رابعا: قبول شهادة النساء منفردات

الإسلام > القضاء والشهادة > مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به > رابعا: قبول شهادة النساء منفردات

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

رابعا: قبول شهادة النساء منفردات - الأقوال والأدلة

رابِعًا: قَبولُ شَهادةِ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ:

اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ شَهادةَ النِّساءِ تُقبلُ فيما لا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ، كالوِلادةِ والحَيضِ والبَكارةِ وعُيوبِ النِّساءِ وما يُخفُونَ على الرِّجالِ غالِبًا، وقد نقَلَ عَددٌ من العُلماءِ الإجماعَ على ذلك.

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: الوِلادةُ وعُيوبُ النِّساءِ مما لم أعلَمْ مُخالِفًا لَقيتُه في أنَّ شَهادةَ النِّساءِ فيه جائِزةٌ لا رَجلَ مَعهُنَّ (١).

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه بعدَ أنْ ذكَرَ كَلامَ الإمامِ الشافِعيِّ رحمة الله عليه: أمَّا الوِلادةُ فلا اختِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّه يَجوزُ أنْ تُقبلَ فيها شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ، وإنَّما اختَلَفوا في عِلةِ الجَوازِ، فعندَ الشافِعيِّ أنَّه ممَّا لا يَحضُرُه الرِّجالُ، وعندَ أَبي حَنيفةَ أنَّه ممَّا لا يُباشِرُه إلا النِّساءُ. وأمَّا الشَّهادةُ فيما سِوى ذلك من أحوالِ أبدانِهِنَّ، فتَنقَسِمُ ثَلاثةَ أقسامٍ: أحَدُها: ما اتَّفَقوا على جَوازِ شَهادةِ النِّساءِ المُنفَرِداتِ فيه، وهو ما حَرُمَ على ذَوي المَحارِمِ تَعمُّدُ النَّظرِ إليه فيما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ، سَواءٌ كانَ في الفَرجِ كالقَرنِ، والرَّتقِ، أو كانَ ممَّا عَداه من بَرصٍ أو غَيرِه، تَعليلًا عندَ الشافِعيِّ بأنَّه لا يُشاهِدُه الرِّجالُ، وتَعليلًا عندَ أَبي حَنيفةَ بأنَّه لا يُباشِرُه إلا النِّساءُ، فإنْ قيلَ: فهي عَورةٌ من المَرأةِ تَحرُمُ على الرِّجالِ والنِّساءِ، فلِمَ جَوَّزتُم فيها شَهادةَ النِّساءِ معَ مُشارَكتِهِنَّ للرِّجالِ في التَّحريمِ؟ قيلَ: لأنَّها في حُقوقِ الرِّجالِ أغلَظُ تَحريمًا منها في حُقوقِ النِّساءِ؛ لأنَّ تَحريمَها في الرِّجالِ مُختَّصٌّ بمَعنَيَينِ: أحَدُهما: سَتْرُ العَورةِ، والآخَرُ: قَطعُ الشَّهوةِ.

(١) «الأم» (٧/ ٨٧).

وتَحريمُها في النِّساءِ مُختَصٌّ بمَعنًى واحِدٍ، وهو سَتْرُ العَورةِ، فلَمَّا دَعَت الضَّرورةُ فيه إلى الشَّهادةِ أُبيحَت لأخَفِّ الجِنسَينِ حَظرًا.

والقِسمُ الثانِي: ما لا يُقبلُ فيه إلا الرِّجالُ دونَ النِّساءِ، وهو ما لم يَكنْ من عَوراتِ أَبدانِهنَّ كالوَجهِ والكَفَّينِ، فلا يُقبلُ في عُيوبِه إلا شَهادةُ الرِّجالِ دونَ النِّساءِ إِجماعًا، لخُروجِه عن العَورةِ في حُقوقِ الرِّجالِ والنِّساءِ، فلم تَدْعُ الضَّرورةُ فيه إلى انفِرادِ النِّساءِ.

والقِسمُ الثالِثُ: ما اختُلفَ فيه، وهو فيما كانَ عَورةً معَ الأجانِبِ، ولم يَكنْ عَورةً معَ ذَوي المَحارِمِ، كالذي عَلا عن السُّرةِ وانحَدَرَ عن الوَجهِ والكَفَّينِ، ومنه الرَّضاعُ من الثَّديَينِ، فمَذهَبُ مالِكٍ أنَّه يَجوزُ أنْ يُقبلَ فيه شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ، لتَحريمِه على الأجانِبِ، وعندَ أَبي حَنيفةَ لا يُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ، لإِباحَتِه لذَوي المَحارِمِ، وقد مَضَت هذه المَسألةُ في الرَّضاعِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّه تَجوزُ شَهادتُهنَّ مُنفَرِداتٍ في الحَيضِ والوِلادةِ، والاستِهلالِ وعُيوبِ النِّساءِ، وما لا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ من عَورتِهِنَّ للضَّرورةِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّه تُقبلُ شَهادتُهنَّ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ كالوِلادةِ والرَّضاعِ والبَكارةِ وعُيوبِ النِّساءِ، وما يَخفَى على الرِّجالِ غالِبًا.

(١) «الحاوي الكبير» (١٧/ ١٩، ٢٠).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشهادة
كتاب الرجوع عن الشهادة

كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ

الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَيَانُ حُكْمِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا - يَرْجِعُ إلَى مَالِ الشَّاهِدِ، وَالثَّانِي - يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَالِهِ فَهُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، أَمَّا الْأَوَّلُ - فَسَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي هَذَا الْبَابِ إتْلَافُ الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ بِالشَّهَادَةِ؛؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا يَجِبُ إمَّا بِالِالْتِزَامِ أَوْ بِالْإِتْلَافِ، وَلَمْ يُوجَدْ الِالْتِزَامُ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْلَافُ فِيهَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، فَإِنْ وَقَعَتْ إتْلَافًا انْعَقَدَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَإِلَّا فَلَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 104 - 105

ارجع إلى مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر