الإسلام > القضاء والشهادة > مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به > سابعا: ما يقبل فيه شاهد ويمين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةعندَ عَدمِ الرِّجالِ ولا ضَرورةَ في الحُقوقِ التي ليسَت بمالٍ؛ لاندِفاعِ الحاجةِ فيها بشَهادةِ الرِّجالِ، ولهذا لم تُجعَلْ حُجةً في بابِ الحُدودِ والقِصاصِ، وكذا لم تُجعَلْ حُجةً بانفِرادِهِنَّ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ (١).
وعن الإمامِ أَحمدَ رِوايةٌ في النِّكاحِ والرَّجعةِ والعِتقِ أنَّه يُقبلُ فيه شَهادةُ رَجلٍ وامرأتَينِ (٢).
سابِعًا: ما يُقبلُ فيه شاهِدٌ ويَمينٌ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الشَّهادةِ بالشاهِدِ واليَمينِ بأنْ يَحلِفَ صاحِبُ الحَقِّ معَ شاهِدِه ويَستحِقَّ حَقَّه هل يُقبلُ أو لا يُقبلُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ كلَّ حَقٍّ يَثبُتُ بالشاهِدِ والمَرأتَينِ يَثبُتُ بالشاهِدِ واليَمينِ فيَحلِفُ صاحِبُ الحَقِّ معَ شاهِدِه ويَستحِقُّ حَقَّه؛ فإنْ نكَلَ وأبَى أنْ يَحلِفَ حلَفَ المَطلوبُ، فإنْ حلَفَ سقَطَ عنه ذلك الحَقُّ، وإنْ أبَى أنْ يَحلِفَ ثبَتَ عليه الحَقُّ لصاحِبِه وإنَّما يَكونُ ذلك في الأَموالِ خاصةً، ولا يَقعُ ذلك في شَيءٍ من الحُدودِ ولا في نِكاحٍ ولا في طَلاقٍ ولا في سَرقةٍ ولا في فِريةٍ.
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٤٤، ٤٥)، و (١٢/ ١٣٩)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢٢)، و «الكافي» (١/ ٤٦٩)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٥٤، ٥٥)، رقم (١٨١٧)، و «الحاوي الكبير» (١٧/ ٩)، و «المهذب» (٢/ ٣٣٣)، و «البيان» (١٣/ ٣٣٠، ٣٣١)، و «المغني» (١٠/ ١٥٦، ١٥٧)، و «الإنصاف» (١٢/ ٧٩، ٨٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٥١٢، ٥١٣).
(٢) «المغني» (١٠/ ١٥٦، ١٥٧)، و «الإنصاف» (١٢/ ٨٠).
والدَّليلُ على جَوازِه ما رَواه أَبو هُرَيرةَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ» (١).
وعن جابِرٍ رضي الله عنه «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ» (٢).
وعن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنه قالَ: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بالشاهِدِ واليَمينِ» (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه بعدَما ذَكَر عَددًا من الأَحاديثِ في هذا: وإنَّما ذكَرْنا في هذا البابِ الآثارَ المَرفوعةَ لا غَيرُ، ولو ذكَرْنا الأَسانيدَ عمَّن قَضى بذلك من الصَّحابةِ والتابِعينَ وعُلماءِ المُسلِمينَ لطالَ ذلك، وممَّن رُويَ عنه القَضاءُ باليَمينِ معَ الشاهِدِ مَنصوصًا عليه من الصَّحابةِ أَبو بَكرٍ وعُمرُ وعُثمانُ وعلِيٌّ وأُبيُّ بنُ كَعبٍ وعَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ وإنْ كانَ في الأَسانيدِ عنهم ضَعفٌ؛ فإنَّا لم نَذكُرْهم على سَبيلِ الحُجةِ؛ لأنَّ الحُجةَ قد لزِمَت بالسُّنةِ الثابِتةِ ولا تَحتاجُ السُّنةُ إلى مَنْ يُتابِعُها؛ لأنَّ مَنْ خالَفَها مَحجوجٌ بها، ولم يأتِ عن أحَدٍ من الصَّحابةِ أنَّه أنكَرَ اليَمينَ معَ الشاهِدِ، بل جاءَ عنهم القَولُ به، وعلى القَولِ به جُمهورُ التابِعينَ بالمَدينةِ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ وأَبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ والقاسِمُ بنُ مُحمدٍ وعُروةُ وسالِمٌ وأَبو بَكرِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ وعُبَيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ وخارِجةُ بنُ زَيدٍ وسُليمانُ بنُ
(١) صَحِيحٌ: رواه أَبو داود (٣٦١٠)، والترمذي (١٣٤٣)، وابن ماجه (٢٣٦٨)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٠٧٣).
(٢) صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١٣٤٤)، وابن ماجه (٢٣٦٩).
(٣) صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٣٧٠).
يَسارٍ وعلِيُّ بنُ حُسَينٍ وأبو جَعفَرٍ مُحمدُ بنُ علِيٍّ وأبو الزِّنادِ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ، ولم يُختَلفْ عن واحِدٍ من هؤلاءِ في ذلك إلا عُروةَ؛ فإنَّه اختُلفَ فيه عنه، وكذلك اختُلِفَ فيه عن ابنِ شِهابٍ فقالَ مَعمَرٌ: سألتُ الزُّهريَّ عن اليَمينِ معَ الشاهِدِ، فقالَ: هذا شَيءٌ أحدَثَه الناسُ لا بدَّ من شَهيدَينِ، وقد رُويَ عنه أنَّه أوَّلَ ما وَلي القَضاءَ حكَمَ بشاهِدٍ ويَمينٍ، وبه قالَ مالِكٌ وأَصحابُه والشافِعيُّ وأَتباعُه وأَحمدُ بنُ حَنبَلٍ وإِسحاقُ بنُ راهَويهِ وأبو عُبَيدٍ وأبو ثَورٍ وداودُ بنُ علِيٍّ وجَماعةُ أهلِ الأثَرِ، وهو الذي لا يَجوزُ عِندي خِلافُه لتَواتُرِ الآثارِ به عن النَّبيِّ، ﷺ وقد عمِلَ أهلُ المَدينةِ به قَرنًا بعدَ قَرنٍ، وقالَ مالِكٌ رحمة الله عليه: يُقضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ في كلِّ البُلدانِ، ولم يحتجَّ في مُوطَّئِهِ لمَسألةٍ غَيرِها، ولم يُختَلفْ عنه في القَضاءِ باليَمينِ معَ الشاهِدِ، ولا عن أحَدٍ من أَصحابِه بالمَدينةِ ومِصرَ وغَيرِهما ولا يَعرِفُ المالِكيُّونَ في كلِّ بَلدٍ غيرِ ذلك من مَذهَبِهم إلا عندَنا بالأندَلسِ؛ فإنَّ يَحيى بنَ يَحيى ترَكَه وزَعَم أنَّه لم يَرَ اللَّيثَ بنَ سَعدٍ يُفتي به، ولا يَذهَبُ إليه، وخالَفَ يَحيى مالِكًا في ذلك معَ خِلافِه السُّنةَ والعَملَ بدارِ الهِجرةِ، وقد كانَ مالِكٌ يَقولُ: لا يُقضَى بالعُهدةِ في الرَّقيقِ إلا بالمَدينةِ خاصَّةً، أو على مَنْ اشتُرِطَت عليه ويَقضي باليَمينِ معَ الشاهِدِ الواحِدِ في كلِّ بَلَدٍ، وقد أفرَدَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه لذلك كِتابًا بيَّنَ فيه الحُجةَ على مَنْ رَدَّه، وأكثَرَ من ذلك أَصحابُه، وقالَ أَبو حَنيفةَ وأَصحابُه والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ: لا يُقضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ الواحِدِ، وهو قَولُ عَطاءٍ والحَكمِ بنِ عُتَيبةَ وطائِفةٍ، وزعَمَ عَطاءٌ أن أوَّلَ مَنْ قَضى به عَبدُ المَلكِ بنُ مَروانَ، وهذا غَلطٌ، وظَنٌّ لا
يُغني من الحَقِّ شَيئًا، وليسَ مَنْ نَفى وجهِلَ كمَن أثبَتَ وعلِمَ، وقد ذكَرْنا مَنْ سَمَّينا من الصَّحابةِ والتابِعينَ وليسَ فيهم مَنْ يَدَعُ عِلمَه لعَبدِ المَلِكِ بنِ مَروانَ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأكثَرُ أهلِ العِلمِ يَرَونَ ثُبوتَ المالِ لمُدَّعيه بشاهِدٍ ويَمينٍ، رُويَ ذلك عن أَبي بَكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ وعلِيٍّ رضي الله عنهم، وهو قَولُ الفُقهاءِ السَّبعةِ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والحَسنِ وشُرَيحٍ وإياسٍ وعَبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ وأبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ ويَحيى بنِ يَعمُرَ ورَبيعةَ ومالِكٍ وابنِ أَبي لَيلى وأبي الزِّنادِ والشافِعيِّ.
وقالَ الشَّعبيُّ والنَّخَعيُّ وأَصحابُ الرأيِ والأَوزاعيُّ لا يُقضى بشاهِدٍ ويَمينٍ، وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: مَنْ قَضى بالشاهِدِ واليَمينِ نَقَضتُ حُكمَه؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فمَن زادَ في ذلك فقد زادَ في النَّصِّ، والزِّيادةُ في النَّصِّ نَسخٌ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» فحصَرَ اليَمينَ في جانِبِ المُدَّعَى عليه، كما حصَرَ البَيِّنةَ في جانِبِ المُدَّعي.
ولنا: ما رَوى سُهيلٌ عن أبيه عن أَبي هُرَيرةَ قالَ: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ باليَمينِ معَ الشاهِدِ الواحِدِ» رَواه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ في سُنَنِه
(١) «التمهيد» (٢/ ١٥٣، ١٥٤)، و «الاستذكار» (٧/ ١١١)، وينظر: «الموطأ» (٢/ ٧٢١، ٧٢٢)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٥٩، ٦٠)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٤٤، ٤٥)، و «الحاوي الكبير» (١٧/ ٦٨، ٧٠)، و «البيان» (١٣/ ٣٣٨، ٣٣٩).
والأئِمةُ من أهلِ السُّننِ والمَسانيدِ، قالَ التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ غَريبٌ، وفي البابِ عن علِيٍّ وابنِ عَباسٍ وجابِرٍ ومَسروقٍ، وقالَ النِّسائيُّ: إِسنادُ حَديثِ ابنِ عَباسٍ في اليَمينِ معَ الشاهِدِ إِسنادٌ جَيدٌ.
ولأنَّ اليَمينَ تُشرعُ في حَقِّ مَنْ ظهَرَ صِدقُه وقَويَ جانِبُه، ولذلك شُرعَت في حَقِّ صاحِبِ اليَدِ لقُوةِ جَنبتِه بها، وفي حَقِّ المُنكِرِ لقُوةِ جَنبتِه؛ فإنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمتِه، والمُدَّعي ههُنا قد ظهَرَ صِدقُه فوجَبَ أنْ تُشرعَ اليَمينُ في حَقِّه ولا حُجةَ لهم في الآيةِ؛ لأنَّها دَلَّت على مَشروعيةِ الشاهِدَينِ، والشاهِدِ والمَرأتَينِ، ولا نِزاعَ في هذا، وقَولُهم: إنَّ الزِّيادةَ في النَّصِّ نَسخٌ غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ النَّسخَ: الرَّفعُ والإِزالةُ، والزِّيادةُ في الشَّيءِ تَقريرٌ له لا رَفعٌ، والحُكمُ بالشاهِدِ واليَمينِ لا يَمنَعُ الحُكمَ بالشاهِدَينِ ولا يَرفَعُه، ولأنَّ الزِّيادةَ لو كانَت مُتَّصِلةً بمزيدٍ عليه لم تَرفَعْه ولم تَكنْ نَسخًا، وكذلك إذا انفَصَلت عنه، ولأنَّ الآيةَ وارِدةٌ في التَّحمُّلِ دونَ الأَداءِ، ولهذا قالَ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والنِّزاعُ في الأداءِ، وحَديثُهم ضَعيفٌ، وليسَ هو للحَصرِ بدَليلِ أنَّ اليَمينَ تُشرعُ في حَقِّ المُودَعِ إذا ادَّعى رَدَّ الوَديعةِ وتَلفَها، وفي حَقِّ الأُمناءِ لظُهورِ جِنايَتِهم، وفي حَقِّ المُلاعِنِ وفي القَسامةِ، وتُشرَعُ في حَقِّ البائِعِ والمُشتَري إذا اختَلفَا في الثَّمنِ والسِّلعةُ قائِمةٌ.
وقَولُ مُحمدٍ في نَقضِ قَضاءِ مَنْ قَضى بالشاهِدِ واليَمينِ يَتضمَّنُ القَولَ بنَقضِ قَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ والخُلفاءِ الذين قَضَوا به، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]،
والقَضاءُ بما قَضى به مُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ﷺ أَولَى من قَضاءِ مُحمدِ ابنِ الحَسنِ المُخالِفِ له.
فَصلٌ: قالَ القاضِي: يَجوزُ أنْ يَحلِفَ على ما لا تَسوغُ الشَّهادةُ عليه، مِثلَ أنْ يَجدَ بخَطِّه دَينًا له على إِنسانٍ وهو يَعرِفُ أنَّه لا يَكتُبُ إلا حَقًّا، ولم يَذكُرْه أو يَجدْ في كُتبِ أَبيه بخَطِّه دَينًا له على إِنسانٍ، وهو يَعرِفُ من أَبيه الأمانةَ، وأنَّه لا يَكتُبُ إلا حَقًّا فله أنْ يَحلِفَ عليه ولا يَجوزُ أنْ يَشهدَ به، ولو أخبَرَه بحَقِّ أَبيه ثِقةٌ فسكَنَ إليه جازَ أنْ يَحلِفَ عليه، ولم يَجزْ له أنْ يَشهدَ به، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، والفَرقُ بينَ اليَمينِ والشَّهادةِ من وَجهَينِ أحَدُهما أنَّ الشَّهادةَ لغَيرِه فيُحتمَلُ أنَّ مَنْ له الشَّهادةُ قد زوَّرَ على خَطِّه ولا يُحتمَلُ هذا فيما يَحلِفُ عليه؛ لأنَّ الحَقَّ إنَّما هو للحالِفِ فلا يُزوِّرُ أحَدٌ عليه.
الثانِي: أنَّ ما يَكتُبُه الإِنسانُ من حُقوقِه يَكثُرُ فيَنسَى بَعضَه بخِلافِ الشَّهادةِ.
فَصلٌ: وكلُّ مَوضعٍ قُبِلَ فيه الشاهِدَ واليَمينَ فلا فَرقَ بَينَ كَونِ المُدَّعي مُسلِمًا أو كافِرًا عَدلًا أو فاسِقًا رَجلًا أو امرأةً، نَصَّ عليه أَحمدُ؛ لأنَّ مَنْ شُرِعت في حَقِّه اليَمينُ لا يَختَلِفُ حُكمُه باختِلافِ هذه الأَوصافِ كالمُنكرِ إذا لم تَكنْ بيِّنةٌ.
فَصلٌ: قالَ أَحمدُ: مَضَت السُّنةُ أنْ يُقضَى باليَمينِ معَ الشاهِدِ الواحِدِ؛ فإنْ أبَى أنْ يَحلفَ استُحلِفَ المَطلوبُ، وهذا قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ، ويُروَى عن أَحمدَ؛ فإنْ أبَى المَطلوبُ أنْ يَحلِفَ ثبَتَ الحَقُّ عليه (١).
(١) «المغني» (١٠/ ١٥٨، ١٥٩).
قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: الحُكمُ بالشاهِدِ واليَمينِ، هو مَذهبُ فُقهاءِ الحَديثِ كلِّهم، ومَذهبُ فُقهاءِ الأَمصارِ، ما خَلا أَبا حَنيفةَ وأَصحابَه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يُحكَمُ بالشاهِدِ واليَمينِ ولا بدَّ من شاهِدَينِ أو شاهِدٍ وامرأتَينِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهذا يُوجِبُ بُطلانَ القَولِ بالشاهِدِ واليَمينِ، وذلك لأنَّ قَولَه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] يَتضمَّنُ الإِشهادَ على عُقودِ المُدايَناتِ التي ابتَدَأ في الخِطابِ بذِكرِها ويَتضمَّنُ إقامَتَها عندَ الحاكِمِ ويَلزَمُ الحاكِمَ الأخْذُ بها لاحتِمالِ اللَّفظِ للحالَينِ، ولأنَّ الإِشهادَ على العَقدِ إنَّما الغَرضُ فيه إِثباتُه عندَ التَّجاحُدِ، فقد تَضمَّنَ لا مَحالةَ استِشهادَ الشاهِدَينِ أو الرَّجلِ والمَرأتَينِ على العَقدِ عندَ الحاكِمِ وإِلزامَه الحُكمَ به، وإذا كانَ كذلك فظاهِرُ اللَّفظِ يَقتَضي الإيجابَ؛ لأنَّه أمرٌ، وأوامِرُ اللهِ ﷾ على الوُجوبِ، فقد ألزَمَ اللهُ الحاكِمَ الحُكمَ بالعَددِ المَذكورِ، كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ولم يَجزْ الاقتِصارُ على ما دونَ العَددِ المَذكورِ، كذلك العَددُ المَذكورُ للشَهادةِ غيرُ جائِزٍ الاقتِصارُ فيه على ما دونَه، وفي تَجويزِ أقَلَّ منه مُخالَفةُ الكِتابِ كما لو أجازَ مُجيزٌ أنْ يَكونَ حَدُّ القَذفِ سَبعينَ، أو حَدُّ الزِّنا تِسعينَ، كانَ مُخالِفًا للآيةِ.
(١) «الطرق الحكمية» ص (١١٣).
وأيضًا قد انتَظَمَت الآيةُ شَيئَينِ من أمرِ الشُّهودِ أحَدُهما العَددُ، والآخَرُ الصِّفةُ، وهي أنْ يَكونوا أَحرارًا مَرضيِّينَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلَمَّا لم يَجزْ إِسقاطُ الصِّفةِ المَشروطةِ لهم والاقتِصارُ على ما دونَها لم يَجزْ إِسقاطُ العَددِ؛ إذْ كانَت الآيةُ مُقتَضيةً لاستِيفاءِ الأمرَينِ في تَنفيذِ الحُكمِ بها، وهو العَددُ والعَدالةُ والرِّضا فغَيرُ جائِزٍ إِسقاطُ واحِدٍ منهما، والعَددُ أَولَى بالاعتِبارِ من العَدالةِ والرِّضا؛ لأنَّ العَددَ مَعلومٌ من جِهةِ اليَقينِ، والعَدالةُ إنَّما نُثبِتُها من طَريقِ الظاهِرِ، لا من طَريقِ الحَقيقةِ، فلمَّا لم يَجزْ إِسقاطُ العَدالةِ المَشروطةِ من طَريقِ الظاهِرِ لم يَجزْ إِسقاطُ العَددِ المَعلومِ من جِهةِ الحَقيقةِ واليَقينِ.
وأيضًا فلمَّا أرادَ اللهُ الاحتياطَ في إِجازةِ شَهادةِ النِّساءِ أوجَبَ شَهادةَ المَرأتَينِ وقالَ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم قالَ: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فنَفَى بذلك أَسبابَ التُّهمةِ والرَّيبِ والنِّسيانِ، وفي مَضمونِ ذلك ما يَنفي قَبولَ يَمينِ الطالِبِ والحُكمَ له بشاهِدٍ واحِدٍ لما فيه من الحُكمِ بغَيرِ ما أُمِر به من الاحتِياطِ والاستِظهارِ ونَفيِ الرِّيبةِ والشَّكِّ، وفي قَبولِ يَمينِه أعظَمُ الرَّيبِ والشَّكِّ وأكبَرُ التُّهمةِ، وذلك خِلافُ مُقتَضى الآيةِ.
ويَدلُّ على بُطلانِ الشاهِدِ واليَمينِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقد عَلِمنا أنَّ الشاهِدَ الواحِدَ غيرُ مَقبولٍ، ولا مُرادٍ بالآيةِ، ويَمينُ الطالِبِ لا يَجوزُ أنْ يَقعَ عليها إثمُ الشاهِدِ، ولا يَجوزُ أنْ
يَكونَ رَضيَ فيما يَدَّعيه لنَفسِه فالحُكمُ بشاهِدٍ واحِدٍ ويَمينِه مُخالِفٌ للآيةِ من هذه الوُجوهِ ورافِعٌ لما قُصِدَ به من أمرِ الشَّهاداتِ من الاحتِياطِ والوَثيقةِ على ما بيَّنَ اللهُ في هذه الآيةِ وقُصِدَ به من المَعاني المَقصودةِ بها، ويَدلُّ عليه قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على المُدَّعَى عليه»، وفَرقٌ بينَ اليَمينِ والبَيِّنةِ، فغيرُ جائِزٍ أنْ تَكونَ اليَمينُ بيِّنةً؛ لأنَّه لو جازَ أنْ تُسمَّى اليَمينُ بيِّنةً لَكان بمَنزِلةِ قَولِ القائِلِ: البيِّنةُ على المُدَّعي، والبيِّنةُ على المُدَّعَى عليه، وقَولُه: البَيِّنةُ اسمٌ للجِنسِ فاستَوعَبَ ما تَحتَها، فما مِنْ بيِّنةٍ إلا وهي التي على المُدَّعي، فإذًا لا يَجوزُ أنْ يَكونَ عليه اليَمينُ، وأيضًا لمَّا كانَت البَيِّنةُ لَفظًا مُجمَلًا قد يَقعُ على مَعانٍ مُختلِفةٍ واتَّفَقوا على أنَّ الشاهِدَينِ والشاهِدَ والمَرأتَينِ مُرادونَ بهذا الخبَرِ، وأنَّ الاسمَ يَقعُ عليهم صارَ كقَولِه: الشاهِدانِ أو الشاهِدُ والمَرأتانِ على المُدَّعي، فغيرُ جائِزٍ الاقتِصارُ على ما دونَهم (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا القَضاءُ باليَمينِ معَ الشاهِدِ؛ فإنَّهم اختَلَفوا فيه.
فقال مالِكٌ والشافِعيُّ وأَحمدُ وداودُ وأبو ثَورٍ والفُقهاءُ السَّبعةُ المَدَنيُّونَ وجَماعةٌ: يُقضَى باليَمينِ معَ الشاهِدِ في الأَموالِ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ وجُمهورُ أهلِ العِراقِ: لا يُقضَى باليَمنِ معَ الشاهِدِ في شَيءٍ، وبه قالَ اللَّيثُ من أَصحابِ مالِكٍ.
(١) «أحكام القرآن» (٢/ ٢٤٧، ٢٤٩)، و «مختصر اختلاف العُلماء» (٣/ ٣٤٣)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٢٥).
وسَببُ الخِلافِ في هذا البابِ تَعارُضُ السَّماعِ.
أمَّا القائِلونَ به؛ فإنَّهم تَعلَّقوا في ذلك بآثارٍ كَثيرةٍ، منها حَديثُ ابنِ عَباسٍ وحَديثُ أَبي هُرَيرةَ وحَديثُ زَيدِ بنِ ثابِتٍ وحَديثُ جابِرٍ إلا أنَّ الذي خرَّجَ مُسلِمٌ منها حَديثُ ابنِ عَباسٍ، ولَفظُه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ» أخرَجَه مُسلِمٌ ولم يُخرِّجْه البُخاريُّ.
وأمَّا مالِكٌ؛ فإنَّما اعتمَدَ مُرسَلَه في ذلك عن جَعفَرِ بنِ مُحمدٍ عن أَبيه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ؛ لأنَّ العَملَ عندَه بالمَراسيلِ واجِبٌ.
وأمَّا السَّماعُ المُخالِفُ لها فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قالوا: وهذا يَقتَضي الحَصرَ فالزِّيادةُ عليه نَسخٌ، ولا يُنسَخُ القُرآنُ بالسُّنةِ غيرِ المُتَواتِرةِ، وعندَ المُخالِفِ أنَّه ليسَ بنَسخٍ، بل زيادةٌ لا تُغيِّرُ حُكمَ المَزيدِ.
وأمَّا السُّنةُ فما خرَّجَه البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن الأشعَثِ بنِ قَيسٍ قالَ: «كانَ بَيني وبينَ رَجلٍ خُصومةٌ في شَيءٍ فاختَصَمنا إلى النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام فقالَ: شاهِداك أو يَمينُه، فقُلتُ: إذَنْ يَحلِفُ ولا يُبالي، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ يَقتطِعُ بها مالَ امرِئٍ مُسلِمٍ هو فيها فاجِرٌ لَقيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ» قالوا: فهذا منه عليه الصلاة والسلام حَصرٌ للحُكمِ ونَقضٌ لحُجةِ كلِّ واحِدٍ من الخَصمَينِ ولا يَجوزُ عليه ﷺ ألَّا يَستَوفِيَ أَقسامَ الحُجةِ للمُدَّعي.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٧٧ - مسألة؛ قال: (وإذا عزل، فقال: كنت حكمت فى ولايتى لفلان على فلان بحق. قبل قوله، وأمضى
الحُكْمَ، لا يَمْلِكُ الإقْرارَ به، كمَن أقرَّ بعِتْقِ عبدٍ بعدَ بَيْعِه. ثم اخْتلَفوا، فقال الأوْزاعىُّ، وابنُ المُنذرِ ، وابنُ أبى ليلَى: هو بِمنزِلةِ الشَّاهدِ، إذا كانَ معه شاهدٌ آخَرُ، قُبِلَ. وقال أصْحابُ الرَّأىِ: لا يُقْبَلُ إلَّا شاهِدَان سِواهُ، يَشْهَدان بذلك. وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ؛ لأنَّ شَهادتَه على فِعْلِ نفسِه لا تُقْبَلُ. ولَنا، أنَّه لو كتبَ إلى غيرِه، ثم عُزِلَ، ووصَلَ الكتابُ بعدَ عَزْلِه، لَزِمَ المكْتوبَ إليه قبولُ كتابِه بعدَ عَزْلِ كاتبِه، فكذلك هاهُنا. ولأنَّه أخْبَرَ بما حكَمَ به، وهو غيرُ مُتَّهمٍ، فيجِبُ قَبولُه، كَحالِ وِلَايتِه.
ارجع إلى مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به للاطلاع على جميع المسائل.