الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > الحجر على المجنون
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 5 دقيقة قراءة٢ - الحَجْرُ على المَجنونِ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ الجُنونَ سَبَبٌ مِنْ أسبابِ الحَجْرِ، فالمَجنونُ مَحجورٌ عليه إذا كان مُطْبِقًا، وسَواءٌ كان الجُنونُ أصلِيًّا أو طارِئًا.
والمَجنونُ في أحكامِ الحَجْرِ كالصَّبيِّ، سَواءٌ كان مَسلوبَ العَقلِ أصلًا، بحيث لا يُفيقُ في الأغلَبِ، أو كان مَجنونًا بالصَّرَعِ، أو كان مَجنونًا بالوَسواسِ، وهو الذي يُخيَّلُ إليه أنَّه فَعَلَ وهو لَم يَفعَلْ، ولا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ الجُنونُ في الأحوالِ الثَّلاثةِ مُطْبِقًا أو مُتقطِّعًا، فلا يَصحُّ تَصرُّفُه بحالٍ عندَ الجُمهورِ -كما سيأتي- خِلافًا لِلحَنفيَّةِ فيما إذا كان جُنونُه مُتقطِّعًا.
والدَّليلُ على الحَجْرِ على المَجنونِ: قَولُ اللهِ ﷾: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ووَجْهُ الدِّلالةِ مِنَ الآيةِ أنَّ العَرَبَ تُطلِقُ السَّفيهَ على ضَعيفِ العَقلِ تارةً وعلى ضَعيفِ البَدَنِ تارةً أُخرى، وكذلك يُطلَقُ الضَّعيفُ على ضَعيفِ العَقلِ وعلى ضَعيفِ البَدَنِ، والمَجنونُ ضَعيفٌ، فيَكونُ مَسلوبَ العِبارةِ يُحجَرُ عليه.
قال المازوريُّ رحمة الله عليه: لا خِلافَ بَينَهم في كَونِه إذا بَلَغَ مَجنونًا لا يُدفَعُ إليه مالُه؛ لِمُشارَكتِه الصَّغيرَ في عِلَّةِ المَنعِ مِنَ الدَّفعِ، بلِ المَجنونُ أوْلى بالمَنعِ مِنَ المُراهِقِ؛ لِكَونِه عُدِمَ العَقلَ بالكُلِّيَّةِ، ولَحِقَ بالبَهائِمِ (١).
(١) «شرح التلقين» (٣/ ١٩٨).
وقال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا اشتِراطُ البُلوغِ وكَمالِ العَقلِ في ذلك فلأنَّهما جَميعًا مُشتَرَطانِ في صِحَّةِ الرُّشدِ وكَمالِه؛ إذْ لا يَصحُّ رُشدٌ مِنْ صَبيٍّ لِضَعفِ تَمْيِيزِه بوُجوهِ مَنافِعِه، ولا مِنْ مَجنونٍ لِسُقوط تَمْيِيزِه وذَهابِ رَأْيِه، فوَجَب الاحتياطُ لِلأموالِ وقَطعُ مادةِ الضَّرَرِ عنها بأنْ يُمنَعَ مِنَ التَّصرُّفِ فيها مَنْ ليس بأهلِ التَّصرُّفِ فيها، ويُحجَرَ عليه فيها ويُحالَ بَينَه وبَينَها؛ خَشيةَ الإضاعةِ لها؛ امتِثالًا لِأمْرِ اللهِ ﷾ فيها (١).
وقال ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على وُجوبَ الحَجْرِ على مَنْ لَم يَبلُغْ، وعلى مَنْ هو مَجنونٌ مَعتوهٌ أو مُطبِقٌ لا عَقلَ له، وأنَّ كلَّ ما أنفَذَ مَنْ ذَكَرْنا في حالِ فَقْدِ عَقلِه أو قبلَ بُلوغِه مِنْ هِبةٍ أو عِتقٍ أو بَيعٍ أو صَدَقةٍ باطِلٌ (٢).
وقال القُرطبيُّ رحمة الله عليه: فأمَّا الصَّغيرُ والمَجنونُ فلا خِلافَ في الحَجْرِ عليهما (٣).
إلا أنَّ الحَنفيَّةَ قالوا: المَجنونُ إذا كان يُفيقُ ويَعقِلُ في حالِ إفاقَتِه فتَصرُّفُه في حالِ إفاقَتِه جائِزٌ.
وقيلَ: إنْ كان لِإفاقَتِه وَقتٌ مَعلومٌ فعَقَد في ذلك الوَقتِ فالحُكمُ فيه النَّفاذُ كالعاقِلِ، وإنْ لَم يَكُنْ لإفاقَتِه وَقتٌ مَعلومٌ فعَقَد في حالِ الإفاقةِ فالحُكمُ فيه أنَّه مَوقوفٌ على إجازةِ الوَليِّ كالصَّبيِّ.
(١) «المقدمات الممهدات» (٢/ ٣٤٥).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (٥٨).
(٣) «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٩).
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.