الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > الحجر على الفاسق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةلكنْ لو قال الوَصيُّ: أنفَقتُ عليكَ ثَلاثَ سِنينَ، وقال اليَتيمُ: بل ماتَ أبي مُنذُ سَنتَيْنِ وأنفَقتَ علَيَّ مِنْ أوانِ مَوتِه، فقَولُ اليَتيمِ بيَمينِه؛ لأنَّ الأصَلَ مُوافَقَتُه.
ويُقبَلُ قَولُ وَليٍّ أيضًا في وُجودِ ضَرورةٍ وغِبطةٍ ومَصلَحةٍ اقتَضَتْ بَيعَ عَقارِ المَحجورِ.
ويُقبَلُ قَولُ وَليٍّ أيضًا في تَلَفِ مالِ المَحجورِ أو بَعضِه؛ لأنَّه أمينٌ.
وحيث قُلنا: القَولُ قَولُ وَليٍّ، فإنَّه يَحِلُف؛ لِاحتِمالِ قَولِ اليَتيمِ، غيرَ حاكِمٍ فلا يَحلِفُ مُطلَقًا؛ لِعَدَمِ التُّهمةِ.
ويُقبَلُ قَولُ الوَليِّ في دَفْعِ المالِ إليه بعدَ بُلوغِه ورُشدِه وعَقلِه، إنْ كان الوَليُّ مُتبرِّعًا؛ لأنَّه أمينٌ، أشبَهَ المُودَعَ، وإلا يَكُنِ الوَليُّ مُتبرِّعًا، بل بأُجرةٍ، فلا يُقبَلُ قَولُه في دَفْعِه المالَ إليه، بل قَولُ اليَتيمِ؛ لأنَّ الوَليَّ قبَض المالَ لِحَظِّه، فلَم تُقبَلْ دَعواه الرَّدَّ كالمُرتَهَنِ والمُستَعيرِ (١).
٥ - الحَجْرُ على الفاسِقِ:
اختَلَف الفُقهاءُ في الفاسِقِ غيرِ المُبذِّرِ لِمالِه الحافِظِ له غيرِ المُضيِّعِ له، هل يُحجَرُ عليه أم لا؟
(١) «المغني» (٤/ ٣٠٤)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٥١٨، ٥٢٠)، و «المبدع» (٤/ ٣٣٦، ٣٣٨)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٢٣، ٣٢٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٢٠، ٥٣٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٨٠، ٤٩١)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٠٦).
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الفاسِقَ الذي يَكذِبُ ويَمنَعُ الزَّكاةَ ويُضيِّعُ الصَّلاةَ مع حِفظِه لِمالِه لا يُحجَرُ عليه، ويُدفَعُ إليه مالُه؛ لأنَّ المَقصودَ بالحَجرِ حِفظُ المالِ، ومالُه مَحفوظٌ بدونِ الحَجْرِ، فلا حاجةَ إليه، ولذلك لو طَرَأ الفِسقُ بعدَ دَفْعِ مالِه إليه لَم يُنزَعْ منه، ولقَولِ الله ﷾: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] وقد أُونِسَ منه نَوعُ رُشدٍ، وهو إصلاحُ المالِ، فيَتناوَلُه النَّصُّ؛ ولأنَّ الحَجْرَ لِلفَسادِ في المالِ، لا في الدِّينِ؛ ألَا تَرى أنَّه لا يُحجَرُ على الذِّمِّيِّ، والكُفرُ أعظَمُ مِنَ الفِسقِ؟ ولأنَّ الأوَّلِينَ لَم يَحجُروا على الفَسَقةِ، ولأنَّ الفِسقَ لا يَتحقَّقُ به إتلافُ المالِ، ولا عَدَمُ إتلافِه، أي: لا تَلازُمَ بينَ الفِسقِ وإتلافِ المالِ.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقامَ الحُدودَ ثم لَم يَحجُرْ على مَنْ أقامَها عليه في مالِه، وكذا أقامَها أبو بَكرٍ وعُمَرُ وعُثمانُ رضي الله عنهم ولَم يُنقَلْ أنَّهم حَجَروا على مَنْ أقاموا ذلك عليه، ولأنَّ وازِعَ المالِ طَبيعيٌّ، ووازِعَ الدِّينِ شَرعيٌّ، والطَّبيعيُّ أقوى، بدَليلِ قَبولِ إقرارِ الفاسِقِ الفاجِرِ -لأنَّ وازِعَه طَبيعيٌّ-، ورَدِّ شَهادَتِه -لأنَّ الوازِعَ فيها شَرعيٌّ-، فاشتُرِطتِ العَدالةُ فيها دونَ الإقرارِ.
فعلى هذا يُدفَعُ إليه مالُه، وإنْ كان مُفسِدًا لدِينِه، كمَن يَترُكُ الصَّلاةَ ويَمنَعُ الزَّكاةَ، وكنَحوِ ذلك.
وذهَب الشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ -وهو قَولُ ابنِ سُرَيجٍ- والحَنابِلةُ في قَولٍ -وهو قَولُ ابنِ عَقيلٍ- إلى أنَّ الفاسِقَ يُحجَرُ عليه، وإنْ كان مُصلِحًا لِمالِه؛ لقَولِ اللهِ ﷾: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأثبَتَ الوِلايةَ على السَّفيهِ، وهذا سَفيهٌ، ولأنَّه مَعنًى لو قارَنَ البُلوغَ لَمَنَع مِنْ فَكِّ الحَجْرِ عنه، فإذا طَرَأ بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه اقتَضى إعادةَ الحَجْرِ عليه، كالتَّبذيرِ.
والفاسِقُ هو: مَنْ يَفعَلُ مُحرَّمًا يُبطِلُ العَدالةَ، مِنْ كَبيرةٍ أو إصرارٍ على صَغيرةٍ، لأنَّ الفاسِقَ غيرُ رَشيدٍ، ولأنَّ إفسادَه لِدِينِه يَمنَعُ الثِّقةَ به في حِفظِ مالِه، كما يُمنَعُ قَبولُ قَولِه وثُبوتُ الوِلايةِ على غَيرِه، وإنْ لَم يُعرَفْ منه كَذِبٌ ولا تَبذيرٌ.
أمَّا الفاسِقُ الذي يُنْفِقُ أموالَه في المَعاصي -كشِراءِ الخَمرِ وآلاتِ اللَّهوِ- أو يَتوصَّلُ به إلى الفَسادِ فهو غيرُ رَشيدٍ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ ويُحجَرُ عليه لِتَبذيرِه لِمالِه وتَضييعِه إيَّاه في غيرِ فائِدةٍ (١).
(١) يُنظر: «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٧٠)، و «الاختيار» (٢/ ١١٨)، و «الهداية» (٣/ ٢٨٤)، و «العناية» (١٣/ ٢٣٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤١٠)، و «الإشراف» (٣/ ٣٧، ٣٨)، و «القوانين الفقهية» ص (١١١)، و «البيان والتحصيل» (١٤/ ٢٢)، و «الذخيرة» (٨/ ٢٣١)، «مختصر المزني» (١/ ١١٠)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٣٥٧)، و «البيان» (٦/ ٢٢٨، ٢٢٩)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٣٨٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١١٦، ١١٧)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤١٩)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤١٢)، و «الديباج» (٢/ ٢٤٠)، و «المغني» (٤/ ٣٠١، ٣٠٢)، و «المبدع» (٤/ ٣٣٤)، و «مطالب أولى النهى» (٣/ ٤٠٤).
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.