيجارِ من القارورةِ، وذلك يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ فلا تُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ وَحدَهنَّ.
وحُجَّتُنا في ذلك حَديثُ عُمرَ رضي الله عنه قالَ: «لا يُقبلُ في الرَّضاعِ إلا شَهادةُ رَجلَينِ أو رَجلٍ وامرأتيَنِ»، وكان ذلك بمَحضَرٍ من الصَّحابةِ، ولم يَظهَرِ النَّكيرُ من أحَدٍ، فيَكونُ إِجماعًا، ولأنَّ هذا بابٌ ممَّا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ فلا يُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ على الانفِرادِ كالمالِ، وإنَّما قُلنا ذلك لأنَّ الرَّضاعَ ممَّا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ، أمَّا ثَديُ الأَمةِ فلأنَّه يَجوزُ للأجانِبِ النَّظرُ إليه، وأمَّا ثَديُ الحُرةِ فيَجوزُ لمَحارِمِها النَّظرُ إليه، فثبَتَ أنَّ هذه شَهادةٌ ممَّا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ فلا يُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ على الانفِرادِ؛ لأنَّ قَبولَ شَهادَتِهنَّ بانفِرادِهنَّ في أُصولِ الشَّرعِ للضَّرورةِ، وهي ضَرورةُ عَدمِ اطِّلاعِ الرِّجالِ على المَشهودِ به، فإذا جازَ الاطِّلاعُ عليه في الجُملةِ لم تَتحقَّقِ الضَّرورةُ.
فإذا شهِدوا بذلك فُرِّقَ بينَهما؛ فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ لها، وإنْ كانَ بعدَه فلها الأقَلُّ من المُسمَّى ومن مَهرِ المِثلِ، وليسَ لها في العِدةِ نَفقةٌ ولا سُكنى.
فإنْ شهِدَت امرَأةٌ على الرَّضاعِ فالأفضَلُ للزَّوجِ أنْ يُفارِقَها؛ لحَديثِ عُقبةَ بنِ الحارِثِ، قالَ: تَزوَّجتُ امرأةً، فجاءَتنا امرَأةٌ سَوداءُ، فقالَت:
أرضَعتُكما، فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ، فقُلتُ: تَزوَّجتُ فُلانةَ بِنتَ فُلانٍ، فجاءَتنا امرَأةٌ سَوداءُ، فقالَت لي: إنِّي قد أرضَعتُكما، وهي كاذِبةٌ، فأعرَضَ عني، فأتَيتُه مِنْ قبَلِ وَجهِه، قُلتُ: إنَّها كاذِبةٌ، قالَ: «كيف بها وقد زعَمَت أنَّها قد أرضَعَتكما؟ دَعَها عنك» (١). وفي لَفظٍ للنَّسائيِّ (٢): فأتَيتُه من قبَلِ وَجهِه، فقُلتُ: إنَّها كاذِبةٌ، فقالَ: «كيف وقد زعَمَت أنَّها قد أرضَعَتكما؟ خَلِّ سَبيلَها»؛ فإنَّما أمَرَه النَّبيُّ ﷺ على طَريقِ التَّنزُّهِ، ألَا تَرى أنَّه أعرَضَ عنه أولًا وثانيًا، ولو وجَبَ التَّفريقُ لَما أعرَضَ عنه، ولأمَرَه بالتَّفريقِ في أولِ سُؤالِه، فلَمَّا لم يَفعَلْ دَلَّ على أنَّه أرادَ به التَّنزُه.
ورُويَ أنَّ رَجلًا تَزوَّجَ امرَأةً فجاءَت امرَأةٌ فزعَمَت أنَّها أرضَعَتهما، فسألَ الرَّجلُ علِيًّا رضي الله عنه فقالَ: هي امرأتُك ليسَ أحَدٌ يُحرِّمُها عليك؛ فإنْ تَنزَّهتَ فهو أفضَلُ، وسألَ ابنَ عَباسٍ رضي الله عنه فقالَ له مِثلَ ذلك، ولأنَّه يَحتمِلُ أنْ تَكونَ صادِقةً في شَهادَتِها، فكانَ الاحتِياطُ هو المُفارَقةَ.
فإذا فارَقَها فالأفضَلُ له أنْ يُعطيَها نِصفَ المَهرِ إنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ بها؛ لاحتِمالِ صِحةِ النِّكاحِ لاحتِمالِ كَذِبِها في الشَّهادةِ، والأفضَلُ لها ألَّا تَأخذَ شَيئًا منه لاحتِمالِ فَسادِ النِّكاحِ لاحتِمالِ صِدقِها في الشَّهادةِ، وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ فالأفضَلُ للزَّوجِ أنْ يُعطيَها كَمالَ المَهرِ والنَّفقةِ والسُّكنَى لاحتِمالِ جَوازِ النِّكاحِ، والأفضَلُ لها أنْ تَأخذَ الأقَلَّ من مَهرِ مِثلِها ومن
(١) أخرجه البخاري (٤٨١٦).
(٢)
المُسمَّى وألَّا تَأخذَ النَّفقةَ والسُّكنَى لاحتِمالِ الفَسادِ وإنْ لم يُطلِّقْها فهو في سَعةٍ من المُقامِ معها؛ لأنَّ النِّكاحَ قائِمٌ في الحُكمِ.
وكذا إذا شهِدَت امرَأتانِ أو رَجلٌ وامرَأةٌ أو رَجلانِ غيرُ عَدلَينِ أو رَجلٌ وامرَأتانِ غيرُ عُدولٍ؛ لما قُلنا.
وإذا شهِدَ رَجلانِ عَدلانِ أو رَجلٌ وامرَأتانِ وفُرِّقَ بينَهما، فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ بها فلا شَيءَ لها؛ لأنَّه تَبيَّنَ أنَّ النِّكاحَ كانَ فاسِدًا وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ بها يَجبُ لها الأقَلُّ من المُسمَّى ومِن مَهرِ المِثلِ ولا تَجبُ النَّفقةُ والسُّكنَى في سائِرِ الأنكِحةِ الفاسِدةِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الرَّضاعَ يَثبُتُ بينَ الزَّوجَينِ بشَهادةِ رَجلَينِ عَدلَينِ ولا خِلافَ في ذلك، ويَثبُتُ أيضًا بشَهادةِ رَجلٍ وامرَأةٍ إذا كانَ ذلك فاشيًا قبلَ العَقدِ من قَولِهما، ويَثبُتُ أيضًا بشَهادةِ امرأتَينِ إنْ كانَ فاشيًا قبلَ العَقدِ على المَشهورِ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ وقالَ سحنُونٌ ومُطرِّفٌ وابنُ الماجِشونِ: يَثبُتُ الرَّضاعُ بشَهادةِ المَرأتَينِ معَ عَدمِ الفُشوِّ إذا كانَتا عَدلَتينِ، وسَواءٌ كانَتا أُمهاتِهما أو أجنَبيَّتينِ؛ لأنَّ هذا من الأمرِ الذي لا يَطَّلعُ عليه غالِبًا إلا النِّساءُ؛ فإنْ لم يَكنْ ذلك فاشيًا قبلَ العَقدِ؛ فإنَّه لا يَثبُتُ، فشَرطُ الفُشوِّ قَيدٌ في المَسألتَينِ، وأمَّا الرَّجلُ معَ المَرأتَينِ فلا يُشتَرطُ الفُشوُّ في ذلك.
(١) «المبسوط» (٥/ ١٣٧)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ١٤، ١٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٨٦، ٣٨٨)، و «اللباب» (٢/ ٦٩).
وهل تُشتَرطُ عَدالةُ الرَّجلِ والمَرأةِ وعَدالةُ المَرأتَينِ معَ الفُشوِّ أو لا تُشتَرطُ معه؟ فيه تَردُّدٌ والراجِحُ أنَّه لا تُشتَرطُ العَدالةُ معَ الفُشوِّ.
ويَثبُتُ الرَّضاعُ بينَ الزَّوجَينِ بشَهادةِ رَجلَينِ عَدلَينِ اتِّفاقًا، فَشا أو لا، ولا يَثبُتُ بشَهادةِ امرَأةٍ ولو فَشا قبلَ العَقدِ، ولو كانَت عَدلةً.
ويُستحَبُّ التَّنزُّهُ في كلِّ شَهادةٍ لا تُوجِبُ فِراقًا بأنْ كانَت شَهادةَ امرَأةٍ واحِدةٍ سَواءٌ كانَت أُمَّ أحَدِهما أو أجنَبيةً أو كانَت شَهادةَ رَجلٍ وَحدَه ولو كانَ عَدلًا أو كانَت شَهادةَ امرأتَينِ ولم يَكنْ فُشوٌّ قبلَ العَقدِ، ومَعنى التَّنزُّهِ ألَّا يَتزوَّجَها إنْ لم تَكنْ زَوجةً، أو أنْ يُطلِّقَها إنْ كانَت زَوجةً (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: في الشَّهادةِ على الرَّضاعةِ.
(قُلتُ): أَرأيتَ امرَأةً شهِدَت أنَّها أرضَعَت رَجلًا وامرَأتَه أيُفرَّقُ بينَهما في قَولِ مالِكٍ أو لا؟ (قال): قالَ مالِكٌ: يُقالُ للزَّوجِ: تَنزَّهْ عنها، إنْ كُنْتَ تَثقُ بناحيتِها، فلا أَرى أنْ يُقيمَ عليها، ولا يُفرِّقُ القاضِي بينَهما بشَهادتِها وإنْ كانَت عَدلةً، (قُلتُ): أَرأيتَ لو أنَّ امرأتَينِ شهِدَتا على رَضاعِ رَجلٍ وامرَأتِه أيُفرَّقُ بينَ الرَّجلِ وامرَأتِه في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: نَعمْ، يُفرَّقُ بينَهما إذا كانَ قد فَشا وعُرفَ من قَولِهما قبلَ هذا المَوضِعِ، (قُلتُ): أرأيتَ إنْ كانَ لم يَفشُ ذلك من قَولِهما؟ (قال): قالَ مالِكٌ: لا أَرى أنْ يُقبَلَ قَولُهما إذا لم يَفشُ ذلك من قَولِهما قبلَ نِكاحِهما عندَ الأَهلينَ والجِيرانِ،
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٢١١، ٢١٢)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٢٧، ٢٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٨٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٧٥، ٤٧٦)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٣٩٩، ٤٠٠).
(قُلتُ): أرَأيتَ إنْ كانَت المَرأتانِ اللَّتانِ شهِدَتا على الرَّضاعِ أُمَّ الزَّوجِ وأُمَّ المَرأةِ؟ (قالَ): لا يُقبلُ قَولُهما إلا أنْ يَكونَ ذلك قد عُرفَ من قَولِهما وفَشا قبلَ النِّكاحِ، (قُلتُ): فهؤلاءِ والأجنَبياتُ سَواءٌ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نَعمْ في رَأيي، (قُلتُ): أرأيتَ إنْ شهِدَت امرَأةٌ وَاحِدةٌ أنَّها أرضَعَتهما جَميعًا الزَّوجَ والمَرأةَ، وقد عُرفَ ذلك من قَولِها قبلَ النِّكاحِ، (قالَ): لا يُفرِّقُ القاضِي بينَهما في رَأيي وإنَّما يُفرِّقُ في المَرأتَينِ؛ لأنَّهما حينَ كانَتا امرأتَينِ تمَّت الشَّهادةُ، فأمَّا المَرأةُ الواحِدةُ فلا يُفرَّقُ بشهادَتِها، ولكِنْ يُقالُ للزَّوجِ: تَنزَّهْ عنها فيما بينَك وبينَ خالِقِك، (قُلتُ): أرأيتَ لو أنَّ رَجلًا خطَبَ امرَأةً فقالَت امرَأةٌ: قد أرضَعتُكما، أيُنهَى عنها في قَولِ مالِكٍ، وإنْ تَزوَّجَها فُرِّقَ بينَهما؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: يُنهى عنها على وَجهِ الاتِّقاءِ لا على وَجهِ التَّحريمِ؛ فإنْ تَزوَّجَها لم يُفرِّقِ القاضِي بينَهما (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الرَّضاعَ يَثبُتُ بشَهادةِ رَجلَينِ أو رَجلٍ وامرأتَينِ؛ لأنَّ كلَّ ما يُقبلُ فيه النِّساءُ الخُلَّصُ يُقبلُ فيه الرِّجالُ، وبأربَعِ نِسوةٍ لاختِصاصِ النِّساءِ بالاطِّلاعِ عليه غالِبًا كالوِلادةِ، ولا يَثبُتُ بأقَلَّ من أربَعةِ نِسوةٍ؛ إذ كلُّ امرأتَينِ بمَثابةِ رَجلٍ.
ومَحلُّ قَبولِ شَهادةِ النِّساءِ إذا كانَ النِّزاعُ في الارتِضاعِ من الثَّديِ، أمَّا إذا كانَ في الشُّربِ أو الإيجارِ من ظَرفٍ فلا تُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ المُتمَحِّضاتِ؛ لأنَّهُنَّ لا اختِصاصَ لهُنَّ بالاطِّلاعِ عليه، ولكنْ يُقبَلْنَ في أنَّ لَبنَ الإناءِ لَبنُ فُلانةَ؛ لأنَّ الرِّجالَ لا يَطَّلعونَ على الحَلبِ غالِبًا.
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٢١١، ٢١٢).
والإِقرارُ بالرَّضاعِ شَرطُه رَجُلانِ، ولا يَثبُتُ بغَيرِهما لاطِّلاعِ الرِّجالِ عليه غالِبًا.
وتُقبلُ في الرَّضاعِ شَهادةُ المُرضِعةِ معَ غَيرِها إنْ لم تَطلُبْ أُجرةً عن رَضاعِها، ولا ذَكَرَت فِعلَها، بل شهِدَت أنَّ بينَهما رَضاعًا مُحرِّمًا؛ لأنَّها لا تَجرُّ بهذه الشَّهادةِ نَفعًا ولا تَدفَعُ ضَررًا، وكذا إنْ ذكَرَت فِعلَها، فقالَت: أرضَعتُه؛ فإنَّها تُقبلُ، بخِلافِ ما إذا طلَبَت الأُجرةَ؛ فإنَّها لا تُقبلُ؛ لأنَّها مُتَّهَمةٌ.
والأصَحُّ أنَّه لا يَكفي في الشَّهادةِ بالإِرضاعِ أنْ يُقالَ: بينَهما رَضاعٌ مُحرِّمٌ، بل يَجبُ معَ ذلك ذِكرُ وَقتِ وُقوعِ الإِرضاعِ، وهو قبلَ الحَولَينِ في الرَّضيعِ، وبعدَ تِسعِ سِنينَ في المُرضِعةِ، وذِكرُ العَددِ، وهو خَمسُ رَضعاتٍ، ولا بدَّ أنْ يَقولَ: مُتفرِّقاتٍ؛ لأنَّ غالِبَ الناسِ يَجهَلونَ أنَّ الانتِقالَ مِنْ ثَديٍ إلى ثَديٍ، أو قَطعَ الرَّضيعِ للَّهوِ وتَنفُّسٍ ونَحوِهما وعَودَه رَضعةٌ واحِدةٌ.
وكذا يَجبُ ذِكرُ وُصولِ اللَّبنِ جَوفَه في كلِّ رَضعةٍ.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ أنَّه يَكفي بينَهما رَضاعٌ مُحرِّمٌ.
وإنْ لم يَتمَّ نِصابُ الشَّهادةِ، كأنْ شهِدَت امرَأةٌ واحِدةٌ أو اثنَتانِ أو ثَلاثٌ بالرَّضاعِ استُحِبَّ للزَّوجِ أنْ يُطلِّقَها، ويُكرَهُ له المُقامُ معَها (١).
(١) «روضة الطالبين» (٦/ ٣٩، ٤٠)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٢٠، ٢٢١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٤٦، ١٤٧)، و «كنز الراغبين» (٤/ ١٧٠، ١٧١)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ١٣٩، ١٤٠)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٢١٤، ٢١٥)، و «الديباج» (٣/ ٦١١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرَّضاعَ يَثبُتُ بشَهادةِ امرَأةٍ واحِدةٍ مَرضيةٍ على فِعلِها بأنْ شَهِدَت أنَّها أرضَعَته خَمسًا في الحَولَينِ أو شهِدَت امرَأةٌ مَرضِيةٌ على فِعلِ غَيرِها بأنْ شهِدَت أنَّ فُلانةَ أرضَعَتْه خَمسًا في الحَولَينِ.
أو شهِدَ بذلك رَجلٌ واحِدٌ، ثبَتَ الرَّضاعُ بذلك، ولا يَمينَ على المَشهودِ له، ولا على الشاهِدةِ، لما رَوى عُقبةُ بنُ الحارِثِ قالَ: «تَزوَّجتُ امرَأةً فجاءَتنا امرَأةٌ سَوداءُ، فقالَت: أرضَعتُكما، فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ، فقُلتُ: تَزوَّجتُ فُلانةَ بِنتَ فُلانٍ، فجاءَتنا امرَأةٌ سَوداءُ، فقالَت لي: إنِّي قد أرضَعتُكما، وهي كاذِبةٌ، فأعرَضَ عَني، فأتَيتُه مِنْ قبَلِ وَجهِه، قُلتُ: إنَّها كاذِبةٌ، قالَ: كيف بها وقد زعَمَت أنَّها قد أرضَعَتكما؟ دَعها عنك» (١). وفي لَفظٍ للنَّسائيِّ (٢): «فأتَيتُه مِنْ قبَلِ وَجهِه، فقُلتُ: إنَّها كاذِبةٌ، فقالَ: «كيف وقد زعَمَت أنَّها قد أرضَعَتكما؟ خَلِّ سَبيلَها». وهذا يَدلُّ على الاكتِفاءِ بالمَرأةِ الواحِدةِ.
وقالَ الزُّهريُّ: فُرِّقَ بينَ أهلِ أبياتٍ في زَمنِ عُثمانَ بشَهادةِ امرَأةٍ واحِدةٍ.
وقالَ الأَوزاعيُّ: فَرَّقَ عُثمانُ بينَ أربَعةٍ وبينَ نِسائِهم بشَهادةِ امرَأةٍ في الرَّضاعِ.
وقالَ الشَّعبيُّ: كانَت القُضاةُ تُفرِّقُ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ بشَهادةِ امرَأةٍ واحِدةٍ في الرَّضاعِ.
(١) رواه البخاري (٤٨١٦).
(٢)
ولأنَّ هذه شَهادةٌ على عَورةٍ، تُقبلُ فيها شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ كالوِلادةِ، ولأنَّه مَعنًى يُقبلُ فيه قَولُ النِّساءِ المُنفَرِداتِ يُقبلُ فيه شَهادةُ المَرأةِ والمُتبَرعةِ وغَيرِها على السَّواءِ، وغَيرُ المَرضِيةِ لا تُقبلُ.
وعن الإمامِ أَحمدَ رِوايةٌ أُخرى: لا يُقبلُ إلا شَهادةُ امرأتَينِ؛ لأنَّ الرِّجالَ أَولَى من النِّساءِ، ولا يُقبلُ إلا شَهادةُ رَجلَينِ، فالنِّساءُ أوْلَى.
وعن أَحمدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ أنَّ شَهادةَ المَرأةِ الواحِدةِ مَقبولةٌ وتُستَحلَفُ معَ شَهادَتِها، وهو قَولُ ابنِ عَباسٍ وإِسحاقَ؛ لأنَّ ابنَ عَباسٍ قالَ في امرَأةٍ زَعَمت أنَّها أرضَعَت رَجلًا وأهلَه: «إنْ كانَت مَرضيةً استُحلِفَت وفارَقَ امرَأتَه، وإنْ كانَت كاذِبةً لم يَحُلِ الحَولُ حتى يَبيَضَّ ثَدياها».
يَعني: يُصيبُها فيها بَرصٌ، عُقوبةً على كَذِبِها، وهذا لا يَقتَضيه قِياسٌ، ولا يَهتَدي إليه رأيٌ، فالظاهِرُ أنَّه لا يَقولُه إلا تَوقيفًا.
ويُقبلُ فيه شَهادةُ المُرضِعةِ على فِعلِ نَفسِها لِما ذكَرْنا من حَديثِ عُقبةَ من أنَّ الأَمةَ السَّوداءَ قالَت: قد أرضَعتُكما، فقبِلَ النَّبيُّ ﷺ شَهادَتَها، ولأنَّه فِعلٌ لا يَحصُلُ لها به نَفعٌ مَقصودٌ ولا تَدفَعُ عنها به ضَررًا قُبلَت شَهادَتُها به كفِعلِ غَيرِها.
ولا تُقبلُ الشَّهادةُ على الرَّضاعِ إلا مُفسَّرةً، فلو قالَت: أشهَدُ أنَّ هذا ابنُ هذه من الرَّضاعِ، لا تُقبلُ؛ لأنَّ الرَّضاعَ المُحرِّمَ يَختلِفُ الناسُ فيه، منهم مَنْ يُحرِّمُ بالقَليلِ، ومنهم مَنْ يُحرِّمُ بعدَ الحَولَينِ، فلزِمَ الشاهِدَ تَبيينُ كَيفيَّتِه ليَحكُمَ الحاكِمُ فيه باجتِهادِه.
يَحتاجُ الشاهِدُ أنْ يَشهدَ بأنَّ هذا ارتضَعَ من ثَديِ هذه خَمسَ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ خَلُصَ اللَّبنُ فيهِنَّ إلى جَوفِه في الحَولَينِ.
فإنْ قيلَ: خُلوصُ اللَّبنِ إلى جَوفِه لا طَريقَ له إلى مُشاهَدتِه، فكيف تَجوزُ الشَّهادةُ؟ قُلنا: إذا عُلِمَ أنَّ هذه المَرأةَ ذاتُ لَبنٍ، ورَأى الصَّبيَّ قد التقَمَ ثَديَها وحَرَّكَ فَمَه في الامتِصاصِ وحَلقَه في الاجتِراعِ حصَلَ ظَنٌّ يَقرُبُ إلى اليَقينِ أنَّ اللَّبنَ قد وصَلَ إلى جَوفِه، وما يَتعذَّرُ الوُقوفُ عليه بالمُشاهَدةِ اكتُفيَ فيه بالظاهِرِ، كالشَّهادةِ بالمِلكِ وثُبوتِ الدَّينِ في الذِّمةِ والشَّهادةِ على النَّسَبِ بالاستِفاضةِ.
ولو قالَ الشاهِدُ: أدخَلَ رأسَه تَحتَ ثِيابِها والتقَمَ ثَديَها، لا يُقبلُ؛ لأنَّه قد يُدخِلُ رأسَه ولا يَأخذُ الثَّديَ، وقد يَأخذُ الثَّديَ ولا يَمُصُّ، فلا بدَّ من ذِكرِ ما يَدلُّ عليه.
وإنْ قالَ: أشهَدُ إنَّ هذه أرضَعَت هذا، فالظاهِرُ أنَّه يَكفي في ثُبوتِ أصلِ الرَّضاعِ؛ لأنَّ المَرأةَ التي قالَت قد أرضَعتُكما، اكتُفيَ بقَولِها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا الشَّهادةُ على الرَّضاعِ؛ فإنَّ قَومًا قالوا: لا تُقبلُ فيه إلا شَهادةُ امرأتَينِ، وقَومًا قالوا: لا تُقبلُ فيه إلا شَهادةُ أربَعٍ، وبه قالَ الشافِعيُّ وعَطاءٌ، وقَومًا قالوا: تُقبلُ فيه شَهادةُ امرَأةٍ واحِدةٍ.
والذين قالوا: تُقبلُ فيه شَهادةُ امرأتَينِ، منهم مَنْ اشتَرطَ في ذلك فُشوَّ
(١) «المغني» (٨/ ١٥٣، ١٥٤)، و «شرح الزَّركشيّ» (٢/ ٥٥٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٣٥)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٦١٢).
قَولِهما بذلك قبلَ الشَّهادةِ، وهو مَذهبُ مالِكٍ وابنِ القاسِمِ، ومنهم مَنْ لم يَشتَرطْه وهو قَولُ مُطرِّفٍ وابنِ الماجِشونِ.
والذين أجازوا أيضًا شَهادةً امرَأةٍ واحِدةٍ منهم مَنْ لم يَشتَرطْ فُشوَّ قَولِها قبلَ الشَّهادةِ، وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ -تَقدَّمَ أنَّه لا يَثبُتُ عندَه بشَهادةِ امرَأةٍ واحِدةٍ-، ومنهم مَنْ اشتَرطَ ذلك، وهي رِوايةٌ عن مالِكٍ، وقد رُويَ عنه أنَّه لا تَجوزُ فيه شَهادةُ أقَلَّ من اثنَتَينِ.
والسَّببُ في اختِلافِهم كما يَلي: أمَّا بينَ الأربَعِ والاثنَتَينِ فاختِلافُهم في شَهادةِ النِّساءِ هل عَديلُ كلِّ رَجلٍ هو امرَأتانِ فيما ليسَ يُمكِنُ فيه شَهادةُ الرَّجلِ أو يَكفي في ذلك امرَأتانِ …
وأمَّا اختِلافُهم في قَبولِ شَهادةِ المَرأةِ الواحِدةِ فمُخالَفةُ الأثَرِ الوارِدِ في ذلك للأصلِ المُجمَعِ عليه، أَعني أنَّه لا يُقبلُ من الرِّجالِ أقَلُّ من اثنَينِ وأنَّ حالَ النِّساءِ في ذلك إمَّا أنْ يَكونَ أضعَفَ من حالِ الرِّجالِ وإمَّا أنْ تَكونَ أَحوالُهنَّ في ذلك مُساويةً للرِّجالِ، والإِجماعُ مُنعَقِدٌ على أنَّه لا يُقضَى بشَهادةٍ واحِدةٍ.
والأمرُ الوارِدُ في ذلك هو حَديثُ عُقبةَ بنِ الحارِثِ قالَ: «يا رَسولَ اللهِ إنِّي تَزوَّجتُ امرَأةً فأتَت امرَأةٌ فقالَت: قد أرضَعتُكما، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «كيف وقد قيلَ؟ دَعها عنك»، وحَمَل بَعضُهم هذا الحَديثَ على النَّدبِ جَمعًا بينَه وبينَ الأُصولِ، وهو أشبَهُ، وهي رِوايةٌ عن مالِكٍ (١).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٩، ٣٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشهادة
فصل في بيان ما يلزم الشاهد بتحمل الشهادة
بِالْإِشْهَادِ بِخِلَافِ سَائِرِ الشَّهَادَاتِ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الشَّاهِدِ فِي سَائِرِهَا بِطَرِيقِ الْإِحَالَةِ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ، فَيَصِحُّ التَّحَمُّلُ فِيهَا بِطَرِيقِ الْمُعَايَنَةِ.
وَمِنْهَا الْإِشْهَادُ عَلَى شَهَادَتِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ: " أَشْهَدُ بِمِثْلِ مَا شَهِدْتُ " ، أَوْ " كَمَا شَهِدْت " ، أَوْ " عَلَى مَا شَهِدْتُ " لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مَا لَمْ يَقُلْ " عَلَى شَهَادَتِي " ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّحَمُّلِ وَالْإِنَابَةِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ عَلَى شَهَادَتِهِ.
وَمِنْهَا عَدَدُ التَّحَمُّلِ، وَهُوَ أَنْ يَتَحَمَّلَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ اثْنَانِ، حَتَّى لَوْ تَحَمَّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَاحِدٌ، وَتَحَمَّلَ مِنْ الْآخَرِ وَاحِدٌ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الشَّاهِدِ، وَالْحُقُوقُ الثَّابِتَةُ فِي الذِّمَمِ لَا يَنْقُلُهَا إلَى الْقَاضِي إلَّا شَاهِدَانِ، وَلَوْ تَحَمَّلَ اثْنَانِ مِنْ أَحَدِهِمَا شَهَادَتَهُ، ثُمَّ تَحَمَّلَا مِنْ الْآخَرِ شَهَادَتَهُ جَازَ التَّحَمُّلُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَى التَّحَمُّلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَانِ، فَأَمَّا الذُّكُورَةُ فِي تَحَمُّلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتَّى يَصِحَّ التَّحَمُّلُ فِيهَا مِنْ النِّسَاءِ.
(وَأَمَّا) صُورَةُ أَدَاءِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَلَهَا لَفْظَانِ أَيْضًا: مُخْتَصَرٌ، وَمُطَوَّلٌ فَالْمُخْتَصَرُ أَنْ يَقُولَ: " شَهِدَ فُلَانٌ عِنْدِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ فَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ " .
ارجع إلى مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به للاطلاع على جميع المسائل.