أثار الحجر

الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > أثار الحجر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

أثار الحجر - الأقوال والأدلة

آثارُ الحَجرِ:

وفائِدةُ الحَجْرِ أحكامٌ أربَعةٌ:

الأوَّلُ: تَعلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بالمالِ: لأنَّه يُباعُ في دُيونِهم، فكانتْ حُقُوقُهم مُتعلِّقةً به كالرَّهنِ.

فلا يَصحُّ تَصرُّفُه فيه بشَيءٍ، كبَيعِه وهِبَتِه ووَقفِه ونَحوِها؛ لأنَّه حَجْرٌ ثَبَتَ بالحاكِمِ فمنَع تَصرُّفَه، كالحَجرِ لِلسَّفَهِ.

وإنْ تَصرَّفَ في ذِمَّتِه بشِراءٍ أو إقرارٍ صَحَّ؛ لأنَّه أهلٌ لِلتَّصرُّفِ، والحَجْرُ إنَّما تَعلَّقَ بمالِه دونَ ذِمَّتِه.

ويُطالَبُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه؛ لأنَّه حَقٌّ عليه، وإنَّما مَنَعنا تَعلُّقَه بمالِه لِحَقِّ الغُرَماءِ السابِقِ على ذلك، فإذا استَوْفَوْه فقد زالَ المُعارِضُ.

الثاني: أنَّ مَنْ وَجَدَ عَينَ ما باعَه أو أقرَضَه فهو أحَقُّ به؛ لقَولِ النَّبيِّ : «مَنْ أَدرَكَ مالَهُ بِعَينِهِ عندَ رَجُلٍ قد أَفلَسَ -أو إِنسَانٍ قد أَفلَسَ- فهُوَ أحَقُّ بهِ مِنْ غَيرِهِ» (١).

ولا يَكونُ أحَقَّ به إلا إذا تَوافَرتْ فيه عِدَّةُ شُروطٍ كما يلي:

١ - كَونُه لا يَعلَمُ بالحَجرِ.

٢ - أنْ يَكونَ المُفلِسُ حَيًّا.

٣ - أنْ يَكونَ عِوَضُ العَينِ كلُّه باقيًا في ذِمَّتِه؛ لقَولِ النَّبيِّ :

(١) رواه البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (١٥٥٩).

«أيُّما رَجُلٍ باعَ مَتاعًا فأفلَسَ الذي ابتَاعَه ولَم يَقبِضِ الذي باعَه مِنْ ثَمَنِه شَيئًا فوَجَدَ مَتاعَه بعَينِه فهو أحَقُّ به، وإنْ ماتَ المُشتَري فصاحِبُ المَتاعِ أُسوةُ الغُرَماءِ» (١).

وفي حَديثِ أبي هُرَيرةَ مَرفوعًا: «أيُّمَا رَجُلٍ أفلَسَ فوَجَدَ رَجُلٌ عندَه مالَه ولَم يَكُنِ اقتَضى مِنْ مالِه شَيئًا فهو لَه» رَواه أحمدُ (٢)، وفي لَفظِ أبي داودَ: «فإنْ كانَ قبَض مِنْ ثَمَنِها شَيئًا فهو أُسوةُ الغُرَماءِ» (٣).

٤ - أنْ تَكونَ كُلُّها في مِلكِه لَم يَتعلَّقْ بها حَقُّ الغَيرِ، فإنْ رهَنها لَم يَملِكِ الرُّجوعَ؛ لقَولِ النَّبيِّ : «مَنْ وَجَدَ مَتاعَه بعَينِه عندَ رَجُلٍ قد أفلَسَ … » وهذا لَم يَجِدْه عندَه.

٥ - أنْ تَكونَ بحالِها لَم يَتلَفْ منها شَيءٌ: لقَولِه : «مَنْ أدرَكَ مَتاعَه بعَينِه … » (٤)، وهذا لَم يَجِدْه بعَينِه.

٦ - لَم تَتغَيَّرْ صِفَتُها بما يُزيلُ اسمَها: فإنْ طَحَنَ الحِنطةَ ونَسَجَ الغَزلَ وقَطَع الثَّوبَ قَميصًا لَم يَرجِعْ؛ لأنَّه لَم يَجِدْه بعَينِه؛ لِتَغيُّرِ اسمِه وصِفَتِه.

٧ - لَم تَزِدْ زيادةً مُتَّصِلةً: كالسَّمنِ والكِبَرِ، فإنْ وُجِدَ ذلك مُنِعَ الرُّجوع، فأمَّا الزِّيادُة المُنفَصِلةُ والنَّقصُ بهُزالٍ فلا يَمنَعانِ الرُّجوعَ؛ لأنَّه يُمكِنُ الرُّجوعُ في العَينِ دونَ زيادَتِها، والزِّيادُة لِلمُفلِسِ؛ لِحَديثِ: «الخَراجُ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٢٢)، ومالك في «الموطأ» (١٣٥٧).
(٢)
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٢٣)، وابن ماجه (٢٣٥٩).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وقد تقدَّم.

بالضَّمانِ» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّ النَّماءَ والغَلَّةَ لِلمُشتَري؛ لِكَونِ الضَّمانِ عليه.

٨ - لَم تَختَلِطْ بغَيرِ مُتميِّزٍ: فإنِ اشتَرى زَيتًا وخَلَطَه بزَيتٍ آخَرَ سَقَطَ الرُّجوعُ؛ لأنَّه لَم يَجِدْ عَينَ مالِه، وإنَّما يأخُذُ عِوَضَه كالثَّمَنِ.

٩ - لَم يَتعلَّقْ بها حَقٌّ لِلغَيرِ: فإنْ خَرَجتْ عن مِلكِه ببَيعٍ أو غَيرِه لَم يَرجِعْ؛ لأنَّه لَم يَجِدْها عِندَه.

فمَتى وُجِدَ شَيءٌ مِنْ ذلك امتَنَع الرُّجوعُ؛ لِما تَقدَّم.

الثالِثُ: يَلْزَمُ الحاكِمَ تَقسيمُ مالِه الذي مِنْ جِنسِ الدَّينِ وبَيعُ ما ليس مِنْ جِنسِه بثَمنِ مِثلِه أو أكثَرَ، ويُقسِّمُه على الغُرَماءِ فَورًا بقَدْرِ دُيونِهم الحالَّةِ؛ لأنَّ فيه تَسويةً بَينَهم، ولأنَّ ذلك هو جُلُّ المَقصودِ بالحَجرِ الذي طَلَبَه الغُرَماءُ أو بَعضُهم، ويُستَحبُّ إحضارُ المُفلِسِ والغُرماءِ؛ لأنَّه أطيَبُ لِقُلوبِهم وأبعَدُ مِنَ التُّهمةِ.

ولا يَلزَمُهم بيَانُ أنَّه لا غَريمَ سِواهُم، ثم إنْ ظَهَر غَريمٌ لِلمُفلِسِ بعدَ القِسمةِ لِمالِه لَم تُنقَضْ، ورُجِع على كلِّ غَريمٍ بقِسطِه؛ لأنَّه لو كان حاضرًا قاسَمَهم، فكذا إذا ظَهَر.

وأمَّا الدَّينُ المُؤجَّلُ فلا يَحِلُّ بالفَلَسِ؛ لأنَّ التأجيلَ حَقٌّ له، فلَم يَبطُلْ بفَلَسِه كسائِر حُقوقِه، فعَلَيها يَختَصُّ أصحابُ الدُّيونِ الحالةِ بمالِه دونَه؛ لأنَّه لا يَستحِقُّ استِيفاءَ حَقِّه قبلَ أجَلِه، وإنْ حَلَّ دَينُه قبلَ القِسمةِ شارَكَهم لِمُساواتِه إيَّاهم في استِيفائِه.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وقد تقدَّم.

ولا يَفُكُّ حَجْرَه إلا حاكِمٌ؛ لأنَّه ثَبَت بحُكمِه فلا يَزولُ إلا به، وإنْ وَفَّى ما عليه انفَكَّ الحَجْرُ بلا حُكمِ حاكِمٍ؛ لِزَوالِ مُوجِبِه.

ويَجبُ أنْ يُترَكَ له ما يَحتاجُه ممَّا يلي:

١ - مِنْ مَسكنٍ: فلا تُباعُ دارُه التي لا غِنى له عنها.

٢ - مِنْ خادِمٍ: صالِحٍ لِمِثلِه؛ لأنَّ ذلك ممَّا لا غِنى له عنه، فلم يُبَعْ في دَينِه ككِتابِه.

٣ - ممَّا يَتَّجِرُ به: إنْ كان تاجِرًا.

٤ - مِنْ آلةِ حِرفةٍ: إنْ كان مُحتَرِفًا.

ويَجبُ له ولِعيالِه أدْنى نَفَقةِ مِثلِهم مِنْ مَأكَلٍ ومَشرَبٍ وكِسوةٍ، ويُنفَقُ عليه بالمَعروفِ مِنْ مالِه إلى أنْ يُقسَّمَ، إلا إنْ كان ذا كَسبٍ.

الرابِعُ: انقِطاعُ الطَّلَبِ عنه؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وقَولِ النَّبيِّ : «خُذوا ما وَجَدتُم وليس لَكُمْ إلا ذلك» (١).

فمَن أقرَضَه أو باعَه شَيئًا عالِمًا بحَجْرِه لَم يَملِكْ طَلَبَه حتى يَنفَكَّ حَجْرُه؛ لِتِعلُّقِ حَقِّ الغُرَماءِ بعَينِ مالِ المُفلِسِ (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وقد تقدَّم.
(٢) يُنظر: «المغني» (٤/ ٢٦٥)، وما بعدها، و «المبدع» (٤/ ٣٠٥)، وما بعدها، و «الفروع» (٤/ ٢٢٤)، و «الإنصاف» (٥/ ٢٧٣، ٢٧٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٣٩)، وما بعدها، و «كشاف القناع» (٣/ ٤٩٤)، وما بعدها، و «الروض المربع» (٢/ ٤٧، ٥٠)، و «منار السبيل» (٢/ ١٤١، ١٥٠).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 495 - 498

ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله