الإسلام > المعاملات المالية > أركان القرض > الركن الرابع: الشيء المقترض
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالرُّكنُ الرابعُ: الشَّيءُ المُقترَضُ:
اختَلَف الفُقهاءُ في الأشياءِ التي يَصحُّ اقتِراضُها والتي لا يَصحُّ اقتِراضُها، فقال الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ في المُقترِضِ أنْ يَكونَ مِثليًّا، وحَدُّ المِثليِّ هو: الذي لا تَتفاوَتُ آحادُه تَفاوتًا تَختَلِفُ به القيمةُ، وذلك كالمَكيلاتِ والمَوزوناتِ والمَعدوداتِ المُتقارِبةِ -كالبَيضِ والجَوزِ-؛ فإنَّ نحوَ الجَوزِ تَتفاوَتُ أحادُه تَفاوُتًا يَسيرًا.
أمَّا ما ليس مِثليًّا كالحَيوانِ والحَطَبِ والعَقارِ ونَحوِه مما يُقدَّرُ بالقيمةِ فإنَّه لا يَصحُّ قَرضُه، ومِثلُه المَعدوداتُ المُتفاوِتةُ في القيمةِ، كالبِّطِّيخِ والرُّمَّانِ ونَحوِهما، فإنَّه لا يَصحُّ قَرضُه؛ لأنَّه لا سَبيلَ إلى إيجابِ رَدِّ العَينِ ولا إلى إيجابِ رَدِّ القيمةِ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى المُنازَعةِ؛ لِاختِلافِ القيمةِ باختِلافِ تَقويمِ المُقوِّمينَ، فتَعيَّنَ أنْ يَكونَ الواجِبُ فيه رَدَّ المِثلِ، فيَختَصَّ جَوازُه بما له مِثلٌ.
فإذا اقتَرَض شَيئًا مِنْ ذلك وَقَع القَرضُ فاسِدًا، ولكنَّه يُملَكُ بالقَبضِ، فمَثَلًا: إذا اقتَرَض بَيتًا أو جَمَلًا ثم قَبَضه فإنَّه يَملِكُه، ولكنْ لا يَحِلُّ له أنْ يَنتفِعَ به على أيِّ وَجْهٍ، فإذا باعه فإنَّ بَيعَه يَقَعُ صَحيحًا؛ نَظَرًا لِلمِلكِ، ولكِنَّه يأثَمُ بذلك؛ لأنَّ الفاسِدَ يَجبُ فَسخُه، والبَيعَ مانِعٌ مِنَ الفَسخِ، فقد فَعَلَ ما يُنافي الواجِبَ، فيأثَمُ بذلك.
ولا يَجوزُ القَرضُ في الخُبزِ -لا وَزنًا ولا عَدَدًا- عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسُفَ -رحمهما الله-؛ لِتَفاوُتٍ فاحِشٍ بينَ خُبزٍ وخُبزٍ؛ لِاختِلافِ العَجنِ
والنُّضجِ والخِفَّةِ والثِّقَلِ في الوَزنِ والصِّغرِ والكِبَرِ في العَدَدِ؛ ولِهذا لَم يَجُزِ السَّلَمُ فيه بالإجماعِ فالقَرضُ أوْلى؛ لأنَّ السَّلَمَ أوسَعُ جَوازًا مِنَ القَرضِ، والقَرضَ أضيَقُ منه.
ألَا تَرى أنَّه يَجوزُ السَّلَمُ في الثِّيابِ، ولا يَجوزُ القَرضُ فيها؟ فلَمَّا لَم يَجُزِ السَّلَمُ فيه فلَأنْ يَكونَ لا يَجوزُ القَرضُ أوْلى.
وقال مُحمدٌ رحمة الله عليه: يَجوزُ عَدَدًا استِحسانًا؛ لِعُرفِ الناسِ وعاداتِهم في ذلك (١).
وقال المالِكيَّةُ: كلُّ ما يَصحُّ السَّلَمُ فيه مِنْ حَيَوانٍ وعَرضٍ ومِثليٍّ يَصحُّ أنْ يُقرَضَ، إلا جاريةً تَحِلُّ لِلمُقترِضِ؛ لِما في ذلك مِنْ عاريةِ الفُروجِ، وسيأتي مُفصَّلًا، أمَّا ما لا يَصحُّ السَّلَمُ فيه -كدارٍ وأرضٍ وحانوتٍ وخانٍ وحَمَّامٍ وتُرابِ مَعدِنٍ ومَصوغٍ وجَوهَرٍ نَفيسٍ يَندُرُ وُجودُه وجُزافٍ- فلا يَصحُّ أنْ يُقرَضَ (٢).
وقال الشافِعيَّةُ: كلُّ ما يَجوزُ فيه السَّلَمُ يَصحُّ إقراضُه؛ لِصِحَّةِ ثُبوتِه في الذِّمَّةِ؛ ولأنَّه ﷺ اقتَرَضَ بَكرًا، وقيسَ غَيرُه عليه، وما لا يُسَلَّمُ فيه -كالجاريةِ ووَلَدِها والجَواهِرِ ونَحوِها- لا يَجوزُ إقراضُه.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٩٥).
(٢) «تحبير المختصر» (٤/ ٧٠)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٢٩)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٣٦٠)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٤٠٦)، و «المختصر الفقهي» (٩/ ٣٨٤، ٣٨٥)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٦٠٧)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٤٧٢)، و «الشرح الصغير» (٧/ ١٨٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلح
فصل في ركن الصلح
بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الصُّلْحِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَبْطُلُ بِهِ عَقْدُ الصُّلْحِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا بَطَلَ، أَوْ لَمْ يَصِحَّ مِنْ الْأَصْلِ (أَمَّا) الْأَوَّلُ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الصُّلْحُ فِي الْأَصْلِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: .
صُلْحٌ عَنْ إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَصُلْحٌ عَنْ إنْكَارِهِ، وَصُلْحٌ عَنْ سُكُوتِهِ مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ، وَلَا إنْكَارٍ، وَكُلُّ نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُدَّعِي، وَالْأَجْنَبِيِّ الْمُتَوَسِّطِ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: الْمَشْرُوعُ هُوَ الصُّلْحُ عَنْ إقْرَارٍ وَسُكُوتٍ لَا غَيْرِهِمَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رحمة الله عليه أَمَّا الْمَشْرُوعُ هُوَ الصُّلْحُ عَنْ إقْرَارٍ لَا غَيْرُ.
(وَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه أَنَّ جَوَازَ الصُّلْحِ يَسْتَدْعِي حَقًّا ثَابِتًا، وَلَمْ يُوجَدْ فِي مَوْضِعِ الْإِنْكَارِ وَالسُّكُوتِ أَمَّا فِي الْإِنْكَارِ؛ فَلِأَنَّ الْحَقَّ لَوْ ثَبَتَ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالدَّعْوَى، وَقَدْ عَارَضَهَا الْإِنْكَارُ، فَلَا يَثْبُتُ الْحَقُّ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَأَمَّا فِي السُّكُوتِ فَلِأَنَّ السَّاكِتَ يُنَزَّلُ مُنْكِرًا حُكْمًا حَتَّى تُسْمَعَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَكَانَ إنْكَارُهُ مُعَارِضًا لِدَعْوَى الْمُدَّعِي فَلَمْ يَثْبُتْ الْحَقُّ.
ارجع إلى أركان القرض للاطلاع على جميع المسائل.