الركن الثالث: الصيغة

الإسلام > المعاملات المالية > أركان القرض > الركن الثالث: الصيغة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

الركن الثالث: الصيغة - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الثالِثُ: الصِّيغةُ:

اشتَرَطَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ في الصَّحيحِ -كما هو قَولُ مُحمدٍ وأبي يُوسُفَ في إحدى الرِّوايتَيْن عنه- والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ وهو مُقتَضى كَلامِ المالِكيَّةِ في القَرضِ الصِّيغةَ -وهي الإيجابُ والقَبولُ- ك: «أقرَضتُكَ هذا الشَّيءَ»، أو: «أسلَفتُكَ»، أو: «خُذْه بمِثلِه»، أو: «خُذْ هذا الشَّيءَ قَرضًا»، أو: «مَلَّكتُكَه على أنْ تَرُدَّ بَدَلَه».

ويُشترَطُ قَبولُ الإقراضِ -كسائِرِ المُعاوَضاتِ-، وهو أنْ يَقولَ المُستقرِضُ: «استَقرَضتُ»، أو: «قَبِلتُ»، أو: «رَضيتُ»، أو ما يَجري هذا المَجرى.

وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: وشَرطُ القَبولِ المُوافَقةُ في المَعنى، كالبَيعِ، فلو قال: «أقرَضتُكَ ألفًا»، فقَبِلَ خَمسَمِئةٍ، أو بالعَكسِ … لَم يَصحَّ.

أمَّا القَرضُ الحُكميُّ فلا يُشترَطُ له صيغةٌ، كإطعامِ جائِعٍ وكِسوةِ عارٍ وإنفاقٍ على لَقيطٍ، كما نَصَّ على ذلك الشافِعيَّةُ (١).

ورُوِيَ عن أبي يُوسُفَ رِوايةٌ أُخرى، وهي مُقابِلُ الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ: أنَّ الرُّكنَ فيه الإيجابُ، وأمَّا القَبولُ فليس برُكنٍ حتى لو حلَف لا يُقرِضُ فُلانًا فأقرَضَه، ولَم يَقبَلْ، لَم يَحنَثْ عندَ مُحمدٍ، وهو إحدى الرِّوايتَيْنِ عن أبي يُوسُفَ، وفي رِوايةٍ أُخرى يَحنَثُ.

وَجهُ هذه الرِّوايةِ أنَّ الإقراضَ إعارةٌ، والقَبولَ ليس برُكنٍ في الإعارةِ.

وَجهُ قَولِ مُحمدٍ أنَّ الواجِبَ في ذِمَّةِ المُقرِضِ مِثلُ المُستقرِضِ؛ فلِهذا

(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٣١)، و «الديباج» (٢/ ١٦٧، ١٦٨)، وباقي المَصادِر السابقَة.

اختَصَّ جَوازَه بما له مِثلٌ، فأشبَهَ البَيعَ، فكان القَبولُ رُكنًا فيه، كما في البَيعِ.

ورُويَ عن أبي يُوسُفَ فيمن حلَف لا يَستقرِضُ مِنْ فُلانٍ، فاستقرَضَ منه فلَم يُقرِضْه أنَّه يَحنَثُ؛ لأنَّ شَرطَ الحِنثِ هو الاستِقراضُ، وهو طلبُ القَرضِ، كالاستيامِ في البَيعِ، وهو طلبُ البَيعِ، فإذا استَقرَضَ فقد طلَب القَرضَ، فوَجَدَ شَرطَ الحِنثِ فيَحنَثُ (١).

ووَجهُ قَولِ الشافِعيَّةِ في مُقابِلِ الأصَحِّ أنَّ القَبولَ ليس برُكنٍ؛ لأنَّ القَرضَ مَكرُمةٌ وإباحةُ إتلافٍ بشَرطِ الضَّمانِ، وظاهِرٌ أنَّ الالتِماسَ مِنَ المُقرِضِ: ك: «اقتَرِضْ مني»، يَقومُ مَقامَ الإيجابِ، ومِنَ المُقترِضِ ك: «أقرِضْني»، يَقومُ مَقامَ القَبولِ، كما في البَيعِ (٢).

ونَصَّ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ القَرضَ يَصحُّ بلَفظِ السَّلَفِ والقَرضِ؛ لِوُرودِ الشَّرعِ بهما، وبكلِّ لَفظٍ يُؤدِّي مَعناهما، مِثلَ أنْ يَقولَ: مَلَّكتُكَ هذا على أنْ تَرُدَّ علَيَّ بَدَلَه، أو تُوجَدَ قَرينةٌ دالَّةٌ على إرادةِ القَرضِ، فإنْ قال: «مَلَّكتُكَ»، ولَم يَذكُرِ البَدَلَ ولا وُجِدَ ما يَدلُّ عليه فهو هِبةٌ، فإنِ اختَلَفا فالقَولُ قَولُ المَوهوبِ له؛ لأنَّ الظاهِرَ معه؛ لأنَّ التَّمليكَ مِنْ غيرِ عِوَضٍ هِبةٌ (٣).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٩٤)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٢٥٣)، و «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (٥/ ٤٥٦، ٤٥٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٠، ٣١)، و «المغني» (٤/ ٢٠٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٦، ٣٦٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٢٣)، و «الروض المربع» (٢/ ٥).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٣١).
(٣) «المهذب» (١/ ٣٠٢)، و «المغني» (٤/ ٢٠٨)، و «الكافي» (٢/ ١٢١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٦٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحوالة
بيان ركن الحوالة

رَجُلَانِ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَكَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ الْمُتَفَاوِضَانِ إذَا افْتَرَقَا وَعَلَيْهِمَا دَيْنٌ فَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يُطَالِبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

وَأَيُّهُمَا أَدَّى شَيْئًا لَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ الْمُؤَدَّى عَلَى النِّصْفِ لِمَا ذَكَرْنَا هَذَا إذَا كَفَلَا كَفَالَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَكْفُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِجَمِيعِ الْمَالِ فَأَمَّا إذَا كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَالَةً مُتَفَرِّقَةً بِجَمِيعِ الْمَالِ عَنْ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِمَا عَلَيْهِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا شَيْئًا يَرْجِعُ بِكُلِّ الْمُؤَدَّى عَلَى الْأَصِيلِ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ يَرْجِعُ بِنِصْفِهِ عَلَى شَرِيكِهِ لِأَنَّ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ الْكَفَالَةُ عَنْ نَفْسِهِ وَالْكَفَالَةُ عَنْ صَاحِبِهِ عَلَى السَّوَاءِ فَيَقَعُ الْمُؤَدَّى نِصْفُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَنِصْفُهُ عَنْ صَاحِبِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْكَفَالَتَيْنِ بِالْمُؤَدَّى وَإِذَا وَقَعَ نِصْفُ الْمُؤَدَّى عَنْ صَاحِبِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ لِيُسَاوِيَهُ فِي الْأَدَاءِ كَمَا سَاوَاهُ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمُؤَدَّى بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هُنَاكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصِيلٌ فِي نِصْفِ الْمَالِ بِالْكَفَالَةِ عَنْ نَفْسِهِ كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ بِالْكَفَالَةِ عَنْهُ فَيَكُونُ مُؤَدِّيًا عَنْ نَفْسِهِ إلَى النِّصْفِ وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ لِمَا مَرَّ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 16 - 17

ارجع إلى أركان القرض للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله