سادسا: الشهادة في النكاح والطلاق

الإسلام > القضاء والشهادة > مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به > سادسا: الشهادة في النكاح والطلاق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

سادسا: الشهادة في النكاح والطلاق - الأقوال والأدلة

سادِسًا: الشَّهادةُ في النِّكاحِ والطَّلاقِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الشَّهادةِ على النِّكاحِ والطَّلاقِ هل تُقبلُ شَهادةُ النِّساءِ معَ الرِّجالِ في ذلك أو لا يُقبلُ إلا الرِّجالُ فقط؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ شَهادةَ النِّساءِ لا تُقبلُ في الحُدودِ والقِصاصِ، وما سِوى ذلك من الحُقوقِ يُقبلُ فيه رَجلانِ أو رَجلٌ وامرَأتانِ، سَواءٌ كانَ الحَقُّ مالًا أو غيرَ مالٍ، مِثلَ: النِّكاحِ والطَّلاقِ والوَكالةِ والوَصيةِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. جَعَل اللهُ لرَجلٍ وامرأتَينِ شَهادةً على الإطلاقِ؛ لأنَّه جعَلَهم من الشُّهداءِ، والشاهِدُ المُطلَقُ مَنْ له شَهادةٌ على الإطلاقِ فاقتَضَى أنْ يَكونَ لهم شَهادةٌ في سائِرِ الأَحكامِ إلا ما قُيِّد بدَليلٍ.

ورُويَ عن سَيِّدِنا عُمرَ رضي الله عنه «أنَّه أجازَ شَهادةَ النِّساءِ معَ الرِّجالِ في النِّكاحِ والفُرقةِ» ولم يُنقَلْ أنَّه أنكَرَ عليه مُنكِرٌ من الصَّحابةِ، فكانَ إِجماعًا منهم على الجَوازِ، ولأنَّ شَهادةَ رَجلٍ وامرأتَينِ في إظهارِ المَشهودِ به مِثلُ شَهادةِ رَجلَينِ لرُجحانِ جانِبِ الصِّدقِ فيها على جانِبِ الكَذِبِ بالعَدالةِ، لا أنَّها لم تُجعَلْ حُجةً فيما يُدرأُ بالشُّبهاتِ لنَوعِ قُصورٍ وشُبهةٍ فيها لما ذكَرْنا وهذه الحُقوقُ تَثبُتُ بدَليلٍ فيه شُبهةٌ (١).

(١) «أحكام القرآن» (٢/ ٢٣١، ٢٣٢)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٧٩، ٢٨٠)، و «الاختيار» (٢/ ١٦٨)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٤٣).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ ما ليسَ بمالٍ وليسَ المَقصودُ منه المالَ ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ كالنِّكاحِ والرَّجعةِ والطَّلاقِ والعِتاقِ والوَكالةِ والوَصيةِ إليه، وقَتلِ العَمدِ والحُدودِ، سِوى حَدِّ الزِّنا لا يَثبُتُ إلا بشاهِدَينِ ذَكرَينِ ولا يُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ ولا النِّساءِ معَ الرِّجالِ لقوله ﷿ في الرَّجعةِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولِما رَوى ابنُ مَسعودٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَيْ عَدلٍ».

وقالَ في الوَصيةِ: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فنَصَّ على شَهادةِ الرِّجالِ، فلم يَجزْ أنْ يُقبلَ فيه شَهادةُ النِّساءِ كالزِّنا.

ورَوى مالِكٌ عن عَقيلٍ عن ابنِ شِهابٍ قالَ: «مَضَت السُّنةُ من رَسولِ اللهِ أنَّه لا يَجوزُ شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ، ولا في النِّكاحِ، ولا في الطَّلاقِ» وقِسْنا عليها كلَّ ما لا يُقصَدُ به المالُ ويَطَّلعُ عليه الرِّجالُ.

ولأنَّ الحُقوقَ ضَربانِ: حُقوقُ اللهِ تَعالى، وحُقوقُ الآدَميِّينَ، فلمَّا وقَعَ الفَرقُ في حُقوقِ اللهِ تَعالى بيَّنَ أعلاها وأَدناها في العَددِ، فأَعلاها الزِّنا، وأَدناها الخَمرُ، وجَبَ أنْ يَقعَ الفَرقُ في حُقوقِ الآدَميِّينَ بينَ أَعلاها وأَدناها في الجِنسِ، فأَعلاها حُقوقُ الأَبدانِ، وأَدناها حُقوقُ الأَموالِ.

ولأنَّ شَهادةَ النِّساءِ حُجةٌ ضَرورةً؛ لأنَّها جُعلَت حُجةً في بابِ الدِّياناتِ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشهادة
كتاب الرجوع عن الشهادة

كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ

الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَيَانُ حُكْمِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا - يَرْجِعُ إلَى مَالِ الشَّاهِدِ، وَالثَّانِي - يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَالِهِ فَهُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، أَمَّا الْأَوَّلُ - فَسَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي هَذَا الْبَابِ إتْلَافُ الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ بِالشَّهَادَةِ؛؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا يَجِبُ إمَّا بِالِالْتِزَامِ أَوْ بِالْإِتْلَافِ، وَلَمْ يُوجَدْ الِالْتِزَامُ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْلَافُ فِيهَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، فَإِنْ وَقَعَتْ إتْلَافًا انْعَقَدَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَإِلَّا فَلَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 117 - 118

ارجع إلى مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل