الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > التصرفات قبل الحجر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 36 دقيقة قراءة٤ - في عَفوٍ عن قِصاصٍ ثَبَت له على جانٍ عليه، أو على وَليِّه، فإنَّه يَلزَمُه ولا يُرَدُّ.
وأمَّا الخَطَأُ والعَمدُ الذي يَتعيَّنُ فيه المالُ -كالجائِفةِ- فليس له العَفوُ؛ لأنَّه مِنَ المالِ، بخِلافِ الصَّبيِّ فليس له عَفوٌ مُطلَقًا.
وإنَّما لَم يَجُزْ عَفوُ المَحجورِ عن الخَطَأِ والعَمدِ اللذَيْنِ يَتعيَّنُ فيهما المالُ -كالجائِفةِ-؛ لأنَّه مِنَ المالِ، وهو مَمنوعٌ مِنَ التَّصرُّفِ فيه بحُكمِ الحَجرِ.
٥ - في إقرارٍ بمُوجِبِ عُقوبةٍ، كأنْ يَقولَ: أنا جَنَيتُ على زَيدٍ أو قَذَفتُه، فيَلزَمَه الحَدُّ؛ لأنَّ العاقِلَ لا يُتَّهَمُ في أنْ يُقِرَّ بباطِلٍ يُؤدِّي إلى قَتلِه ويُتَّهَمُ في أنْ يُقِرَّ بمالٍ يُؤدِّي إلى إتلافِ مالِه لِغَرَضٍ له في ذلك لا يَقَعُ في مِثلِه العُقلاءُ الرُّشَداءُ.
والسِّرُّ أنْ الوازِعَ الطَّبيعيَّ يَمنَعُ مِنَ الإقرارِ بالقِصاصِ والحُدودِ، ويَحُثُّ على اللَّذَّاتِ والشَّهَواتِ، فلذلك حُمِلَ إقرارُه في الأبدانِ على تَحقُّقِ السَّبَبِ الشَّرعيِّ دونَ المالِ.
بخِلافِ المَجنونِ في الجَميعِ، فلا يَلزَمُه شَيءٌ مِنْ ذلك، كالصَّبيِّ والدِّيةِ إنْ بَلَغتِ الثُّلُثَ فأكثَرَ على عاقِلَتِهما، وإلا فعليهما، كالمالِ، كما تَقدَّم.
التَّصرُّفاتُ قبلَ الحَجْرِ:
وتَصرُّفُ الذَّكَرِ السَّفيهِ المُحقَّقِ السَّفَهِ قبلَ الحَجْرِ عليه -بأنْ كان مُهمَلًا لا وَليَّ له- لَازِمٌ لا يُرَدُّ على المُعتمَدِ، ولو تَصرَّفَ بغَيرِ عِوَضٍ كعِتقٍ؛ لأنَّ عِلَّةَ الرَّدِّ الحَجْرُ عليه، وهو مَفقودٌ.
وهذا بخِلافِ تَصرُّفِ الصَّبيِّ؛ فإنَّه غيرُ ماضٍ، وله رَدُّه، وبخِلافِ الأُنثى المُهمَلةِ، فتَصرُّفُها مَردودٌ، ولو تَزوَّجتْ، إلا أنْ يَدخُلَ بها زَوجٌ ويَطولَ مُكثُها معه، كسَبعٍ مِنَ السِّنينَ فأكثَرَ، وتَتصرَّفُ بعدَ ذلك فيَمضي ولا يُرَدُّ.
وتَصرُّفه بعدَ الحَجْرِ عليه مَردودٌ، ولو حَسُنَ تَصرُّفُه، ما لَم يَحصُلِ الفَكُّ عنه مِنْ وَصيٍّ أو حاكِمٍ أو مُقدِّمٍ؛ لِوُجودِ عِلَّةِ الحَجْرِ عليه.
وقال ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه وبَعضُ المالِكيَّةِ: يَرُدُّ تَصرُّفَه؛ لأنَّ العِلَّةَ السَّفَهُ، وهو مَوجودٌ.
قال المازوريُّ رحمة الله عليه: وأشياخي المُحقِّقونَ يَختارونَ الرَّدَّ لِأفعالِه، ويَرَوْنَ أنَّ السَّفَهَ عِلَّةٌ في الرَّدِّ، وليس الحُكمُ بالحَجْرِ عِلَّةَ الرَّدِّ؛ لِكَونِ الحَجْرِ تَنْحيةً عن السَّفَهِ، ولِكَونِ السَّفَهِ أشَدَّه وأوجَبَه، وليس الحُكمُ بالحَجْرِ هو الذي أثبَتَ الحَجْرَ وأوجَبَه، بل السَّفَهُ عِلَّةٌ، والحُكمُ مَعلولٌ، فلا يَنقلِبُ الأمرُ فيَصيرُ المَعلولُ عِلَّةً والعِلَّةُ مَعلولًا.
وكأنَّ مَنْ ذهَب إلى خِلافِ هذا رأى أنَّ ثُبوتَ السَّفَهِ يَحتاجُ إلى اجتِهادٍ وكَشفٍ وبَحثٍ، وهو أيضًا مِمَّا اختَلَفَ المَذهبُ في حَقيقَتِه على حَسَبِ ما قَدَّمْناه فيما سَلَف، وما كان مُختَلَفًا فيه ويَفتَقِرُ ثُبوتُه إلى اجتِهادٍ لَم يُقضَ به ويَثبُتْ حُصولُه إلا بحُكمِ حاكِمٍ، لا سيَّما أنَّ في رَدِّ أفعالِه إضرارًا بمُعامِليه؛ لأنَّهم يَرَوْنَ رَجُلًا يَتصرَّفُ في مالِه ولا يُنكَرُ ذلك عليه أحَدٌ، فيُعامِلونَه، فلو رَدَدْنا أفعالَه أضرَرْنا بمُعامِليه، وهم لَم يُقصِّروا في الاجتِهادِ ولَم يُفرِّطوا، بخِلافِ مُعامَلَتِهم لِصَغيرٍ لَم يَبلُغْ، أو مَجنونٍ، فإنَّ مُعامَلَتَهم له تُرَدُّ؛ لِكَونِهم
هُمْ المُتلِفينَ لِمالِهم والمُفرِّطينَ في مُعامَلَتِه، فإنَّ السَّبَبَ المُوجِبَ لرَدِّ أفعالِه ظاهِرٌ بَيِّنٌ لا يَحتاجُ إلى اجتِهادٍ ولا حُكومةِ حاكِمٍ؛ فالصِّغَرُ والجُنونُ أمرانِ مُشاهَدانِ، بخِلافِ السَّفَهِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: لا يَصحُّ مِنَ المَحجورِ عليه لِسَفَهٍ بَيعٌ ولو بغِبطةٍ، ولا شِراءٌ ولو في الذِّمَّةِ، ولا إعتاقٌ ولا هِبةٌ منه لِشَيءٍ مِنْ مالِه؛ لأنَّ تَصحيحَ ذلك يُؤدِّي إلى إبطالِ مَعنى الحَجْرِ.
أمَّا الهِبةُ له فالأصَحُّ صِحَّتُها؛ لأنَّه ليس بتَفويتٍ، بل تَحصيلٌ.
ولا يَصحُّ قَبولُ الوَصيَّةِ في المُعتمَدِ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ ماليٌّ، وجَزَمَ الماوَرديُّ والرُّويانيُّ والجُرجانيُّ بالصِّحَّةِ لِقَبولِ الهِبةِ.
والفَرقُ بَينَهما أنَّ قَبولَ الوَصيَّةِ تَملُّكٌ، بخِلافِ قَبولِ الهِبةِ، وأنَّ قَبولَ الهِبةِ أيضًا يُشترَطُ فيه الفَورُ، ورُبَّما يَكونُ الوَليُّ غائبًا فتَفوتُ، بخِلافِ الوَصيَّةِ.
قال الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وإذا صَحَّحْنا قَبولَ ذلك لا يَجوزُ تَسليمُ المَوهوبِ والمُوصى به إليه، فإنْ سَلَّمَهما إليه ضمِن المُوصى به دونَ المَوهوبِ؛ لأنَّه مِلكُ المُوصى به بقَبولِه بخِلافِ المَوهوبِ.
ولا يَصحُّ منه كلُّ ما ذُكِرَ إلا إذا أذِنَ له وَليُّه به في أحَدِ الوَجهَيْنِ، كما يَصحُّ النِّكاحُ إذا أُذِنَ له فيه، وفي الوَجْهِ الآخَرِ: لا يَصحُّ؛ لأنَّ البَيعَ والشِّراءَ
(١) «شرح التلقين» (٣/ ٢١٦، ٢١٧)، ويُنظر: و «بلغة السالك» (٣/ ٤٢٢، ٤٢٣)، و «الذخيرة» (٧/ ١١٠، ١١١)، و «الفروق» (٢/ ٢٠٥)، و «الإشراف» (٣/ ٤٣، ٤٤).
يَختَلِفُ حُكمُهما ساعةً فساعةً؛ لأنَّه قد يَزيدُ سِعرُ الأسواقِ ويَنقُصُ، فافتَقَرَ إلى عَقدِ الوَليِّ، ولأنَّ البَيعَ والشِّراءَ يَتضمَّنُ المالَ لا غَيرُ، وهو مَحجورٌ عليه في المالِ، بخِلافِ النِّكاحِ.
ولا يَصحُّ منه نِكاحٌ يَقبَلُه لِنَفْسِه بغَيرِ إذْنِ وَليِّه؛ لأنَّ النِّكاحَ يَتطلَّبُ وُجوبَ المالِ؛ فلَم يَصحَّ بغَيرِ إذْنِ الوَليِّ، وإنِ احتاجَ لِلنِّكاحِ فالوَليُّ بالخيارِ، إنْ شاءَ زَوَّجَهَ بنَفْسِه وتَولَّى العَقدَ، وإنْ شاءَ أذِنَ له لِيَعقِدَ بنَفْسِه؛ لأنَّه عاقِلٌ مُكلَّفٌ، وإنَّما حُجِرَ عليه لِحِفظِ مالِه، بخِلافِ الصَّبيِّ.
وأمَّا قَبولُ النِّكاحِ بالوَكالةِ فيَصحُّ، وأمَّا الإيجابُ فلا يَصحُّ مُطلَقًا، لا أصالةً، ولا وَكالةً، أذِنَ الوَليُّ أو لا.
فلو اشتَرى أو اقتَرَض مِنْ رَشيدٍ وقَبَض بإذْنِه أو أقبَضَه وتلِف المأخوذُ في يَدِه قبلَ المُطالَبةِ له برَدِّه، أو أتلَفَه، فلا ضَمانَ في الحالِ، ولا بعدَ فَكِّ الحَجْرِ، سواءٌ عَلِمَ حالَه مَنْ عامَلَه أو جَهِلَ؛ لأنَّ مَنْ عامَله سَلَّطَه على إتلافِه بإقباضِه إياه، وكان مِنْ حَقِّه أنْ يَبحَثَ عنه قبلَ مُعامَلَتِه.
وهل لا يَضمَنُ ظاهِرًا وباطِنًا أو أنَّه يَضمَنُ بعدَ انفِكاكِ الحَجْرِ عنه على قَولَيْنِ.
أمَّا لو قبَضه مِنْ غيرِ رَشيدٍ أو مِنْ رَشيدٍ بغيَرِ إذْنِه وإقباضِه أو تلِف بعدَ المُطالَبةِ فإنَّه يَضمَنُه.
وكذا لو نَكَحَ بلا إذْنٍ ووَطِئَ لَم يَلزَمْه شَيءٌ.
ولو بَقيَتِ العَينُ في يَدِه حتى صارَ رَشيدًا وتَمكَّنَ مِنْ رَدِّها ثم تَلِفتْ ولَم يَردَّها ضمِنها، كما لو استَقَلَّ بإتلافِها.
ويَصحُّ بإذْنِ الوَليِّ نِكاحُه، لا التَّصرُّفُ الماليُّ في الأصَحِّ؛ لأنَّ عبارَتَه مَسلوبةٌ، كما لو أذِنَ لِصَبيٍّ، والآخَرُ: يَصحُّ كالنِّكاحِ.
وفَرَّقَ الأوَّلُ بأنَّ المَقصودَ بالحَجرِ عليه حِفظُ المالِ دونَ النِّكاحِ.
ومَحَلُّ الوَجهَيْنِ إذا عَيَّنَ له الوَليُّ قَدْرَ الثَّمَنِ، وإلَّا لَم يَصحَّ جَزمًا، ومَحَلُّهما أيضًا فيما إذا كان بعِوَضٍ كالبَيعِ، فإنْ كان خالِيًا عنه -كعِتقٍ وهِبةٍ- لَم يَصحَّ جَزمًا.
ويُستَثنى مِنْ ذلك بَعضُ المَسائِلِ:
منها: لو وَجَب عليه قِصاصٌ فصالَحَ بغَيرِ إذْنِ وَليِّه على الدِّيةِ أو أكثَرَ فليس لِلوَليِّ مَنعُه.
ومنها: عَقدُ الجِزيةِ؛ فإنَّه يَصحُّ منه مُباشَرَتُه بدينارٍ، وإنْ لَم يأذَنْ له الوَليُّ، ولا يَصحُّ منه ولا مِنَ الوَليِّ بزيادةٍ عليه، وفَرقٌ بَينَه وبَينَ المُصالَحةِ على أكثَرِ مِنَ الدِّيةِ بأنَّ صيانةَ الرُّوحِ عن القِصاصِ قد لا تَحصُلُ إلا بزِيادةٍ عليه، بخِلافِ عَقدِ الذِّمَّةِ، فإنَّ الإمامَ يَجبُ عليه العَقدُ عندَ إعطاءِ الدِّينارِ، وعَقدُ الهُدنةِ كالجِزيةِ.
ومنها: لو وَجَب له قِصاصٌ، فإنَّ له العَفوَ على مالٍ، وكذا مَجَّانًا على المَذهبِ.
ومنها: لو سَمِعَ قائِلًا يَقولُ: مَنْ رَدَّ علَيَّ عَبدي فله كذا، فرَدَّه، استَحَقَّ الجُعلَ؛ لأنَّ الصَّبيَّ يَستحِقُّه، فالبالِغُ السَّفيهُ أوْلَى.
ومنها: لو قبَض دَيْنَه بإذْنِ وَليِّه اعتُدَّ به في أرجَحِ الوَجهَيْنِ.
ومنها: لو وَقَع في أسْرٍ ففَدَى نَفْسَه بمالٍ فإنَّه يَصحُّ، كما يَصحُّ منه عَقدُ الجِزيةِ.
ومنها: لو فَتَحْنا بَلَدًا لِلسُّفهاءِ على أنْ تَكونَ الأرضُ لنا ويُؤدُّونَ خَراجَها فإنَّه يَصحُّ كالجِزيةِ.
ومنها: لو أجَّرَ نَفْسَه بما لَه التَّبرُّعُ به مِنْ مَنافِعِه، وهو ما ليس عَمَلُه مَقصودًا في كَسْبِه، فإنَّه يَصحُّ.
ومنها: لو انتَهى الأمرُ في المَطاعِمِ إلى الضَّرورةِ تَجوزُ تَصرُّفاتُه.
ولا يَصحُّ إقرارُه بالنِّكاحِ، كما لا يَصحُّ نَشؤُه.
ولا بدَيْنٍ في مُعامَلةٍ أُسنِدَ وُجوبُه إلى ما قبلَ الحَجْرِ، أو إلى ما بَعدَه، كالصَّبيِّ، ولا يُقبَلُ إقرارُه بعَينٍ في يَدِه في حالِ الحَجْرِ، وكذا بإتلافِ المالِ أو جِنايةٍ تُوجِبُ المالَ في الأظهَرِ، كدَينِ المُعامَلةِ.
ورأي آخَرُ: يُقبَلُ؛ لأنَّه إذا باشَرَ الإتلافَ يَضمَنُ، فإذا أقَرَّ به قُبِلَ.
ويَصحُّ إقرارُه بالحَدِّ والقِصاصِ لِعَدَمِ تَعلُّقِهما بالمالِ، ولِبُعدِ التُّهمةِ، ولو كان الحَدُّ سَرِقةً قُطِعَ، ولا يَلزَمُه المالُ، ولو عَفا مُستحِقُّ القِصاصِ بعدَ إقرارِه على مالٍ ثَبَت لأنَّه تَعلَّقَ باختيارِ غَيرِه، لا بإقرارِه.
ويَصحُّ طَلاقُه ورَجعَتُه وخُلعُه زَوجَتَه بمِثلِ المَهرِ وبدونِه.
ويَصحُّ ظِهارُه وإيلاؤُه وإيلادُه ونَفيُه النَّسَبَ لِما وَلَدتْه زَوجَتُه بلِعانٍ، ولِما وَلَدتْه أَمَتُه بحَلِفٍ لأنَّ هذه الأُمورَ ما عدا الخُلعَ لا تَعلُّقَ لها بالمالِ الذي حُجِرَ لِأجْلِه.
وأمَّا الخُلعُ فلأنَّه إذا صَحَّ طَلاقُه مَجَّانًا فبعِوَضٍ أوْلَى، إلا أنَّ المالَ يُسلَّمُ إلى وَليِّه، فإنْ سَلَّمَتْه إليه فتلِف في يَدِه أو أتلَفَه وَجَب عليها ضَمانُه، ولو أذِنَ وَليُّ السَّفيهِ لِلمَرأةِ بتَسليمِ المالِ إلى السَّفيهِ فسَلَّمتْه إليه لا تَبرَأُ في المَذهبِ؛ لأنَّه ليس مِنْ أهلِ القَبضِ.
ويَصحُّ استِلحاقُه النَّسَبَ ويُنفَقُ عليه مِنْ بَيتِ المالِ.
وحُكمُه في العِبادةِ الواجِبةِ مُطلَقًا والمَندوبةِ البَدنيَّةِ كالرَّشيدِ؛ لاجتِماعِ الشَّرائِطِ فيه.
أمَّا المَندوبةُ الماليَّةُ -كصَدَقةِ التَّطوُّعِ- فليس هو فيها كالرَّشيدِ، لكنْ لا يُفرِّقُ الزَّكاةَ بنَفْسِه؛ لأنَّه وِلايةٌ وتَصرُّفٌ ماليٌّ، إلا إنْ أذِنَ له الوَليُّ وعَيَّنَ له المَدفوعَ إليه صَحَّ صَرفُه، كنَظيرِه في الصَّبيِّ المُميِّزِ، وكما يَجوزُ لِلأجنبيِّ تَوكيلُه فيه، ولا بُدَّ أنْ يَكونَ ذلك بحَضرةِ الوَليِّ، أو مَنْ يَنوبُ عنه؛ لأنَّه قد يَتلَفُ المالُ إذا خَلا به أو يَدَّعي صَرفَه كاذِبًا، وكالزَّكاةِ في ذلك الكَفَّارةُ ونَحوُها.
ويَصحُّ نَذْرُه في الذِّمَّةِ بالمالِ، لا بعَينِ مالِه، والمُرادُ بصِحَّةِ نَذْرِه فيما ذُكِرَ ثُبوتُه في الذِّمَّةِ إلى ما بعدَ الحَجرِ.
وإذا أحرَمَ حالَ الحَجْرِ بحَجِّ فَرضٍ أصليٍّ أو قَضاءٍ أو مَنذورٍ قبلَ الحَجْرِ، وكذا بَعدَه، أعطَى الوَليُّ كفايَتَه لِثِقةٍ يُنْفِقُ عليه في طَريقِه، ولو بأُجرةٍ، أو يَخرُجُ الوَليُّ معه خَوفًا مِنْ تَفريطِه فيه.
ولو أفسَدَ حَجَّهُ المَفروضَ بالجِماعِ في حالِ سَفَهِه لَزِمَه المُضيُّ فيه والقَضاءُ، ويُعطيه الوَليُّ نَفَقةَ القَضاءِ.
وإنْ أحرَمَ حالَ الحَجْرِ بتَطوُّعٍ مِنْ حَجٍّ أو عُمرةٍ أو بنَذرٍ بعدَ الحَجْرِ وسَلَكنا به مَسلَكَ جائِزِ الشَّرعِ، وهو الرأيُ المَرجوحُ، وزادَتْ مُؤنةُ سَفَرِه لِإتمامِ النُّسُكِ، أو إتيانِه عن نَفَقَتِه المَعهودةِ في الحَضَرِ فلِلوليِّ مَنعُه مِنَ الإتمامِ أو الإتيانِ به صيانةً لِمالِه.
والمَذهبُ أنَّه كمُحصَرٍ، فيتحَلَّلُ؛ لأنَّه مَمنوعٌ مِنَ المُضيِّ، ويَتحلَّلُ بالصَّومِ لأنَّه مَمنوعٌ مِنَ المالِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ تَزوُّجُ السَّفيهِ إنْ لَم يَكُنْ مُحتاجًا إليه إلا بإذْنِ وَليِّه؛ لأنَّه تَصرُّفٌ يَجبُ به مالٌ، فلَم يَصحَّ بغَيرِ إذْنِ وَليِّه، كالشِّراءِ.
فإنْ كان مُحتاجًا إلى التَّزويجِ صَحَّ بمَهرِ المِثلِ بغَيرِ إذْنِ وَليِّه؛ لأنَّه إذْنُ مَصلَحةٍ مَحضةٍ، والنِّكاحُ لَم يُشرَعْ لِقَصدِ المالِ، وسَواءٌ احتاجَه لِمُتعةٍ أو خِدمةٍ.
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٣٨٦، ٣٨٩)، و «البيان» (٦/ ٢٣٣، ٢٣٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١١٧، ١٢٠)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤٢٠، ٤٢٨)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤١٤، ٤٢٠، ٤١٢)، و «الديباج» (٢/ ٢٤١، ٢٤٤).
وإنْ عَضَلَه الوَليُّ بالزَّواجِ فمنَعه منه استَقَلَّ السَّفيهُ به، كما لو لَم يَمنَعْه؛ لِما تَقدَّم.
فلو عَلِمَ الوَليُّ أنَّ السَّفيهَ يُطلِّقُ إذا زَوَّجَهَ اشتَرى له أَمَةً يَتسَرَّى بها، ولا يَنفُذُ عِتقُه فيها؛ لأنَّه تَبرُّعٌ أشبَهَ هِبَتَه ووَقْفَه.
ويُنفَقُ عليه مِنْ مالِه ويُكسَى مِنْ مالِه بالمَعروفِ، ويَتولَّى ذلك وَليُّه.
فإنْ أفسَدَ السَّفيهُ نَفَقَتَه وكِسوَتَه فَعَل الوَليُّ به كما في الصَّبيِّ والمَجنونِ، فيَدفَعُ النَّفَقةَ إليه يَومًا بيَومٍ.
فإنْ أفسَدَها أطعَمَه مُعايَنةً ويَستُرُ عَورَتَه فَقَطْ في بَيتٍ إنْ لَم يُمكِنْ تَحيَّلَ عليه بتَهديدٍ ونَحوِه، وإذا خَرَج لِلناسِ ألبَسَه ثِيابَه.
ويَصحُّ تَدبيرُه ووَصيَّتُه؛ لأنَّه لا ضَرَر عليه فيهما؛ لأنَّ ذلك مَحضُ مَصلَحَتِه؛ لأنَّه تَقرُّبٌ إلى اللهِ ﷾ بمالِه بعدَ استغنائِه عنه.
ولا يَصحُّ عِتقُه ولا هِبتُه ولا وَقفُه؛ لأنَّه تَبرُّعٌ وليس مِنْ أهلِه، لكنْ إنْ كان الوَقفُ مُعلَّقًا بمَوتِه فالظاهِرُ صِحَّتُه؛ لأنَّه وَصيَّةٌ.
ولِلسَّفيهِ المُطالَبةُ بالقِصاصِ؛ لأنَّه يَستقِلُّ بما لا يَتعلَّقُ بالمالِ مَقصودُه، وله العَفوُ عن القِصاصِ على مالٍ، ولا يَصحُّ عَفوُه عن القِصاصِ على غيرِ مالٍ في أحَدِ القولَيْنِ، وفي القَولِ الآخَرِ يَصحُّ.
ويَصحُّ استِيلادُه الأَمَةَ المَملوكةَ له وتُعتَقُ الأَمَةُ المُستَولَدةُ له بمَوتِه.
وإنْ أقَرَّ السَّفيهُ بحَدِّ زِنًا أو شُربٍ أو قَذفٍ، أو طَلَّقَ زَوجَتَه أو خَلَعَها بمالٍ، صَحَّ الإقرارُ والطَّلاقُ والخُلعُ؛ لأنَّ مَقصودَها لا يَتعلَّقُ بالمالِ.
ويَلزَمُه حُكمُه، أي حُكمُ الإقرارِ والطَّلاقِ والخُلعِ في الحالِ؛ لأنَّه غيرُ مُتهَمٍّ في نَفْسِه، والحَجْرُ إنَّما يَتعلَّقُ بمالِه.
وإنْ قبَض السَّفيهُ عِوَضَ الخُلعِ أو الطَّلاقِ لَم يَصحَّ قَبضُه؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في مالٍ، فلو أتلَفَه أو تلِف بيَدِه لَم يَضمَنِ السَّفيهُ، ولَم تُبرَأِ المَرأةُ بدَفعِها إليه عِوَضَ الخُلعِ أو الطَّلاقِ، كالصَّغيرِ؛ لِعَدَمِ أهليَّتِه لِلقَبضِ.
ويَصحُّ ظِهارُه وإيلاؤُه ولِعانُه ونَفيُ النَّسَبِ باللِّعانِ.
وإنْ أقَرَّ السَّفيهُ بما يُوجِبُ القِصاصَ في نَفْسٍ أو طَرفٍ ونَحوِه وطَلَبَ المُقِرُّ له إقامَتَه كان لِرَبِّه استِيفاؤُه في الحالِ، فإنْ عَفا رَبُّه عنه على مالٍ صَحَّ العَفوُ، والصَّوابُ أنَّه لا يَجبُ المالُ الذي عَفا عنه في الحالِ؛ لأنَّ السَّفيهَ والمُقِرَّ له قد يَتواطآنِ على ذلك، بل يَجبُ إذا انفَكَّ الحَجْرُ عنه وسَقَطَ القِصاصُ لِلعَفوِ.
وإنْ أقَرَّ السَّفيهُ بنَسَبِ وَلَدٍ أو نَحوِه صَحَّ إقرارُه ولَزِمَتْه أحكامُه مِنَ النَّفَقةِ وغَيرِها، كالسُّكنى والإرثِ، كنَفَقةِ الزَّوجةِ والخادِمِ.
ولا يُفرِّقُ السَّفيهُ زَكاةَ مالِه بنَفْسِه، بل يُفرِّقُها وَليُّه كسائِرِ تَصرُّفاتِه الماليَّةِ.
ولا تَصحُّ شَرِكةُ السَّفيهِ ولا حَوالَتُه ولا الحَوالةُ عليه ولا ضَمانُه لِغَيرِه ولا كَفالَتُه ببَدَنِ إنسانٍ؛ لأنَّ ذلك تَصرُّفٌ ماليٌّ فلَم يَصحَّ منه، كالبَيعِ والشِّراءِ.
ويَصحُّ مِنَ السَّفيهِ نَذْرُ كلِّ عبادةُ بدنيَّةٍ مِنْ حَجٍّ وغَيرِه كصَومٍ وصَلاةٍ؛ لأنَّه غيرُ مَحجورٍ عليه في بَدَنِه، لا نَذْرُ عِبادةٍ ماليَّةٍ كصَدَقةٍ وأُضحيَّةٍ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في مالٍ وكُفرٌ بالصِّيامِ.
وإنْ أحرَمَ السَّفيهُ بحَجِّ فَرضٍ صَحَّ إحرامُه به كسائِرِ عِباداتِه، والنَّفَقةُ مِنْ مالِه تُدفَعُ إلى ثِقةٍ يُنْفِقُ عليه في الطَّريقِ حتى يَعودَ.
وإنْ كان الحَجُّ الذي أحرَمَ به تَطوُّعًا وكانت نَفَقتُه في السَّفَرِ كنَفَقتِه في الحَضَرِ، أو كانت نَفَقتُه في السَّفَرِ أزيَدَ، لكنْ يَكتَسِبُ السَّفيهُ الزائِدَ في سَفَرِه لَم يَمنَعْه وَليُّه مِنْ إتمامِ الحَجِّ؛ لأنَّه وَجَب بالشُّروعِ، ودَفَعَ النَّفَقةَ إلى ثِقةٍ يُنْفِقُ عليه، كما تَقدَّم في الفَرضِ.
وإلَّا بأنْ كانت نَفَقةُ السَّفَرِ أزيَدَ ولَم يَكتَسِبْها فلِوليِّه تَحليلُه مِنَ الإحرامِ بحَجِّ النَّفلِ؛ لِما عليه مِنَ الضَّرَرِ فيه، ويَتحلَّلُ السَّفيهُ بالصِّيامِ، أي: صيامِ عَشَرةِ أيَّامٍ كالمُعسِرِ إذا أُحصِرَ.
وإنْ لَزِمتِ السَّفيهَ كَفَّارةُ يَمينٍ أو لَزِمتْه كَفَّارةٌ غَيرُها، كقَتلٍ وظِهارٍ، كَفَّرَ بالصَّومِ؛ لأنَّ المالَ يَضُرُّه، وإنْ أعتَقَ أو أطعَمَ أو كَسَى لَم يُجزِئْه، ولَم يَنفُذْ عِتقُه ونَحوُه؛ لأنَّه تَصرُّفٌ ماليٌّ فلَم يَصحَّ منه.
فإنْ فُكَّ عنه الحَجْرُ قبلَ تَكفيرِه كَفَّرَ بما يُكفِّرُ به الرَّشيدُ، لا إنْ فُكَّ حَجْرُه بعدَ التَّكفيرِ، فلا يُعيدُ الكَفَّارةَ؛ لأنَّه فَعَل ما كان واجبًا عليه، كمَن صَلَّى بالتَّيمُّمِ ثم وَجَد الماءَ.
وإنْ أقَرَّ السَّفيهُ بمالٍ صَحَّ إقرارُه في المَذهبِ، ولَم يَلزَمْه ما أقَرَّ به في حالِ حَجْرِه، بل يُتبَعُ به بَعدَه؛ لأنَّه مُكلَّفٌ أقَرَّ بما لا يَلزَمُه في الحالِ، فلَزِمَه بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالعَبدِ يُقِرُّ بدَيْنٍ، والرَّاهِنُ على الرَّهنِ والمُفلِسُ على المالِ.
لكنْ إنْ عَلِمَ الوَليُّ صِحَّةَ ما أقَرَّ به السَّفيهُ، كدَينِ جِنايةٍ ونَحوِه لَزِمَه أداؤُه.
وفي قَولٍ: السَّفيهُ إذا أقَرَّ بمالٍ -كالدَّينِ- أو بما يُوجِبُه -كَجِنايةِ الخَطَأِ وشِبهِ العَمدِ وإتلافِ المالِ وغَصبِه وسَرِقَتِه- لَم يُقبَلْ إقرارُه به؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه لِحِفظِه، فلَم يَصحَّ إقرارُه بالمالِ، كالصَّبيِّ والمَجنونِ، ولأنَّا لو قَبِلْنا إقرارَه في مالِه لَزالَ مَعنى الحَجْرِ؛ لأنَّه يَتصرَّفُ في مالِه ثم يُقِرُّ به فيأخُذُه المُقِرُّ له؛ ولأنَّه أقَرَّ بما هو مَمنوعٌ مِنَ التَّصرُّفِ فيه، كإقرارِ الراهِنِ على الرَّهنِ، والمُفلِسِ على المالِ.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُحتمَلُ ألَّا يَصحَّ إقرارُه ولا يُؤخَذَ به في الحُكمِ بحالٍ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه؛ لِعَدَمِ رُشدِه، فلَم يَلزَمْه حُكمُ إقرارِه بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالصَّبيِّ والمَجنونِ، ولأنَّ المَنعَ مِنْ نُفوذِ إقرارِه في الحالِ إنَّما ثَبَت لِحِفظِ مالِه عليه ودَفْعِ الضَّرَرِ عنه، فلو نَفَذَ بعدَ فَكِّ الحَجْرِ لَم يُفِدْ إلا تأخيرَ الضَّرَرِ عليه إلى أكمَلِ حالَتَيْه، وفارَقَ المَحجورَ عليه لِحَقِّ غَيرِه؛ فإنَّ المانِعَ تَعلُّقُ حَقِّ الغَيرِ بمالِه، فيَزولُ المانِعُ بزَوالِ الحَقِّ عن مالِه، فيَثبُتُ مُقتَضى إقرارِه.
وفي مَسألتِنا انتَفى الحُكمُ لِخَلَلٍ في الإقرارِ، فلَم يَثبُتْ كَونُه سَبَبًا، وبزَوالِ الحَجْرِ لَم يَكمُلِ السَّبَبُ، فلا يَثبُتُ الحُكمُ مع اختِلالِ السَّبَبِ، كما لَم يَثبُتْ قبلَ فَكِّ الحَجْرِ، ولأنَّ الحَجْرَ لِحَقِّ الغَيرِ لَم يَمنَعْ تَصرُّفَهم في ذِمَمِهم، فأمكَنَ تَصحيحُ إقرارِهم في ذِمَمِهم على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بغَيرِهم، بأنْ يَلزَمَهم بعدَ زَوالِ حَقِّ غَيرِه، والحَجْرُ ههنا لِحِفظِ نَفْسِه؛ مِنْ أجْلِ ضَعفِ عَقلِه وسُوءِ تَصرُّفِه، ولا يَندَفِعُ الضَّرَرُ إلا بإبطالِ إقرارِه بالكُلِّيَّةِ، كالصَّبيِّ والمَجنونِ.
وأمَّا صِحَّتُّه فيما بَينَه وبَينَ اللهِ ﷾ فإنْ عَلِمَ صِحَّةَ ما أقَرَّ به -كدَينٍ لَزِمَه مِنْ جِنايةٍ، أو دَينٍ لَزِمَه قبلَ الحَجْرِ عليه- فعليه أداؤُه؛ لأنَّه عَلِمَ أنَّ عليه حَقًّا فلَزِمَه أداؤُه، كما لو لَم يَكُنْ يُقِرُّ به، وإنْ عَلِمَ فَسادَ إقرارِه، مِثلَ أنْ عُلِمَ أنَّه أقَرَّ بدَينٍ ولا دَينَ عليه، أو بجِنايةٍ لَم تُوجَدْ منه، أو أقَرَّ بما لا يَلزَمُه، مِثلَ إنْ أتلَفَ مالَ مَنْ دَفَعه إليه بقَرضٍ، أو بَيعٍ لَم يَلزَمْه أداؤُه؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّه لا دَينَ عليه، لَم يَلزَمْه شَيءٌ، كما لو لَم يُقِرَّ به.
وإذا أذِنَ وَليُّ السَّفيهِ له في البَيعِ والشِّراءِ فهل يَصحُّ منه؟ على وَجهَيْنِ:
أحَدُهما: يَصحُّ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فمِلكُه بالإذْنِ كالنِّكاحِ؛ ولأنَّه عاقِلٌ مَحجورٌ عليه، فصَحَّ تَصرُّفُه بالإذْنِ فيه، كالصَّبيِّ، يُحقِّقُ هذا أنَّ الحَجْرَ على الصَّبيِّ أعلى مِنَ الحَجْرِ عليه، ثم يَصحُّ تَصرُّفُه بالإذْنِ، فههنا أوْلَى، ولِأنَّا لو مَنَعْنا تَصرُّفَه بالإذْنِ لَم يَكُنْ لنا طَريقٌ إلى مَعرِفةِ رُشدِه واختِبارِه.
والآخَرُ: لا يَصحُّ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه لِتَبذيرِه وسُوءِ تَصرُّفِه، فإذا أذِنَ له فقد أذِنَ فيما لا مَصلَحةَ فيه، فلَم يَصحَّ، كما لو أذِنَ في بَيعِ ما يُساوي عَشَرةً بخَمسةٍ.
وحُكمُ تَصرُّفِ وَليِّ السَّفيهِ كحُكمِ تَصرُّفِ وَليِّ الصَّغيرِ والمَجنونِ؛ لأنَّ وِلايَتَه على السَّفيهِ لِحَظِّه، أشبَهَ وَليَّ الصَّبيِّ (١).
(١) «المغني» (٤/ ١٧١، ١٧٢)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٣٤، ٣٣٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٢٨، ٥٣٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٨٧، ٤٨٩)، و «مطالب أولى النهى» (٣/ ٤١٥، ٤١٧).
المجموع شرح المهذب · النووي · تابع كتاب البيوع
باب الحجر
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الحجر
إذا ملك الصبى أو المجنون مالا حجر عليه في ماله، والدليل عليه قَوْله تَعَالَى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) فدل على أنه لا يسلم إليه المال قبل البلوغ والرشد.
(الشرح) الحجر في اللغة المنع والتضييق.
ومنه سمى الحرام حجرا.
قال الله تعالى " ويقولون حجرا محجورا " أي حراما محرما، ويسمى العقل حجرا.
قال تعالى " هل في ذلك قسم لذى حجر " سمى حجرا لمنعه صاحبه من ارتكاب القبائح، وما يضر العاقبة، وسمى حجر البيت حجرا لانه يمنع من الطواف به.
وفى الشريعة منع الانسان من التصرف في ماله والمحجور عليهم ثمانية، ثلاثة حجر عليهم لحق أنفسهم وخمسة حجر عليهم لحق غيرهم، فالذين حجر عليهم لحق أنفسهم: فالصبي والمجنون والسفيه.
والمحجور عليهم لحق غيرهم فهم المفلس يحجر عليه لحق الغرماء، والمريض لحق الورثة، والعبد القن.
والمكاتب - بفتح التاء لحق المكاتب بكسرها - والمرتد لحق المسلمين.
والاصل في ثبوت الحجر على الصبى قَوْله تَعَالَى " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا " والابتلاء الاختبار.
قال تعالى " هو الذى خلقكم ليبلوكم أيكم أحسن عملا " أي ليختبركم واليتيم من مات أبوه وهو دون البلوغ.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يُتْمَ بَعْدَ الحلم " وقوله تعالى " إذا بلغوا النكاح " أراد به البلوغ، فعبر عنه به، وقوله تعالى " آنستم منهم رشدا " أي علمتم منهم رشدا، فوضع الايناس موضع العلم، كما وضع الايناس موضع الرؤية في قوله تعالى " آنس من جانب الطور نارا " أي رأى
روى أنها نزلت في ثابت بن رفاعة وفى عمه.
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.