الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > الحجر على السفيه البالغ العاقل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 18 دقيقة قراءةوقال القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا العَبد فلا خِلافَ فيه (١)، أي: في الحَجْرِ عليه.
وقال ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ الأسبابَ المُوجِبةَ لِلحَجرِ الصِّغَرُ والرِّقُّ والجُنونُ (٢).
٤ - الحَجْرُ على السَّفيهِ البالِغِ العاقِلِ:
اختَلَف الفُقهاءُ فيما إذا بَلَغ الإنسانُ رَشيدًا ثم دُفِعَ إليه مالُه ثم حَدَث له تَبذيرٌ وسَفَهٌ مُفسِدٌ لِمالِه مُتلِفٌ له فيما لا يَعودُ عليه بمَحمدةٍ في الدُّنيا ولا بأجرٍ في الآخِرةِ، هل يُحجَرُ عليه أم لا؟
فذهَب جَماهيرُ أهلِ العِلمِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصاحبانِ مِنَ الحَنفيَّةِ أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ إلى أنَّه يُحجَرُ عليه إنْ عاد إلى السَّفَهِ؛ لقَولِ اللهِ ﷾: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهو تَنصيصٌ على إثباتِ الوِلايةِ على السَّفيهِ وأنَّه مَولًى عليه، ولا يَكونُ ذلك إلا بعدَ الحَجْرِ عليه.
ولقَولِه ﷾: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥]، الآيةَ، والمُرادُ بالسُّفهاءِ البالِغونَ العُقلاءُ؛ لأنَّ السَّفَهَ صِفةُ قيامٍ لا تَتوَجَّهُ إلا على مُكلَّفٍ، فدَلَّتْ هذه الآيةُ على استِحقاقِ الحَجْرِ بالسَّفَهِ مِنْ وَجهَيْنِ:
(١) «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٩).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٤٢٦)، ويُنظر: «أحكام القرآن» لِلجصاص (٢/ ٢٢٣)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٣٦)، و «حاشية العدوي على شرح الخرشي» (٥/ ٣٠١)، و «المغني» (٤/ ١٢٦).
أحَدُهما: قَولُه ﷾: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، أي: جعَل اللهُ ﷾ لكم القيامَ عليها.
والآخَرُ: قَولُه ﷾: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، ولا يَجوزُ أنْ يَتولَّى ذلك غيرُ الوَليِّ.
وقَولُه ﷾: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ يَعني أموالَهم، وإنَّما أضافَ ذلك إلى الأولياءِ لِتَصرُّفِهم فيه، ألَا تَرى أنَّه أمَرَ بالإنفاقِ عليهم منها؟ ولا يَجبُ الإنفاقُ مِنْ غيرِ أموالِهم، وقد قال ﷾: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأثبَتَ الوِلايةَ على السَّفيهِ وفَرَّقَ بَينَه وبَينَ المَجنونِ والصَّغيرِ.
ورُويَ عن أنَسٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ في عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، كَانَ يُبَايِعُ، وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ احْجُرْ عَلَيْهِ، فَدَعَاهُ نَبِيُّ اللهِ ﷺ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي لا أَصْبِرُ عَنِ الْبَيْعِ، قَالَ: «إِذَا بِعْتَ فَقُلْ: لا خِلَابَةَ» (١).
فدَلَّ هذا الحَديثُ على استِحقاقِ الحَجْرِ على البالِغِ مِنْ وَجهَيْنِ:
أحَدُهما: أنَّه حَجَرَ عليه حَجْرَ مِثلِه، بأنْ أثبَتَ له الخيارَ في عُقودِه، ولَم يَجعَلْها مُنبَرِمةً.
والآخَرُ: سُؤالُهم الحَجْرَ عليه وإمساكُ النَّبيِّ ﷺ عن الإنكارِ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٥٠)، والنسائي (٤٤٨٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٠٤٧).
ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «خُذوا على أيدي سُفَهائِكم» (١)، ولا يُمكِنُ الأخْذُ على أيديهم إلا بالحَجرِ عليهم.
ورُويَ أنَّه حَجَرَ على مُعاذٍ لِأجْلِ غُرَمائِه، فكانَ الحَجْرُ على السَّفيهِ لِحَقِّ نَفْسِه أوْلى، ولأنَّه إجماعُ الصَّحابةِ.
فعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ أَتَى الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَقَالَ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ عَلِيًّا يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينِ عُثْمَانَ، يَعْنِى فَيَسْأَلَهُ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيَّ فِيهِ، فقَالَ الزُّبَيْرُ رضي الله عنه: أَنَا شَرِيكُكَ في الْبَيْعِ، وَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَه، فقَالَ عُثْمَانُ رضي الله عنه: «كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ في بَيعٍ شَرِيكٍ فِيهِ الزُّبَيْرُ؟» (٢).
وكان مَعروفًا بالإمساكِ والاستِصلاحِ، فصارَتْ شَرِكَتُه شُبهةً تَنفي استِحقاقَ الحَجْرِ، فكان ذلك منهم ومِن بَقيَّةِ الصَّحابةِ في إمساكِهم إجماعًا مُنعَقِدًا على استِحقاقِ الحَجْرِ على البالِغِ؛ لأنَّ عليًّا رضي الله عنه لا يَطلُبُ الحَجْرَ إلا وهو يَراه، ولو كان الحَجْرُ باطِلًا لَقال الزُّبَيرُ رضي الله عنه: لا يُحجَرُ على بالِغٍ حُرٍّ، وكذلك عُثمانُ، بل كُلُّهم يَعرِفونَ الحَجرَ.
وعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ -هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّهَا- أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها حُدِّثَتْ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ:
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧٥٧٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه البيهقي في «الكبرى» (١١٦٠٧)، والدارقطني (٤٦٠٦).
وَاللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَهُوَ قَالَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَتْ: هُوَ للَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَلَّا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا، فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِينَ طَالَتِ الْهِجْرَةُ، فَقَالَتْ: لا وَاللَّهِ لا أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا، وَلَا أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ -وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ- وَقَالَ لَهُمَا: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ لَمَا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ، فَإِنَّهَا لا يَحِلُّ لهَا أَنْ تَنْذِرَ قَطِيعَتِي، فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَا: السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: ادْخُلُوا. قَالُوا: كُلُّنَا؟ قَالَتْ: نَعَمُ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلَّا مَا كَلَّمَتْهُ، وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولَانِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنْ الْهِجْرَةِ؛ فَإنَّه لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ ليَالٍ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا نَذْرَهَا وَتَبْكِي وَتَقُولُ: إِنِّي نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بعدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا» (١).
فدَلَّ على أنَّ الحَجْرَ على البالِغِ مَشهورٌ فيهم، وإنْ كان ابنُ الزبَيرِ وُهِمَ في مُوجِبِه؛ لأنَّ مَنْ صَرَفَ مالَه في القُرَبِ لَم يَستحِقَّ به الحَجْرَ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه البخاري (٦٠٧٣).
ولأنَّ عَدَمَ التَّدبيرِ ووُجودَ التَّبذيرِ يُوجِبُ ثُبوتَ الحَجْرِ، كالصَّغيرِ، ولأنَّ ما يُستَدامُ به الحَجْرُ لاستِدامَتِه وَجَب إذا طَرَأ أنْ يَبتَدئَ الحَجْرُ به، كالجُنونِ.
ولأنَّ هذا سَفيهٌ فيُحجَرُ عليه، كما لو بَلَغَ سَفيهًا؛ فإنَّ العِلةَ التي اقتَضَتِ الحَجْرَ عليه إذا بَلَغ سَفيها سَفَهُه، وهو مَوجودٌ، ولأنَّ السَّفَهَ لو قارَنَ البُلوغَ منَع دَفْعَ ماله إليه، فإذا حَدَث أوجَبَ انتِزاعَ المالِ كالمَجنونِ، وفارَقَ الرَّشيدَ؛ فإنَّ رُشدَه لو قارَنَ البُلوغَ لَم يَمنَعْ دَفْعَ مالِه إليه.
وذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه إذا بَلَغَ رَشيدًا ثم صارَ سَفيهًا لَم يُمنَعْ منه المالُ، فلا يُحجَرُ على الحُرِّ البالِغِ العاقِلِ السَّفيهِ عندَه، وتَصرُّفُه في مالِه جائِزٌ، وإنْ كان مُبذِّرًا مُفسِدًا يُتلِفُ مالَه فيما لا غَرَضَ له فيه ولا مَصلَحةَ، سَواءٌ كان يُبذِّرُ مالَه في الخَيرِ أو في الشَّرِّ.
وإنَّما لَم يُحجَرْ عليه عندَ أبي حَنيفةَ لأنَّه مُخاطَبٌ عاقِلٌ، ولأنَّ في سَلبِ ولايَتِه إهدارًا لِآدَميَّتِه، وإلحاقًا له بالبَهائِمِ، وذلك أشَدُّ عليه مِنَ التَّبذيرِ وإضاعةِ المالِ، وهذا مما يَعرِفُه ذَوو العُقولِ والنُّفوسِ الأبيَّةِ، ولا يَجوزُ تَحمُّلُ الضَّرَرِ الأعلى لِدَفعِ الضَّرَرِ الأدنى، حتى لو كان في الحَجْرِ عليه دَفعَ الضَّرَرِ العامِّ جازَ كالحَجرِ على الطَّبيبِ الجاهِلِ والمُفتي الماجِنِ والمُكاري المُفلِسِ؛ لِعُمومِ الضَّرَرِ مِنَ الأوَّلِ في الأبدانِ، ومِنَ الثاني في الأديانِ، ومِنَ الثالِثِ في الأموالِ؛ فإنَّ هؤلاء يُحجَرُ عليهم فيما يُروَى عن أبي حَنيفةَ؛ إذ هو دَفعُ الأعلى بالأدْنى.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب تصرف الرقيق
باب تصرف الرقيق
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا ادَّانَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا كَانَ عَبْدًا وَمَتَى عُتِقَ اتَّبَعَ بِهِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ حَجْرُ الرِّقِّ يَمْنَعُ مِنْ عُقُودِ الْبَيْعِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ وَإِنْ صَحَّ تَأَدِّيهِ.
وَجُمْلَةُ أَحْوَالِ الْمَحْجُورِ عليهم في أشربتهم أَنَّهَا تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ يَصِحُّ مِنْهُمُ الشِّرَاءُ مَعَ الْحَجْرِ بِإِذْنٍ وَبِغَيْرِ إِذْنٍ، وَقِسْمٌ لَا يَصِحُّ مِنْهُمُ الشِّرَاءُ مَعَ الْحَجْرِ لَا بِإِذْنٍ وَلَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَقِسْمٌ لَا يَصِحُّ مِنْهُمُ الشِّرَاءُ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ بِإِذْنٍ، وَقِسْمٌ يَصِحُّ مِنْهُمُ الشِّرَاءُ بِإِذْنٍ وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.