الإسلام > القضاء والشهادة > مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به > شهادة النساء في الحدود
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةالوَصفِ لا أثَرَ له؛ فإنَّ الزِّنا المُوجِبَ للحَدِّ لا يَثبُتُ إلا بأربَعةٍ. ولأنَّ حَدَّ الزِّنا حَقٌّ للهِ تَعالى يُقبَلُ الرُّجوعُ عن الإِقرارِ به (١).
وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ رحمة الله عليه: ولا نِزاعَ عندَنا فيما نَعلَمُه أنَّه لا يُقبَلُ في ذلك إلا شَهادةُ رَجلَينِ، فلا مَدخَلَ للنِّساءِ في ذلك، وهو قَولُ العامةِ؛ لأنَّ شَهادةَ النِّساءِ فيها شُبهةٌ، لتَطرُّقِ الخَطأِ والنِّسيانِ إليها، كما شهِدَ له النَّصُّ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وذلك ممَّا يَندَرِئُ بالشُّبهةِ، فوجَبَ ألَّا يُقبلَ فيه ذلك (٢).
شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ وغَيرُهم على أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ والقِصاصِ، بل الشَّهادةُ فيهما قاصِرةٌ على الرِّجالِ فقط؛ لما رُويَ عن الزُّهريِّ قالَ: «مضَت السُّنةُ من رَسولِ اللهِ ﷺ والخَليفَتينِ مِنْ بَعدِه، ألَّا تَجوزَ شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ» (٣).
وقد نقَلَ الإجماعَ على ذلك جَماعةٌ من أهلِ العِلمِ.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: لم أعلَمْ أحَدًا من أهلِ العِلمِ خالَفَ في أنَّه لا يَجوزُ في الزِّنا إلا الرِّجالُ (٤).
(١) «المغني» (١٠/ ١٥٦).
(٢) «شرح الزَّركشيّ» (٣/ ٣٩٠).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن أَبي شيبة في «المصنف» (٢٩٣٠٧).
(٤) «أحكام القرآن» (٢/ ١٣٣)، و «الحاوي الكبير» (١٧/ ٦).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعَ المُسلِمونَ جَميعًا على أنَّ شَهادَتَهُنَّ في الحُدودِ غيرُ مَقبولةٍ (١).
وقالَ الإمامُ المَروَزيُّ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّه لا تَجوزُ شَهادتُهنَّ في الحُدودِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ بَطَّالٍ رحمة الله عليه: وأجمَعَ أكثَرُ العُلماءِ على أنَّ شَهادتَهنَّ لا تَجوزُ في الحُدودِ والقِصاصِ (٣).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ شَهادةَ النِّساءِ في الحُدودِ غيرُ مَقبولةٍ إلا ما حُكيَ عن عَطاءٍ وحَمادِ بنِ أَبي سُليمانَ أنَّ شَهادةَ النِّساءِ في الحُدودِ مَقبولةٌ كالأَموالِ، وهذا فاسِدٌ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولأنَّ حُدودَ اللهِ تَعالى تُدرأُ بالشُّبهاتِ فكانَت الشَّهادةُ فيها أغلَظَ من الشَّهادةِ في غَيرِها ممَّا لا يُدرأُ بالشُّبهاتِ، كما أنَّ الزِّنا لمَّا كانَ أغلَظَ من السَّرقةِ لتَعدِّيه إلى اثنَينِ واختِصاصِه بإِسقاطِ نَسبِ الوالِدِ كانَت الشَّهادةُ فيه أغلَظَ منها فيما عَداه (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ النِّساءَ لا تُقبلُ شَهادتُهنَّ في الحُدودِ والقِصاصِ (٥).
(١) «الإقناع» (٢/ ١٤٠)، و «الإجماع» (٢٧٢).
(٢) «اختلاف العُلماء» (١/ ٢٨٤).
(٣) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢١).
(٤) «الحاوي الكبير» (١٧/ ٧).
(٥) «الإفصاح» (٢/ ٤١٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: أمَّا النَّظرُ في العَددِ والجِنسِ؛ فإنَّ المُسلِمينَ اتَّفَقوا على أنَّه لا يَثبُتُ الزِّنا بأقَلَّ من أربَعةٍ عُدولٍ ذُكورٍ … واختَلفوا في قَبولِهما في الحُدودِ، فالذي عليه الجُمهورُ أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ لا معَ رَجلٍ ولا مُفرَداتٍ، وقالَ أهلُ الظاهِرِ: تُقبَلُ إذا كانَ معهن رَجلٌ، وكانَ النِّساءُ أكثَرَ من واحِدةٍ في كلِّ شَيءٍ على ظاهِرِ الآيةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أنْ يَكونوا رِجالًا كلُّهم، ولا تُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ بحالٍ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا إلا شَيئًا يُروَى عن عَطاءٍ وحَمادٍ أنَّه يُقبلُ فيه ثَلاثةُ رِجالٍ وامرَأتانِ، وهو شُذوذٌ لا يُعوَّلُ عليه؛ لأنَّ لَفظَ الأربَعةِ اسمٌ لعَدَدِ المَذكورينَ ويَقتَضي أنْ يُكتَفَى فيه بأربَعةٍ.
ولا خِلافَ في أنَّ الأربَعةَ إذا كانَ بَعضُهم نِساءً لا يُكتفَى بهم، وإنَّ أقَلَّ مِنْ خَمسةٍ يُجزِئُ، وهذا خِلافُ النَّصِّ، ولأنَّ في شَهادتِهنَّ شُبهةٌ لتَطرُّقِ الضَّلالِ إليهِنَّ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والحُدودُ تُدرأُ بالشُّبهاتِ (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ رحمة الله عليه: وأمَّا اتِّفاقُهم على مَنعِها في الحُدودِ والقِصاصِ فلقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٣).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٨).
(٢) «المغني» (٩/ ٦٤، ٦٥).
(٣) «فتح الباري» (٥/ ٢٦٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشهادة
فصل في بيان ما يلزم الشاهد بتحمل الشهادة
بِالْإِشْهَادِ بِخِلَافِ سَائِرِ الشَّهَادَاتِ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الشَّاهِدِ فِي سَائِرِهَا بِطَرِيقِ الْإِحَالَةِ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ، فَيَصِحُّ التَّحَمُّلُ فِيهَا بِطَرِيقِ الْمُعَايَنَةِ.
وَمِنْهَا الْإِشْهَادُ عَلَى شَهَادَتِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ: " أَشْهَدُ بِمِثْلِ مَا شَهِدْتُ " ، أَوْ " كَمَا شَهِدْت " ، أَوْ " عَلَى مَا شَهِدْتُ " لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مَا لَمْ يَقُلْ " عَلَى شَهَادَتِي " ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّحَمُّلِ وَالْإِنَابَةِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ عَلَى شَهَادَتِهِ.
وَمِنْهَا عَدَدُ التَّحَمُّلِ، وَهُوَ أَنْ يَتَحَمَّلَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ اثْنَانِ، حَتَّى لَوْ تَحَمَّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَاحِدٌ، وَتَحَمَّلَ مِنْ الْآخَرِ وَاحِدٌ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الشَّاهِدِ، وَالْحُقُوقُ الثَّابِتَةُ فِي الذِّمَمِ لَا يَنْقُلُهَا إلَى الْقَاضِي إلَّا شَاهِدَانِ، وَلَوْ تَحَمَّلَ اثْنَانِ مِنْ أَحَدِهِمَا شَهَادَتَهُ، ثُمَّ تَحَمَّلَا مِنْ الْآخَرِ شَهَادَتَهُ جَازَ التَّحَمُّلُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَى التَّحَمُّلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَانِ، فَأَمَّا الذُّكُورَةُ فِي تَحَمُّلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتَّى يَصِحَّ التَّحَمُّلُ فِيهَا مِنْ النِّسَاءِ.
(وَأَمَّا) صُورَةُ أَدَاءِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَلَهَا لَفْظَانِ أَيْضًا: مُخْتَصَرٌ، وَمُطَوَّلٌ فَالْمُخْتَصَرُ أَنْ يَقُولَ: " شَهِدَ فُلَانٌ عِنْدِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ فَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ " .
ارجع إلى مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به للاطلاع على جميع المسائل.