الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > الحجر على الزوجة فيما زاد على ثلث مالها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءة٣ - الحَجْرُ على الزَّوجةِ فيما زادَ على ثُلُثِ مالِها:
اختَلَفَ الفُقهاءُ في الزَّوجةِ، هل لِلزَّوجِ أنْ يَحجُرَ عليها فيما زادَ على ثُلُثِ مالِها؟ أم لا يَجوزُ الحَجْرُ عليها؟
فذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ لِلزَّوجِ أنْ يَحجُرَ على زَوجَتِه الحُرَّةِ الرَّشيدةِ في تَبرُّعٍ زائِدٍ على ثُلُثِها ولو بعِتقٍ حَلَفتْ به وحنَثَتْ، فله رَدُّه ولا يُعتِقُ منه شَيئًا، ولو كان تَبرُّعُها الزائِدُ حاصِلًا بكَفالةٍ لِغَيرِ زَوجِها فله رَدُّه، لا إنْ ضَمِنتْه فليس له رَدُّه، وتَبرُّعُها بالزائِدِ على الثُّلُثِ ماضٍ حتى يَرُدَّ الزَّوجُ جَميعَه أو ما شاءَ منه.
ولِلزَّوجِ رَدُّ جَميعِ ما تَبرَّعتْ به إنْ تَبرَّعتْ بزائِدٍ على الثُّلُثِ، لا إنْ تَبرَّعتْ بالثُّلُثِ فدونَ.
وإذا تَبرَّعتْ بالثُّلُثِ ولَزِمَ فليس لها تَبرُّعٌ بعدَ ذلك الثُّلُثِ إلا أنْ يَبعُدَ الزَّمَنُ بعدَ التَّبرُّعِ به، كنِصفِ سَنةٍ فأكثَرَ، فلَها التَّبرُّعُ مِنَ الثُّلُثَيْنِ الباقيَيْنِ، وإذا لم يَبعُدْ فليس لها، وحينَئذٍ له الرَّدُّ إنْ تَبرَّعتْ.
وإذا لَم يَعلَمْ زَوجُها بالتَّبرُّعِ حتى طَلَّقَها أو ماتَ أحَدُهما فإنَّه يَمضي فِعلُها ولَم يَكُنْ لِلزَّوجِ ولا لِوَرَثتِه مَقالٌ.
والدَّليلُ على أنَّ المَرأةَ مَحجورةٌ لِزَوجِها في تَبرُّعها بما زادَ على الثُّلُثِ
قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَجوزُ لامرأةٍ أَمْرٌ في مالِها إذا مَلَكَ زَوجُها عِصمَتُها».
وفي رِوايةٍ: «لا يَجوزُ لِامرأةٍ عَطيَّةٌ إلا بإذْنِ زَوجِها» (١)، أي: فيما زاد على الثُّلُثِ؛ لأنَّ الثُّلُثَ يَجوزُ التَّصرُّفُ فيه بإجماعِ العُلماءِ، فثَبَتَ أنَّ الثُّلُثَ فما دونَه خارِجٌ عن عُمومِ الخَبَرِ.
ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا … » (٢).
وذلك يُفيدُ أنَّ لِلزَّوجِ حَقًّا في تَبْقيةِ مالِها بيَدِها.
ولأنَّ العادةَ جاريةٌ بأنَّ الزَّوجَ يَتجمَّلُ بمالِ زَوجَتِه، وله فيه مَعونةٌ وتَبْقيةٌ، ويُبيِّنُ ذلك أنَّ مَهرَ المِثلِ يَقِلُّ ويَكثُرُ بحَسَبِ مالِها وكَثرَتِه، كما يَقِلُّ ويَكثُرُ بحَسَبِ بُروزِها في الجَمالِ، وإذا ثَبَتَ ذلك فليس لها إبطالُ غَرَضِ الزَّوجِ ممَّا لِأجْلِه رَغِبَ في نِكاحِها وكَمُلَ لِأجْلِه صَداقُها.
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلزَّوجِ أنْ يَحجُرَ على زَوجَتِه إذا كانتْ رَشيدةً ولها حَقُّ التَّصرُّفِ في مالِها كلِّه؛ لقَولِ اللهِ ﷾: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الإمام (٢/ ١٧٩، ١٨٤، ٢٠٧)، وأبو داود (٣٥٤٦، ٣٥٤٧)، والنسائي (٢٥٤٠، ٣٧٥٦، ٣٧٥٧)، وابن ماجه (٢٣٨٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٥٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ٦٠، ٦١)، وفي «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٤٦٣).
(٢) رواه البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦).
إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وهو ظاهِرٌ في فَكِّ الحَجْرِ عنهنَّ وإطلاقِهنَّ في التَّصرُّفِ.
وقد وَرَدتْ أدِلَّةٌ تَدُلُّ على جَوازِ اصطِناعِ المَرأةِ المَعروفَ وتَصدُّقِها مِنْ مالِها، وإنْ لَم يأذَنْ لها الزَّوجُ، سَواءٌ كانَتْ بِكرًا أو ذاتَ زَوجٍ أو أيِّمًا.
ومِن هذه الأدِلَّةِ ما أخرَجَه البُخاريُّ (١) ومُسلِمٌ (٢) مِنْ حَديثِ جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رضي الله عنهما قال: قامَ النَّبيُّ ﷺ يَومَ الفِطرِ فصَلَّى، فبَدَأ بالصَّلاةِ ثم خَطَبَ، فلَمَّا فَرَغَ نَزَل فأتى النِّساءَ فذَكَّرَهنَّ وهو يَتوكَّأُ على يَدِ بِلالٍ، وبِلالٌ باسِطٌ ثَوبَه، ثم قال: «هَلُمَّ لَكُنَّ فِداءُ أبي وأُمِّي»، فيُلقينَ الفَتَخَ والخَواتيمَ في ثَوبِ بِلالٍ».
قال الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: وفي هذا الحَديثِ جَوازُ صَدَقةِ المَرأةِ مِنْ مالِها بغَيرِ إذْنِ زَوجِها، ولا يَتوقَّفُ ذلك على ثُلُثِ مالِها، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ.
وقال مالِكٌ: لا يَجوزُ الزِّيادةُ على ثُلُثِ مالِها إلا برِضا زَوجِها، ودَليلُنا مِنَ الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «لَم يَسألهُنَّ أَسْتَأْذَنَّ أزواجَهُنَّ في ذلك أم لا، وهل هو خارِجٌ مِنَ الثُلُثِ أو لا، ولو اختَلَف الحُكمُ بذلك لسألَ» (٣).
وقد أعتَقَتْ مَيمونةُ قبلَ أنْ تُعْلِمَ النَّبيَّ ﷺ فلَم يَعِبْ ذلك
(١) برقم (١/ ٣٢٧، ٣٣٢) حديث رقم (٩٧٨، ٩٧٩) باب: موعظة الإمام النساء يوم العيد.
(٢) برقم (٢/ ٦٠٢) حديث رقم (٨٨٤، ٨٨٥) كتاب صلاة العيدين.
(٣) «شرح مسلم» (٣/ ٤٤٣)، ويُنظر: «فتح الباري» (٢/ ٥٦٨).
عليها، فقد رَوَى الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه وعَنوَنَ عليه ولِغَيرِه ب: بابُ هِبةِ المَرأةِ لِغَيرِ زَوجِها وعِتقِها إذا كان لَها زَوجٌ، فهو جائِزٌ إذا لَم تَكُنْ سَفيهةً، فإذا كانتْ سَفيهةً لَم يَجُزْ، قال اللهُ ﷾: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
ثم ساق حَديثَ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ مَيمونةَ بِنتَ الحارِثِ رضي الله عنهما أخبَرَتْه أنَّها أعتَقَتْ وَليدةً ولَم تَستأذِنِ النَّبيَّ ﷺ، فلَمَّا كان يَومُها الذي يَدورُ عليها فيه قالَتْ: أشَعَرتَ يا رَسولَ اللهِ أنِّي أعتَقتُ وَليدَتي؟ (١) قال: «أوَفَعَلْتِ؟»، قالتْ: نَعَمْ، قال: «أمَا إنَّكِ لو أعطَيتِها أخوالَكِ كان أعظَمَ لِأجْرِكِ» (٢).
ووَجْهُ الاستِدلالِ: أنَّ مَيمونةَ كانت رَشيدةً، وأنَّها أعتَقَتْ قبلَ أنْ تَستأمِرَ النَّبيَّ ﷺ فلَم يَستدرِكْ ذلك عليها، بل أرشَدَها إلى ما هو الأَوْلى، فلو كان لا يَنفُذُ لها تَصرُّفٌ في مالِها لَأبطَلَه.
عن زَيْنَبَ امْرأَةِ عَبدِ اللَّهِ قالتْ: كُنْتُ في الْمَسْجدِ فرَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ قال: «تَصَدَّقْنَ ولَوْ مِنْ حُليِّكُنَّ»، وكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ على عَبدِ اللَّهِ وأَيْتَامٍ في حِجْرِهَا، قال: فقالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيَجْزي عَنِّي أنْ أُنْفِقَ علَيْكَ وعَلَى أيتامي في حِجْري مِنَ
(١) الوليدة: يعني الجارية.
(٢) «صحيح البخاري» (٢/ ٥١٩) حديث (٢٤٥٢) بابُ هِبةِ المَرأةِ لِغيرِ زَوجِها وعِتقِها إذا كان لَها زَوجٌ فهُو جائزٌ إذا لَم تكنْ سَفيهةً، فإذا كانَت سفيهةً لَم يجُزْ؛ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
المجموع شرح المهذب · النووي · تابع كتاب البيوع
باب التفليس
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب التفليس
إذا كان على رجل دين، فان كان مؤجلا لم يجز مطالبته، لانا لو جوزنا مطالبته سقطت فائدة التأجيل، فان أراد سفرا قبل محل الدين، لم يكن للغريم منعه، ومن أصحابنا من قال ان كان السفر مخوفا كان له منعه، لانه لا يأمن أن يموت فيضيع دينه، والصحيح هو الاول، لانه لا حق له عليه قبل محل الدين، وجواز أن يموت لا يمنع من التصرف في نفسه قبل المحل، كما يجوز في الحضر أن يهرب ثم لا يملك حبسه لجواز الهرب، وان قال أقم لى كفيلا بالمال، لم يلزمه، لانه لم يحل عليه الدين فلم يملك المطالبة بالكفيل، كما لو لم يرد السفر، وان كان الدين حالا نظرت، فان كان معسرا لم يجز مطالبته لقوله تعالى " وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " ولا يملك ملازمته لان كل دين لا يملك المطالبة به لم يملك الملازمة عليه كالدين المؤجل، فان كان يحسن صنعة فطلب الغريم أن يؤجر نفسه ليكسب ما يعطيه لم يجبر على ذلك لانه اجبار على التكسب فلم يجز كالاجبار على التجارة، وان كان موسرا جازت مطالبته.
لقوله تعالى " وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " .
فدل على أنه إذا لم يكن ذا عسرة لم يجب انظاره، فان لم يقضه ألزمه الحاكم، فان امتنع، فان كان له مال ظاهر باعه عليه لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " ألا ان الاسيفع أسيفع جهينه رضى من دينه أن يقال سبق الحاج فادان معرضا فأصبح وقد رين به، فمن له دين فليحضر، فانا بايعو ماله وقاسموه بين غرمائه " وان كان له مال كتمه حبسه وعزره حتى يظهره، فان ادعى الاعسار نظرت، فان لم يعرف له قبل ذلك مال فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدم المال، فان عرف له المال لم يقبل قوله، لانه معسر الا ببينة، لان الاصل بقاء
المال، فان قال غريمي يعلم أنى معسر، أو أن مالى هلك فحلفوه حلف، لان ما يدعيه محتمل، فان أراد أن يقيم البينة على هلاك المال قبل فيه شهادة عدلين.
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.