الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > تصرفات المفلس قبل الحجر عليه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةتَصرُّفاتُ المُفلِسِ قبلَ الحَجْرِ عليه:
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ما فَعَلَه المُفلِسُ قبلَ حَجْرِ الحاكِمِ عليه مِنْ بَيعٍ أو هِبةٍ أو إقرارٍ أو قَضاءِ بَعضِ الغُرَماءِ أو غيرِ ذلك فهو جائِزٌ نافِذٌ، وبهذا قال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ، ولا نَعلَمُ أحَدًا خالَفَهم؛ ولأنَّه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه نَفَذَ تَصرُّفُه كغَيرِه، ولأنَّ سَبَبَ المَنعِ الحَجْرُ لا يَتقدَّمُ سَبَبَه؛ ولأنَّه مِنْ أهلِ التَّصرُّفِ ولَم يُحجَرْ عليه، فأشبَهَ المَليءَ، وإنْ أكرى جَمَلًا بعَينِه أو دارًا لَم تَنفَسِخْ إجارَتُه بالفَلَسِ، وكان المُكتَري أحَقَّ به حتى تَنقَضيَ مُدَّتُه.
ومتى حُجِرَ عليه لَم يَنفُذْ تَصرُّفُه في شَيءٍ مِنْ مالِه، فإنْ تَصرَّفَ ببَيعٍ أو هِبةٍ أو وَقفٍ أو أصدَقَ امرأةً مالًا له أو نحوَ ذلك لَم يَصحَّ، وبهذا قال مالِكٌ والشافِعيُّ في قَولٍ، وقال في آخَرَ: يَقِفُ تَصرُّفُه، فإنْ كان فيما بَقيَ مِنْ مالِه وَفاءُ الغُرَماءِ نَفَذَ وإلا بطَل.
ولنا: أنَّه مَحجورٌ عليه بحُكمِ حاكِمٍ، فلَم يَصحَّ تَصرُّفُه كالسَّفيهِ؛ ولأنَّ حُقوقَ الغُرَماءِ تَعلَّقتْ بأعيانِ مالِه لَم يَصحَّ تَصرُّفُه فيها، كالمَرهونةِ.
فأمَّا إنْ تَصرَّفَ في ذِمَّتِه فاشتَرى أو اقتَرَضَ أو تَكفَّلَ صَحَّ تَصرُّفُه؛ لأنَّه أهلٌ لِلتَّصرُّفِ، إنَّما وُجِدَ في حَقِّه الحَجْرُ، والحَجْرُ إنَّما يَتعلَّقُ بمالِه لا بذِمَّتِه، ولكنْ أصحابُ هذه الدُّيونِ لا يُشارِكُونَ الغُرَماءَ؛ لأنَّهم رَضُوا بذلك إذا عَلِموا أنَّه مُفلِسٌ وعامَلوه، ومَن لَم يَعلَمْ فقد فَرَّطَ في ذلك، فإنَّ هذا في مَظِنَّةِ الشُّهرةِ ويُتبَعُ بها بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، وإنْ أقَرَّ بدَينٍ لَزِمَه بعدَ فَكِّ
الحَجْرِ عنه، نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قَولُ مالِكٍ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ والثَّوريِّ والشافِعيِّ في قَولٍ، وقال في الآخَرِ: يُشارِكُهم، واختارَه ابنُ المُنذرِ؛ لأنَّه دَينٌ ثابِتٌ مُضافٌ إلى ما قبلَ الحَجْرِ، فيُشارِكُ صاحِبُه الغُرَماءَ كما لو ثَبَتَ ببَيِّنةٍ.
ولنا: أنَّه مَحجورٌ عليه، فلَم يَصحَّ إقرارُه فيما حُجِرَ عليه فيه، كالسَّفيهِ أو كالراهِنِ يُقِرُّ على الرَّهنِ؛ ولأنَّه إقرارٌ يُبطِلُ ثُبوتُه حَقَّ غيرِ المُقِرِّ، فلَم يُقبَلْ، أو إقرارٌ على الغُرَماءِ، فلَم يُقبَلْ كإقرارِ الراهِنِ؛ ولأنَّه مُتَّهَمٌ في إقرارِه، فهو كالإقرارِ على غَيرِه، وفارَقَ البَيِّنةَ، فإنَّه لا تُهمةَ في حَقِّها، ولو كان المُفلِسُ صانِعًا -كالقَصَّارِ والحائِكِ- في يَدَيْهِ مَتاعٌ فأقَرَّ به لِأربابِه لَم يُقبَلْ إقرارُه، والقَولُ فيها كالتي قَبلَها، وتُباعُ العَينُ التي في يَدَيْه وتُقَسَّمُ بينَ الغُرَماءِ، وتَكونُ قيمَتُها واجِبةً على المُفلِسِ إذا قَدَرَ عليها؛ لأنَّها صُرِفتْ في دَينِه بسَبَبٍ مِنْ جِهَتِه، فكانَتْ قيمَتُها عليه، كما لو أذِنَ في ذلك، وإنْ تَوجَّهتْ على المُفلِسِ يَمينٌ فنَكَلَ عنها فقُضيَ عليه فحُكمُه حُكمُ إقرارِه، يَلزَمُ في حَقِّه ولا يُحاصِصُ الغُرَماءَ (١).
وقال البُهوتيُّ رحمة الله عليه: وتَصرُّفُ المُفلِسِ في مالِه قبلَ الحَجْرِ عليه صَحيحٌ نَصًّا، ولو استَغرَقَ دَينُه جَميعَ مالِه؛ لأنَّه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه، ولأنَّ سَبَبَ المَنعِ الحَجْرُ، فلا يَتقدَّمُ سَبَبَه، ويَحرُمُ إنْ أضَرَّ بغَريمِه، ذَكَرَه الآمِديُّ البَغداديُّ (٢).
(١) «المغني» (٤/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٦٤).
(٢) «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٤٨).
المجموع شرح المهذب · النووي · تابع كتاب البيوع
باب الحجر
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الحجر
إذا ملك الصبى أو المجنون مالا حجر عليه في ماله، والدليل عليه قَوْله تَعَالَى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) فدل على أنه لا يسلم إليه المال قبل البلوغ والرشد.
(الشرح) الحجر في اللغة المنع والتضييق.
ومنه سمى الحرام حجرا.
قال الله تعالى " ويقولون حجرا محجورا " أي حراما محرما، ويسمى العقل حجرا.
قال تعالى " هل في ذلك قسم لذى حجر " سمى حجرا لمنعه صاحبه من ارتكاب القبائح، وما يضر العاقبة، وسمى حجر البيت حجرا لانه يمنع من الطواف به.
وفى الشريعة منع الانسان من التصرف في ماله والمحجور عليهم ثمانية، ثلاثة حجر عليهم لحق أنفسهم وخمسة حجر عليهم لحق غيرهم، فالذين حجر عليهم لحق أنفسهم: فالصبي والمجنون والسفيه.
والمحجور عليهم لحق غيرهم فهم المفلس يحجر عليه لحق الغرماء، والمريض لحق الورثة، والعبد القن.
والمكاتب - بفتح التاء لحق المكاتب بكسرها - والمرتد لحق المسلمين.
والاصل في ثبوت الحجر على الصبى قَوْله تَعَالَى " وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا " والابتلاء الاختبار.
قال تعالى " هو الذى خلقكم ليبلوكم أيكم أحسن عملا " أي ليختبركم واليتيم من مات أبوه وهو دون البلوغ.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يُتْمَ بَعْدَ الحلم " وقوله تعالى " إذا بلغوا النكاح " أراد به البلوغ، فعبر عنه به، وقوله تعالى " آنستم منهم رشدا " أي علمتم منهم رشدا، فوضع الايناس موضع العلم، كما وضع الايناس موضع الرؤية في قوله تعالى " آنس من جانب الطور نارا " أي رأى
روى أنها نزلت في ثابت بن رفاعة وفى عمه.
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.