الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > تزويج غير العصبات
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةوالأوَّلونَ يَملِكونَ التَّصرُّفَ في مالِه، فكذا يَملِكونَ الإذْنَ له في التِّجارةِ.
أمَّا الوِلايةُ في النِّكاحِ فإنَّها تَثبُتُ بأربَعةِ أُمورٍ، هي: القَرابةُ والوَلاءُ والإمامةُ والمِلكُ، وتَرتيبُ الأولياءِ هكذا:
الابنُ، ثم ابنُ الابنِ وإنْ سَفَلَ، ثم الأبُ، ثم الجَدُّ أبو الأبِ وإنْ عَلا، ثم الأخُ الشَّقيقُ، ثم الأخُ لِأبٍ، ثم ابنُ الأخِ الشَّقيقِ، ثم ابنُ الأخِ لِأبٍ، وإنْ سَفَلوا، ثم العَمُّ الشَّقيقُ، ثم العَمُّ لِأبٍ، ثم ابنُ العَمِّ الشَّقيقِ، ثم ابنُ العَمِّ لِأبٍ وإنْ سَفَلوا، ثم عَمُّ الأبِ الشَّقيقُ، ثم عَمُّ الأبِ لِأبٍ، ثم بَنوهما، على هذا التَّرتيبِ.
ثم عَمُّ الجَدِّ لِأبٍ وأُمٍّ، ثم عَمُّ الجَدِّ لِأبٍ، ثم بَنوهُما على هذا التَّرتيبِ، ثم مَنْ يَكونُ أبعَدَ العَصَباتِ إلى المَرأةِ، وهو ابنُ عَمٍّ بَعيدٍ، فكلُّ هؤلاء لَهم وِلايةُ النِّكاحِ على التَّرتيبِ المَذكورِ، ولَهم إجبارُ البِنتِ والذَّكرِ على الزَّواجِ في حالِ صِغَرِهما، لا في حالِ كِبَرِهما.
وعندَ فَقْدِ العَصَباتِ تَكونُ الوِلايةُ لِمَنْ يَرِثُ مِنْ ذَوي الأرحامِ.
تَزويجُ غيرِ العَصَباتِ:
يَجوزُ لِغَيرِ العَصَباتِ مِنَ الأقاربِ التَّزويجُ عندَ عَدَمِ العَصَباتِ، وسَواءٌ في ذلك الذَّكَرُ والأُنثى، كالأُمِّ والخالِ والخالةِ والأُختِ وكلِّ ذي رَحِمٍ، لَهم كلِّهم تَزويجُ مَنْ لَم يَحتلِمْ، وأوْلَاهم الأُمُّ ثم الجَدَّةُ ثم الأُختُ لِأبَوَيْنِ ثم الأُختُ لِأبٍ ثم الأُختُ لِأُمٍّ ثم أولادُهم.
ثم إذا لَم يُوجَدِ العَصَباتُ وذَوو الأرحامِ زَوَّجَها القاضي.
ووِلايةُ الأبِ والجَدِّ على الصَّغيرِ في نَفْسَيْهما ومالَيْهما ثابِتةٌ لا تَزولُ إلا بثُبوتِ رُشدِ الصَّبيِّ بعدَ بُلوغِه، فإذا بَلَغَ الصَّبيُّ ثم تَبيَّنَ أنَّه مَجنونٌ أو مَعتوهٌ استَمَرَّتْ وِلايةُ الأبِ والجَدِّ بدُونِ انقِطاعٍ (١).
وقال المالِكيَّةُ: الوَليُّ الذي يَنْظُرُ في أمرِ المَحجورِ عليه -صَبيًّا أو سَفيهًا لَم يَطرَأْ عليه السَّفَهُ بعدَ رُشدِه، أو مَجنونًا- هو الأبُ الرَّشيدُ، لا الجَدُّ ولا الأخُ والعَمُّ، إلا بإيصاءٍ مِنَ الأبِ، فغَيرُ الأبِ مِنَ الأقارِبِ لا نَظَرَ له على المَحجورِ عليه إلا بإيصاءٍ مِنَ الأبِ أو الحاكِمِ.
وأمَّا مَنْ طَرَأ عليه السَّفَهُ بعدَ رُشدِه فوَليُّه الحاكِمُ وكذلك المَجنونُ، أي حُكمُه حُكمُ السَّفيهِ إنْ طَرَأ عليه الجُنونُ بعدَ الرُّشدِ فوَليُّه الحاكِمُ وإلا فالأبُ أو وَصيُّه.
ولِلأبِ البَيعُ لِمالِ وَلَدِه المَحجورِ عليه مُطلَقًا، رِيعًا أو غَيرَه، وتَصرُّفُه مَحمولٌ على المَصلَحةِ، فلا يُتعَقَّبُ بحالٍ؛ لأنَّه ممَّن لا تُدرِكُه ظِنَّةٌ في خاصةِ وِلايَتِه عليه، وإنْ لَم يُبيِّنِ السَّبَبَ؛ لأنَّه إذا كان مَحمولًا على وَجْهِ النَّظَرِ لا يَحتاجُ إلى ذِكرِ السَّبَبِ الذي يَقَعُ ذلك لِأجْلِه، وهذا لا يُنافي أنَّه لا بُدَّ مِنْ وُجودِ سَبَبٍ حامِلٍ له على البَيعِ؛ إذْ لا يَحِلُّ لِلأبِ أنْ يَبيعَ بدُونِ سَبَبٍ أصلًا.
ثم يَلي الأبَ -إنْ لَم يَكُنْ مَوجودًا- وَصيُّ الأبِ، وكذلك وَصيُّ وَصيِّه وإنْ بَعُدَ؛ لأنَّه كالوَكيلِ المُفوَّضِ إليه.
(١) «المبسوط» (٢٥/ ٢٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٩٥، ٣٠٠)، و «حاشية ابن عابدين مع الدر المختار» (٦/ ١٧٤، ١٧٥)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٩٢) (٥/ ١١٠).
ولا يَبيعُ الوَصيُّ العَقارَ الذي لِمَحجورِه إلا لِسَبَبٍ يَقتَضي بَيعَه، وبَيِّنةٍ لِلتُّهمةِ، بأنْ يَشهَدَ العُدولُ أنَّه إنَّما باعَه لِكذا، أمَّا الذِّكْرُ باللِّسانِ دونَ بَيِّنةٍ فلا يَظهَرُ له كَبيرُ فائِدةٍ؛ إذْ ما مِنْ وَصيٍّ يُريدُ تَفويتَ رِيعَ اليَتيمِ إلا ذَكَرَ بلِسانِه ما شاءَ مِنَ الأسبابِ، وذلك مُتَأتٍّ لكلِّ أحَدٍ بلا كُلفةٍ أصلًا.
وليس لِلوَصيِّ أنْ يَهَبَ شَيئًا مِنْ مالِ مَحجورِه لِلثَّوابِ بخِلافِ الأبِ؛ لأنَّ هِبةَ الثَّوابِ إذا فاتَتْ بيَدِ المَوهوبِ لَم يَلزَمْه إلا القيمةُ، والوَصيُّ كالحاكِمِ فليس له البَيعُ بالقيمةِ إلا لِضَرورةٍ، بخِلافِ الأبِ.
ثم الحاكِمُ يَليهما عندَ فَقدِهما، أي: الأبِ ووَصيِّه، فإنْ لَم يَكُنْ له أبٌ ولا وَصيٌّ فالحاكِمُ حينَئذٍ هو الناظِرُ في أحوالِه، أو يُقيمُ مَنْ يَنْظُرُ له في ذلك، وكذا لِمَنْ طَرَأ عليه الجُنونُ أو السَّفَهُ بعدَ رُشدِه، ولا يَكونُ الرُّشدُ إلا بعدَ البُلوغِ؛ لأنَّ الرُّشدَ بُلُوغٌ وحُسْنُ تَصرُّفٍ.
ويَجوزُ لِلحاكِمِ أنْ يَبيعَ مالَ اليَتيمِ بالشُّروطِ التاليةِ:
الشَّرطُ الأوَّلُ: أنْ تَدعوَ إليه الضَّرورةُ، كالنَّفَقةِ ووَفاءِ الدَّينِ ونَحوِهما، وإلا لَم يَجُزِ البَيعُ؛ لأنَّه تَفويتٌ لِغَيرِ مَصلَحةٍ.
الشَّرطُ الثاني: ثُبوتُ يُتْمِ المَحجورِ عليه؛ لِاحتِمالِ وُجودِ أبيه.
الشَّرطُ الثالِثُ: ثُبوتُ إهمالِه، أي: خُلُوُّه عن وَصيٍّ أو مُقدِّمٍ.
الشَّرطُ الرابِعُ: ثُبوتُ مِلكِ اليَتيمِ لِما يُرادُ بَيعُه؛ لِاحتِمالِ أنْ يَبيعَ ما ليس له، ومِثلُه السَّفيهُ والمَجنونُ، فلا يَبيعُ لَهما الحاكِمُ إلا بتلك الشُّروطِ.
الشَّرطُ الخامِسُ: ثُبوتُ أنَّه الأوْلَى بالبَيعِ مِنْ غَيرِه، فإذا لَم يَكُنْ هو الأوْلَى بالبَيعِ مِنْ غَيرِه مُنِعَ؛ لأنَّه تَفويتٌ لِغَيرِ مَصلَحةٍ.
الشَّرطُ السادِسُ: التَّسوُّقُ بالمَبيعِ بإظهارِه لِلبَيعِ والمُناداةِ عليه المَرَّةَ بعدَ المَرَّةِ؛ لِحُصولِ الرَّغبةِ فيه، وعَدَمِ إلْفَاءِ -أي: عَدَمِ وُجودِ- زائِدٍ على الثَّمَنِ الذي أُعطِيَ فيه.
الشَّرطُ السابِعُ: ثُبوتُ السَّدادِ في الثَّمَنِ المُعطَى فيه بأنْ يَكونَ ثَمَنَ المِثلِ فأكثَرَ، وأنْ يَكونَ الثَّمَنُ عَينًا وحالًّا، لا عَرَضًا، ولا مُؤجَّلًا.
الشَّرطُ الثامِنُ: التَّصريحُ بأسماءِ الشُّهودِ في وَثيقةِ البَيعِ بأنْ يَكتُبَ في السِّجِلِّ: ثَبَتَ عِندي بشَهادةِ فُلانٍ وفُلانٍ يُتمُه … إلى آخِرِ الشُّروطِ.
وإلا نُقِضَ حُكمُه، خَشيةَ أنْ يُقالَ بعدَ ذلك: ما بِيعَ ليس هو ما شُهِدَ بأنَّه مِلكُ اليَتيمِ.
وأمَّا الحاضِنُ -أي: الكافِلُ- الذي يَكفُلُ اليَتيمَ -ذَكَرًا كان أو أُنثى، قَريبًا كان أو أجنَبيًّا- كجَدٍّ وأخٍ وعَمٍّ وأُمٍّ فليس له تَصرُّفٌ ببَيعٍ ونَحوِه، ويُنقَضُ فِعلُهم.
ويَجوزُ إمضاءُ اليَسيرِ مِنْ تَصرُّفِ الحاضِنِ ونَحوِه في مالِ اليَتيمِ، وهو الذي تَتوقَّفُ عليه ضَرورةُ المَعاشِ مِنْ أكلٍ أو كِسوةٍ، فلا يُنقَضُ ما باعَه، ولا يُتبَعُ به المُتصَرِّفُ، والظاهِرُ أنَّه يَختَلِفُ باختِلافِ العُرفِ، فلا يُحَدُّ بعَشَرةِ دَنانيرَ أو أكثَرَ.
ولا يَبيعُه إلا بشُروطٍ، وهي: مَعرِفةُ الحَضانةِ، وصِغَرُ المَحضونِ،
والحاجةُ المُوجِبةُ لِلبَيعِ، ويَسارةُ المَبيعِ، وأنَّه أحَقُّ ما يُباعُ، ومَعرِفةُ السَّدادِ في الثَّمَنِ، فيَشهَدُ بهذه الشُّروطِ بَيِّنةٌ مُعتَبَرةٌ شَرعًا.
وإذا أُقيمَ على المُبتاعِ فيما باعَه الكافِلُ فعليه أنْ يُثبِتَ هذه الشُّروطَ وأنَّه أنفَقَ الثَّمَنَ عليه، وأدخَلَه في مَصالِحِه، فإذا اختَلَّ شَرطٌ منها فلِلمَحضونِ إذا كَبِرَ الخيارُ في رَدِّ البَيعِ وإمضائِه.
واستَحسَنَ كَثيرٌ مِنَ المُتأخِّرينَ أنَّ العُرفَ الجاريَ بينَ الناسِ -كأهلِ البَوادي والأريافِ وغَيرِهم- بمَوتِ الواحِدِ منهم، ولا يُوصي على أولادِه اعتمادًا على أخٍ أو جَدٍّ أو عَمٍّ لَهم يُعرَفُ بالشَّفَقةِ عليهم، يَنْزِلُ مَنزِلةَ التَّصريحِ والنَّصِّ بإيصائِه عليهم، وله البَيعُ في القَليلِ والكَثيرِ بشُروطِه السابِقةِ فيَمضي ولا يُنقَضُ، وليس لِلوَلَدِ بعدَ كِبَرِه كَلامٌ، وهي مَسألةٌ نافِعةٌ كَثيرةُ الوُقوعِ، ولا سيَّما في هذه الأزمِنةِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: وَليُّ الصَّغيرِ أبوه بالإجماعِ، إذا كان أمينًا، وليس لِلحاكِمِ مَنْعُه مِنْ ذلك، ثم جَدُّه أبو الأبِ وإنْ عَلا، كوِلايةِ النِّكاحِ، وتَكفي عدالَتُهما الظاهِرةُ لِوُفورِ شَفَقَتِهما، فإنْ فَسَقا نَزَع القاضي المالَ منهما.
وهل يَنعزِلانِ بالفِسقِ؟ وَجهانِ: أحَدُهما يَنْزِعُ القاضي المالَ منهما، فإذا عادا إلى الصَّلاحِ عادتْ وِلايَتُهما وأمانَتُهما على الأصَحِّ.
(١) «تحبير المختصر» (٤/ ١٦٧، ١٦٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٤٨٦، ٤٨٩)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٤٩٠، ٤٩٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٨٥، ٨٦)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٩٧، ٢٩٩)، و «الشرح الصغير» (٧/ ٣٦١، ٣٦٥).
ولا يُعتبَرُ إسلامُهما إلا أنْ يَكونَ الوَلَدُ مُسلِمًا، فإنَّ الكافِرَ يَلي وَلَدَه الكافِرَ، لكنْ لو تَرافَعوا إلينا لَم نُقِرَّهم، ونَلي نحن أمرَهم، بخِلافِ وِلايةِ النِّكاحِ؛ لأنَّ المَقصودَ بوِلايةِ المالِ الأمانةُ، وهي في المُسلِمينَ أقوى، والمَقصودُ بوِلايةِ النِّكاحِ المُوالاةُ، وهي في الكافِرِ أقوى.
ثم وَصيُّهما، أي: وَصيُّ مَنْ تأخَّرَ مَوتُه منهما؛ لأنَّه يَقومُ مَقامَه، وشَرطُه العَدالةُ.
ثم القاضي أو أمينُه؛ لقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهَا» (١).
ولو كان اليَتيمُ ببَلَدٍ ومالُه في آخَرَ فالوَليُّ قاضي بَلَدِ المالِ؛ لأنَّ الوِلايةَ عليه تَرتَبِطُ بمالِه كمالِ الغائِبينَ، لكنَّ مَحَلَّه في تَصرُّفِه فيه بالحِفظِ والتَّعهُّدِ بما يَقتَضيه الحالُ مع الغِبطةِ اللائِقةِ إذا أشرَفَ على التَّلَفِ.
أمَّا تَصرُّفُه فيه بالتِّجارةِ والاستِنْماءِ، فالوِلايةُ عليه لِقاضي بَلَدِ اليَتيمِ؛ لأنَّه وَليُّه في النِّكاحِ، فكذا في المالِ.
وعلى هذا فلِقاضي بَلَدِه العَدلِ الأمينِ أنْ يَطلُبَ مِنْ قاضي بَلَدِ مالِه إحضارَه إليه عندَ أمْنِ الطَّريقِ؛ لِظُهورِ المَصلَحةِ له فيه، ولِيَتَّجِرَ له فيه، أو يَشتريَ له به عَقارًا، ويَجبُ على قاضي بَلَدِ المالِ إسعافُه بذلك.
وحُكمُ المَجنونِ حُكمُ الصَّبيِّ في تَرتيبِ الأولياءِ، وكذا مَنْ بَلَغ سَفيهًا.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وأحمد (٦/ ٦٦).
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.